بين حقيبة نجاة وحقيبة قلق: ماذا يحمل الشباب اللبناني؟

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
31/10/20266:14 م

لا تدرك راوية (التي لا ترغب بذكر اسمها)، 55 عامًا، التي تعاصر مختلف المراحل والأحداث المؤلمة كالأزمات والحروب، في لبنان منذ السبعينيات وحتى يومنا هذا، أنها لن تكون بمقدورها الاستغناء عن حقيبتها الجلدية بنية اللون التي تظهر عليها بصمات الزمن لتسرق تفاصيلها، وهي الرفيق الدائم لراوية حيث تضع داخلها كل أغراضها الهامة وتلك التي تسميها احتياطاً، حتى إذا ما طرأ أي طارئ تكون راوية على أتم الجهوزية للمغادرة برفقة عائلتها وتلك الحقيبة.

 لكن تلك الحقيبة المهترئة لا بد من استبدالها بحقيبة جديدة لا تختلف في وظيفتها عن القديمة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الحقيبة إلى مصدر للأمان النفسي كلما تلوح في الأفق أخبار مقلقة، فتلجأ راوية إلى فحص الحقيبة في مخبئها خلف باب غرفة الجلوس.

غير أن المفاجأة الصادمة تحدث عندما تناديها ابنتها ذات السبعة عشر عاماً، “أمي، هل جهزت الحقيبة؟”؛ لتتفاجأ بالسؤال دون أن تجد له مبرراً واضحاً، قبل أن تدرك حينها أن الحقيبة ليست مجرد مستودع لأغراض الاحتياط، بل مخزن لمخاوف ابنتها الشابة وقلقها من مستقبل غامض لا يمكن التنبؤ بمعالمه.

في ظل استمرار الأزمات المتلاحقة في لبنان، وبعيداً عن الحي الذي تقطنه راوية، يرسم رامي (اسم مستعار) عاماً، على ملامحه علامات القلق التي تعكس ما يكرره دائماً على مسامع عائلته: “لماذا لا أهاجر؟ قضيت معظم أيام حياتي وسط الأزمات والحروب”.

هكذا يعيش اللبنانيون واللبنانيات، على اختلاف أعمارهم/ن، مأساة تاريخ حافل بالتخبط والأزمات. لكن الأصعب من ذلك كله هو أن كل جيل ينال نصيبه من هذه الأحداث المتتالية، لينتهي به المطاف مسناً يروي لأحفاده حكايات الخوف والقلق والصمود؛ وهو ما تجسده البيانات والأرقام عند تتبع مسار هذه الاضطرابات عبر السنوات.

ماذا تقول الأرقام عن الأحداث والاضطرابات المتتالية؟

تتسم المرحلة الممتدة بين عامي 1975 و2026 بأحداث واضطرابات متتالية تتخللها فترات قصيرة من الهدوء، مما يتسبب على مدار خمسين عاماً بضغوط نفسية شديدة.

تبيّن الأرقام أن النسبة الخاصة بمواليد عام 1975 تبلغ 68.6% (حيث إن نسبة الأحداث التي يعيشها الشباب اللبناني وفق المراحل العمرية تبلغ 68.6% بالنسبة إلى مواليد 1975)، بينما تسجل 65.05% لمواليد عام 1980، وهي نسب مرتفعة للغاية.

أما اللافت فهو التقارب في النسب بين مواليد عام 1990 ومواليد عام 2010 على سبيل المثال، إذ تشكل الأزمات قاسماً مشتركاً بين هاتين الفئتين العمريتين، وإن تختلف طبيعة الأحداث جزئياً بينهما,وهو ما يظهر في الرسم البياني المولد بالذكاء الاصطناعي.

وبينما تسلط الأرقام الضوء على كثافة الأحداث وتتابُعها، يبقى التساؤل قائماً حول طبيعة الآثار النفسية التي تتركها هذه المراحل في ذاكرة الأفراد ونفوسهم.

