تجلس غادة (اسم مستعار) على مقعد خشبي مقابل مقعدي، لكن عينيها تذهبان إلى بعيد؛ تنظران إلى الأفق الذي يبدو مسدوداً، وبجانبها يجلس ابنها الذي لا يفارقها ويبقى محدقاً في وجهها المضطرب. تبلغ غادة 33 عاماً، ولديها ولدان؛ الأول يبلغ 11 عاماً والثاني يقترب من العاشرة.
إنها من إحدى بلدات الجنوب، تعيش وحيدة في النبطية، وتعمل في أحد المحلات التجارية لتؤمن معيشة أبنائها وتعليمهما، وزوجها بعيد عن عائلته. تقول غادة: “كنت طفلة عندما انسحبت إسرائيل من الجنوب عام 2000، لم أعش الحروب من قبل، إلى أن بدأت حرب عام 2024. قررت البقاء في النبطية، أعيش الضربات الجوية بالقرب مني، لم أتوقع أن تصل الضربات إلى قرب منزلي. وعند وقوع أول ضربة قرب المنزل، أصبت بصدمة، بكى الطفلان، لم أعلم ماذا أفعل، حضنت الطفلين وصرنا نبكي جميعاً. تركت منزلي وتوجهت إلى منزل أهلي، ثم إلى بيروت ومنها إلى عكار لأبقى مع عائلة أهل أبنائي.
كنا أربع عائلات في منزل واحد في إحدى بلدات عكار، قضيت أسوأ أيام حياتي، ليس بسبب الحرب التي لم تصل إلى هناك، بل بسبب سوء المعاملة التي تعرضت لها من أهل زوجي. كنت أتصل بأهلي وأقول لهم إني أرغب بالعودة إلى بيروت وهم يقولون لي: طولي بالك، إلى أن أقدم شقيق زوجي على ضربي، فأخذت قرار العودة إلى حيث بقيت عائلة والدي في بيروت”.
لم أعرف مصيري ومصير أبنائي؛ تساءلت: هل سأجد المنزل؟ وإذا وجدته، ما هو مصير الولدين؟
تصمت غادة لحظات، والدموع تنهمر من عينيها، لتضيف: “يومها لم أعرف مصيري ومصير أبنائي؛ تساءلت: هل سأجد المنزل؟ وإذا وجدته، ما هو مصير الولدين؟ وما هو مصير مدرستهما؟ هل يكملان تعليمهما؟ وكيف سنعيش وكيف سأؤمن الحياة لهما وأنا وحيدة ولا معيل معي؟ وكيف ستكون نفسيتهما وطوال الوقت يبكيان ويخافان من كل صوت قوي؟”.
عند عودتها إلى النبطية كانت أضرار المنزل بسيطة مقارنة مع المنازل المحيطة به، لكنه كان بدون شبابيك وبدون زجاج وقد تعرض الأثاث للتخريب بسبب القصف، “لكن خسارة أرواح الأهل والأصدقاء كانت أصعب بكثير من خسارة المنازل”. عادت غادة إلى منزلها، لكنها كانت قد وضبت ثياباً لأطفالها مع الأوراق الثبوتية وجوازات السفر في حقائب جاهزة، وكانت تنتظر ما سيحصل بعد وقف إطلاق النار السابق.
لم تنتظر أكثر من عام وثلاثة أشهر، “ليل الأول من آذار كنت وأولادي في منزل أهلي، بانتظار الصباح لأتوجه إلى عملي. علمنا أنهم قصفوا الضاحية الجنوبية، لكننا استيقظنا على أصوات غارة (تول). لم أستطع العودة إلى منزلي لإحضار الحقائب ولا توجد لدينا سيارة ننتقل بها لإحضار الأغراض. والدي كان نائماً في منزلي، أخبرته بإحضار الثياب والأوراق الرسمية. تواصلنا مع أحد أصحاب الفانات الذي نقلنا مسافة وعاد بنا إلى النبطية وأخبرنا أنه لن يستطيع نقلنا بسبب ازدحام السير. بقينا في منزل أهلي إلى أن تواصلنا مع سائق فان آخر أوصلنا إلى هذه المدرسة في صيدا بعد أن قضينا ست ساعات في الطريق”.
قررت البقاء في النبطية، أعيش الضربات الجوية بالقرب مني،
لم أتوقع أن تصل الضربات إلى قرب منزلي
تزيد: “وفي اليوم الثاني أحضر والدي الحقائب والأوراق الثبوتية وجوازات السفر. نمنا أول ليلتين على البلاط بدون فرش ولا مخدات، وبعد ذلك تم تأمين الحد الأدنى من مستلزمات الحياة اليومية”.
تصمت غادة قليلاً، وهي تنقل عينيها من اليمين إلى اليسار، لا تعرف كيف تتصرف، لكنها تسألني: “رجاءً لا تسألني كيف أعيش، كيف سنكمل حياتنا؟ لا أريد لأولادي أن يعيشوا الحرب، لم يبقَ في حياتي شيء أهتم به سوى أبنائي، وأي مستقبل ينتظرهما؟ لا تفكر أني أنام، أشعر بالفراغ، لا راحة بال ولا أفق مفتوح. كل ما أريده هو أن تنتهي الحرب، وأنا مستعدة أن أعوض أطفالي عن كل شيء، كي لا يعيشا الحرب مجدداً وألا يتأثرا بها. لا أريد أن تصبح معرفتهما وثقافتهما تقتصر على تمييز أنواع الأسلحة والانفجارات، أريدهما أن يكبرا بدون حرب. لا أريد شيئاً لنفسي، أريد لهما كل شيء”.
شيء يوقفها عن الكلام، قبل أن تستطرد بالقول: “أيضاً إلى جانب هذا الوضع النفسي الصعب، أفكر بوضعي المادي، وكيف يمكن أن أؤمن أولويات أطفالي من المدارس والكتب وكل شيء لهما. والآن نعيش مع أهلي في مركز الإيواء هذا، ولا نعرف هل سنعود إلى ما تبقى من منزلنا؟ وكيف سنكمل حياتنا؟”.













