لم يقتصر الانهيار الذي يشهده لبنان على ميدان واحد من حياة المواطنين، بل امتدّ ليطال الميادين كافة، حارماً إياهم من أي أفق للأمل.
فقد أصاب الانهيارُ البعدَ الاجتماعيّ، وعمّق الانقسام العموديّ بين المكونات اللبنانية، حتى أضحى الاستقرار الأمني مجرد حلم بعيد المدى.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد تلاشت قيمة القطاعات الإنتاجية ودورها، ليتحول البلد إلى مجتمع استهلاكي بامتياز، وفاقد لشرط العيش الكريم. وعلى التوازي، تتراجع الخدمات الاجتماعية العامة، ليغدو المتاح منها أداة بيد الزعامات والقوى السياسية لتعزيز شبكات الزبائنية.
غير أن الأخطر يتمثل في القطاع التربوي؛ فبعد النهضة الواسعة التي شهدها لبنان مطلع ستينيات القرن الماضي، والتي جعلت التعليم المدرسية متاحاً للجميع بفضل تطوير المدرسة الرسمية وتعميمها على امتداد الوطن، يتراجع هذا القطاع بشكل متسارع.
ففي مدينة صيدا، على سبيل المثال، توجد أربع ثانويات وتسع مدارس ابتدائية ومتوسطة رسمية.
وفي مرحلة التأسيس والعمل المؤسسي الذي اعتمد المعايير العلمية والخبرة، شهدت المدارس الرسمية ازدهاراً وإقبالاً لافتين، نظراً للمستوى التعليمي المتقدم للكادر التدريسي، والإدارات التعليمية المتميزة، إلى حدّ اقتران اسم الثانوية بالمدير الذي قادها وطورها.
" تتراجع الخدمات الاجتماعية العامة، ليغدو المتاح منها أداة بيد الزعامات والقوى السياسية لتعزيز شبكات الزبائنية "
إلا أنه عقب اتفاق الطائف وترسيخ نظام المحاصصة القائم على توزيع المكتسبات بين الزعامات، تراجعت الكفاءة بوصفها معياراً رئيسياً للتعيين والتوظيف، لصالح حصص الطوائف ونفوذ القوى السياسية.
وأصبح شرط تعيين أي مدير مرتبطاً بمدى ولائه للجهة السياسية أو الطائفية النافذة، في تكريس لواقع نادراً ما يُكسر.
وفي صيدا، عُيّنت عبير حبلي مديرة لثانوية مصطفى الزعتري بالتكليف، كما عُيّنت إيمان الشامية سرعيني مديرة لثانوية ثريا فارس بالتكليف أيضاً.
وقبل نحو عام، حددت مديرية التعليم الثانوي موعداً لإجراء المقابلات وتقييم المرشحين لتولي الإدارة بالأصالة، ومن بينهم المديرتان المكلفتا إدارة الثانوينين.
غير أن وزارة التربية، وتحت غطاء الآلية الإصلاحية للتعيين، فرّغت الإصلاح من مضمونه عبر طريقة تشكيل لجان تقييم المرشحين ومشاريعهم؛ حيث أصدرت الوزيرة ريما كرامي القرار رقم 1711 بتكليف د. مازن القطب بصفته خبيراً تربوياً في لجنة التقييم، لكنه ما لبث أن اعتذر عن عدم إكمال المهمة بعد مشاركته في جلسة واحدة.
كما كلّفت الوزيرة د. محمد إبراهيم صالح بعضوية لجنة التقييم، وهو أستاذ في ملاك التعليم الثانوي ومتعاقد مع الجامعة اللبنانية، ويدرّس في ثانوية الزعتري بصيدا وثانوية أنصار. وبحكم موقعه هذا، يتولى صالح تقييم مديرته المكلفة عبير حبلي إلى جانب بقية المرشحين (هناء سنجر، مريم أبو ظهر، علي الدهني، ومحاسن الدهني)، ما يطرح تساؤلات جديّة حول موضوعية التقييم، لا سيما مع وجود نحو 16 شكوى بحق حبلي في وزارة التربية.
أما في ثانوية ثريا فارس، فقد واجه تكليف إيمان الشامية معارضة من بعض الأهالي والمعلمين، وسط جفاء بينها وبين عدد من المعلمات. ومع بداية العام الدراسي، دفع سوء الإدارة بأربعة من أولياء الأمور إلى نقل طالباتهم إلى مدارس أخرى. ورغم أن المنافسة هناء اليمن -وهي معلمة ملاك منذ عشر سنوات وتملك خلفية قانونية- حازت نقاطاً متقدمة، إلا أن هذه النقاط تبددت أمام التدخلات السياسية.
ورغم تقديم المرشحين مشاريعهم الإصلاحية وإثبات معظمهم الخبرة والكفاءة وفق معايير النقاط المعتمدة، جاءت التعيينات لتلبي مصالح طرف سياسي نافذ في المدينة. ورغم إقدام وزيرة التربية على تجميد القرارات مؤقتاً، إلا أنها عادت وتراجعت عن التجميد مثبتةً المديرين المكلفين بالأصالة، في التزام واضح بقواعد نظام المحاصصة على حساب الكفاءة ومستقبل الطلاب.
" جاءت التعيينات لتلبي مصالح طرف سياسي نافذ في المدينة على حساب الكفاءة ومستقبل الطلاب "
وهكذا، شهدت ثانوية الزعتري تقييم أستاذ لمديرته، وهي المسؤولة التربوية في جهة سياسية نافذة احتفلت مؤخراً بتثبيتها رسمياً في موقعها.
وفي ثانوية فارس، أُعطيت الإدارة لمديرة عملت سابقاً على نقل معلمات للتعاقد مع آخرين لأسباب سياسية ومناطقية، بدعم من طرف سياسي أبلاغها بحسم الموقع لصالحها حتى قبل صدور النتائج الرسمية.
لقد تبدد أمل المعلمين والمعلمات بإصلاح وتطوير المدارس الرسمية أمام المحاصصة السياسية التي أطاحت بالمعايير والأعراف التربوية.
ومهما بلغت جودة الموارد البشرية، تظل الإدارة العصب الأساسي للمؤسسة. وما يجري في صيدا يتسبب بتراجع مستوى التعليم الرسمي، ويقود نحو إضعافه لصالح القطاع الخاص عبر تقويض كفاءته الإدارية والتعليمية.