أحداث تهدأ وآثار تبقى

في محاولة لتتبع الآثار الناجمة عن الأحداث والأزمات والحروب التي يعيشها الشباب اللبناني، نجد أن الفترة الممتدة بين عامي 1980 و1990 تشهد انخفاضاً في النسب مقارنة بمراحل سابقة أو لاحقة. ومن هنا يطرح السؤال نفسه: هل تنخفض الآثار النفسية الناجمة عن هذه الأحداث بالتوازي مع تراجع نسبتها؟

إن الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال ترتبط بعوامل متعددة تساهم في عدم توثيق تلك الآثار النفسية بشكل كافٍ، ومنها:

1- الوصمة الاجتماعية: تمتنع فئات واسعة عن طلب العلاج النفسي باعتباره أمراً يُعاب اجتماعياً أو لكلفته المادية العالية. وفي السياق نفسه، تشير المعالجة النفسية آية مهنا في حديثها لـ “صلة وصل” إلى أنه “لفترة طويلة، يظل الحديث عن الصحة النفسية خاضعاً للمحرمات؛ إذ يُعدّ نوعاً من العيب أو الضعف، مما يدفع البعض إلى إخفاء معاناتهم وتأجيل طلب المساعدة أو العجز عن تشخيص حالتهم. وبدلاً من التعبير الصريح عن الاكتئاب أو القلق، تظهر الضغوط النفسية بطرق غير مباشرة، مثل اضطرابات النوم، والانسحاب الاجتماعي، والمشكلات العلاقاتية، وإدمان المواد، وصعوبات التركيز”.

وتظهر إحصاءات المسح الوطني لعام 2008 وجود تأخر ملحوظ في طلب العلاج يتراوح بين 6 أعوام و28 عاماً من بداية ظهور الاضطرابات النفسية حتى بدء تلقي الرعاية.

2- غياب المسوحات الوطنية: تنعدم دراسات الآثار النفسية قبل عام 2008، في ظل غياب المبادرات الرسمية لتقييم تداعيات الحرب؛ إذ تعتمد الدولة سياسة “النسيان القسري” عام 1991 من خلال قانون العفو العام.

في هذا الصدد، تؤكد المعالجة النفسية ريما بجاني لـ “صلة وصل” أنه بغض النظر عن وجود الإحصاءات من عدمها، فإن الأعراض النفسية تكون في تزايد مستمر نتيجة توالي الأحداث. وتضيف: “على الرغم من الانطباع السائد بأن الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2019 كانت هادئة نسبياً، إلا أنها تشهد محطات قاسية مثل حرب عام 2006. ومن جهة أخرى، تكون الحلول المطروحة على مختلف الأصعدة النفسية والسياسية والاقتصادية مجرد معالجات مؤقتة لا تطال الرواسب والتداعيات العميقة، بل تكتفي بتأجيلها.”

كما تبين الدراسة الصادرة عام 2013 ارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة لدى المراهقين والمراهقات في لبنان بين عامي 1975 و2006، تزامناً مع تصاعد الأزمات وعدم استقرار الأوضاع.

ولفهم كيفية تفسير وتوثيق هذه التداعات النفسية المتراكمة عبر المراحل المختلفة، تتناول الدراسات العلمية أبعاد هذه الآثار وتأثيراتها المتفاوتة على الأفراد.

دراسات توثق الآثار النفسية

“يختلف تأثير الأحداث وطرق التعامل معها من شخص لآخر”، تقول الدكتورة ريما بجاني وتضيف: “يمتلك بعض الأشخاص القدرة على تجاوز الأزمات بفضل مهارات وآليات استجابة يطورونها مع الوقت، بينما قد تدفع الأزمات نفسها أشخاصاً آخرين يفتقرون إلى هذه القدرات نحو سلوكيات حادة قد تصل إلى الانتحار”.

من جانبها، ترى المعالجة النفسية المختصة بالصدمات آية مهنا أن التعرض للأزمات لا يعني بالضرورة الإصابة الحتمية بالاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة؛ إذ يخضع الأمر لعوامل متعددة مثل العمر، وتوقيت الحدث، وحجم الخسائر، والوضع الاقتصادي والاجتماعي، ومدى توفر شبكات الدعم واستعادة الاستقرار والسيطرة على الحياة.

تكشف هذه الدراسة عن تباين كبير في معدلات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة بين المراهقين (من 8.5% خلال الحرب الأهلية إلى 35% عقب حرب عام 2006)، مُرجعة هذا التفاوت إلى الفروق الفردية في الكفاءة الذاتية، ووجود صعوبات دراسية أو إعاقات حسية، فضلاً عن طبيعة الفقدان أو الدمار الذي يتعرض له الفرد.

ولما كانت الآثار النفسية تتمثل عادة بمظاهر مثل القلق، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة، فقد تناولت دراسات عديدة الآثار النفسية الناتجة عن المرحلة الممتدة بين 1975–1990. بعضها يركز على الأطفال حيث إن الآثار النفسية التي تصيبهم قد يكون لها تأثير على مستقبلهم وأهمية وجود الدعم العائلي خلال الحروب. أما في تناول المرحلة 1991-2016 فتبين إحدى الدراسات وجود فجوة علاجية وأن 25.8% من البالغين يعانون من اضطراب نفسي واحد على الأقل خلال حياتهم وأن اضطرابات القلق والاضطرابات المزاجية هي الأكثر انتشاراً من غيرها من الاضطرابات.

في المرحلة الممتدة 2017-2026 تبين دراسة تنامي الميول الانتحارية عند اليافعين والمراهقين ووجود فجوة علاجية. كما أن هناك تفاقماً في أزمة الصحة النفسية بين الشباب بسبب أحداث مثل انفجار بيروت وجائحة كورونا وعدم الاستقرار الاقتصادي حسب دراسة أخرى.

تقرير لليونيسف 2026 يظهر أن تأثير النزاع على الأطفال يتجاوز الأذى الجسدي المباشر، مشيراً إلى أن عوامل فقدان التعليم وانعدام الأمان وعدم توفير الخدمات النفسية والاجتماعية وغيرها من العوامل هي ما تمكّن معالجته الأطفالَ من الانتقال من مجرد التكيف إلى التعافي الحقيقي بعد النزاع.

ومن المهم الإشارة إلى أن هناك دراسات تربط بين أنواع مختلفة من الآلام الجسدية بين طلاب الجامعات في لبنان ومشاكل الصحة النفسية. كما يتم الربط من جهة أخرى 

في الدراسات بين الآثار النفسية الناتجة عن الحروب وعدم التعافي منها وبين التسرب المدرسي.

الوقت والذاكرة ومصير الصدمات

يطرح مصير الصدمات غير المعالجة سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت تندثر مع مرور الوقت أم تظل قابعة في الذاكرة والجسد.

تتناول العديد من الدراسات المسارات المختلفة للصدمات؛ حيث يرى بعضها أن الصدمات المكتومة قد تستقر في الجسد لتتحول إلى أعراض وآلام جسدية. كما قد تتخذ مسارات أخرى حين يستعيد الفرد مشاعر الخوف والقلق القديمة مع وقوع أزمات جديدة، أو حين يتفاقم الاكتئاب والقلق بسبب التأخر في تلقي العلاج. أما المسار الأكثر خطورة فيتمثل في انتقال آثار الصدمات عبر الأجيال من الآباء إلى الأبناء، ليورث القلق لجيل جديد لم يعايش الصدمة الأولى مباشرة.

تؤكد د. بجاني أن مرور الوقت بمفرده لا يمحو آثار الصدمات، بل تكمن أهميته في إتاحة الفرصة للفرد لتطوير مهاراته وتعميق نضجه في التعامل مع الأزمات. ومن جانبها، تبيّن الاخصائية النفسية آية مهنا أن قدرة الإنسان على التكيف واستمرار حياته لا تعني بالضرورة زوال أثر التجربة؛ إذ يمكن للذاكرة أن تنشط ردود فعل قديمة عند وقوع حدث جديد يستدعي مشاعر الخطر أو العجز أو فقدان الأمان. 

وعلى سبيل المثال، تلاحظ د. بجاني أن انفجار مرفأ بيروت لا يكتفي بالتسبب بالقلق لمن حضروه، بل يعيد تحفيز الذاكرة الباطنية لدى من شهدوا حرب عام 1975، ليحيي مشاهد الفاجعة والخوف من جديد عبر الصور والتغطيات الإعلامية وأصوات سيارات الإسعاف.

ولا تقتصر هذه الآثار والصدمات على الأفراد الذين شهدوها فحسب، بل تمتد لتتجاوز الحدود الزمنية والأجيال عبر مسارات متعددة.

انفوجرافيك مولد بالذكاء الاصطناعي

آثار عابرة للأجيال

تشير الدراسات إلى أن هناك مسارين يمكن للآثار النفسية الانتقال عبرهما إلى الأجيال وهما: المسار النفسي البيئي والمسار الجيني الوراثي.

فبحسب المسار النفسي البيئي، تلعب التنشئة الأسرية وتمثل الأبناء بسلوكيات الآباء دوراً رئيسياً في نقل هذه الآثار، لا سيما في ظل التوتر المستمر للأحداث. وتشير الدكتورة بجاني إلى أن الأطفال يتأثرون بوالديهم ويتمثلون معهم منذ سن مبكرة جداً حتى قبل اكتمال قدراتهم التحليلية؛ لذا تبرز الأهمية البالغة لأسلوب التربية والرسائل والعبارات الموجهة للأبناء.

كما تنتقل هذه الآثار عند مواجهة الأسرة لأزمات جديدة، كانفجار المرفأ أو الضغوط المادية، مما يؤدي إلى إحياء الذكريات والكوابيس لدى الآباء، وينعكس توترهم قلقاً غير مباشر على الأبناء، ويحد من قدرتهم على تقديم الدعم النفسي اللازم لهم.

أما المسار الثاني للآثار النفسية، وحسب الدراسات فهو يحصل من خلال الجينات التي تلتصق بها علامات بيولوجية أو بصمات كيميائية تنتج عن الصدمات التي يتعرض لها الآباء، وهي تنتقل من الآباء إلى الأبناء عبر الوراثة فتولد لديهم برمجة جينية مسبقة تجعلهم أكثر حساسية وهشاشة أمام التوتر، حتى وإن لم يعيشوا التجربة. هذه الجينات مسؤولة عن ضبط هرمون الكورتيزول والتحكم في استجابة الجسم للضغط النفسي.

وأمام هذا التاريخ من الأزمات المتلاحقة التي يشهدها لبنان على مدى خمسين عاماً، يصبح هناك تقاطع بين الآثار النفسية التي تحدثها الأزمات المعاشة وتلك التي تعبر إلى الأجيال الشابة من خلال الوراثة، مما يحتم على أي استراتيجية تريد النهوض بالصحة النفسية للشباب اللبناني أن تأخذ بعين الاعتبار هذه المعطيات مجتمعة. ولكن في خضم الواقع الذي يعيشه الشباب اللبناني وأوجه الظروف المتعددة الاجتماعية والسياسية، والتي سوف تستغرق وقتاً لمعالجتها، فإنه يفترض، وحسب ما تشير الاختصاصية في علم النفس العيادي كوزيت معلوف لـ “صلة وصل”، البدء بالعوامل التي يمكن السيطرة عليها؛ أي من الحالات التي تستدعي المعالجة النفسية كحالة الأشخاص الذين يعانون من القلق أو الاكتئاب أو الذين يلجأون إلى استخدام المخدرات. وتضيف بالنسبة للشباب اللبناني الذي يفتقد الرؤية للمستقبل، فهذا مشروع يُبنى أساساً من العائلة ومن منطلق أن المنزل هو المساحة الآمنة للتعبير عما يزعج الطفل وحتى قبل بلوغ مرحلة الشباب، ثم يضاف إلى هذا المكان المدرسة وبعد ذلك الأقران؛ إنها دوائر محيطة قادرة على تقديم الدعم والمساعدة قبل اللجوء إلى الطبيب النفسي.

في ظل حالة عدم اليقين المستمرة حيال المستقبل، يجد الشباب اللبناني نفسه متأرجحاً بين خيارين رمزيين: حقيبة الاحتراز المليئة بالحذر والخوف من الغد كاستجابة للتجارب المؤلمة، وحقيبة التخطيط والتنظيم للغد في سعي لاستعادة الأمان النفسي وبناء مستقبل يتجاوز مخاوف الماضي.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x