من رومية إلى الوروار : عام على نقل الأحداث.. ماذا تغيّر؟

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
09/10/20264:18 م

في صباح الثالث من أيلول/سبتمبر 2025، غادر عدد من الأحداث جناحهم في سجن رومية متجهين إلى الوروار. لم تكن الطريق طويلة جغرافياً، لكنها كان يُفترض أن تكون بداية جديدة لأطفال دخلوا منظومة العدالة وهم دون سن الثامنة عشرة.

ولم يقتصر الفارق على العنوان فحسب؛ فرومية سجن للبالغين يضم جناحاً للأحداث، أما الوروار فصُمّم أساساً ليكون مركزاً لتأهيل الأحداث المخالفين للقانون، يضع التعليم والتدريب والدعم النفسي والاجتماعي في صلب أهدافه. افتُتح المركز في 28 أيار/مايو 2025 بالتعاون بين وزارة الداخلية والبلديات وقوى الأمن الداخلي والاتحاد الأوروبي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، قبل نقل الأحداث الذكور إليه في الثالث من أيلول/سبتمبر من العام نفسه.

شكل ذلك تحولاً مفصلياً في المكان، لكنه لم يكن نهاية الأزمة.

فبعد أكثر من عام، جاءت زيارة مفاجئة للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان (المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب) في 17 أيلول/سبتمبر 2026، لتقدم صورة أكثر تعقيداً عن الحياة داخل المركز. قابلت الهيئة غالبية الأحداث، إلى جانب الإدارة والعاملين، وراجعت الملفات وسجلت ملاحظات مباشرة على الظروف والخدمات. وفي تقريرها الصادر في 21 أيلول/سبتمبر، تحدثت عن فجوات حادة بين الضمانات القانونية والواقع الفعلي للإقامة والرعاية والحماية، في ظل نقص حاد في الموارد البشرية والطبية والمالية.

في المقابل، لم ترسم الهيئة صورة أحادية القطب؛ إذ سجلت بعض التحسينات مقارنة بزيارات سابقة، كما ميزت بين ما عاينه فريقها مباشرة، وما نقلته الإدارة والعاملون، وما أفاد به الأحداث من ادعاءات تتطلب تحقيقاً مستقلاً.

التأهيل: بين الورش والواقع
وفي هذا الواقع، ينطلق السؤال من الغاية الأساسية التي أُنشئ المركز لأجلها: التأهيل.

تتوفر داخل الوروار برامج لمحو الأمية وورش للنجارة والحلاقة، وهي ركائز أساسية في فلسفة التأهيل. لكن الهيئة رصدت، في الوقت نفسه، توقف بعض الورش وعدم تشغيل تجهيزات أخرى، بينها معدات لم تُنقل من رومية ومطبخ تدريبي بقي معطلاً، وأوصت بتوسيع البرامج وتشغيل المرافق المتوقفة.

لا تكمن الإشكالية في عدد الورش المدونة على الورق، بل في الوقت الذي يقضيه الحدث في التعلم والمخرجات التي يكتسبها. فالتأهيل يكتسب معناه حين يتحول إلى معرفة أو مهارة ترافق الطفل بعد إطلاق سراحه، لا حين يظل النشاط محصوراً داخل جدران المؤسسة.

" تغيير المبنى من رومية إلى الوروار خطوة إيجابية، لكنه لا يعالج المشكلات العميقة في منظومة العدالة "

إن الرعاية الصحية ليست تفصيلاً هامشياً، والتأهيل لا ينفصل عن الظروف المعيشية اليومية للطفل. فقد سجلت الهيئة شحاً في المياه، ومشكلات في النظافة وإدارة النفايات والصيانة وأسِرّة النوم، فضلاً عن انتشار حالات من الجرب والفطريات والحساسية والالتهابات الجلدية، ناهيك عن ملاحظات حول جودة الطعام.

على صعيد الرعاية الصحية، أشار التقرير إلى غياب الطبيب والممرض المتفرغين بانتظام، وتعثر توفير بعض الأدوية، وصعوبة نقل الأحداث إلى مرافق طبية خارجية. أما الدعم النفسي والاجتماعي فظل محدوداً، رغم وجود مؤشرات سابقة على إيذاء النفس ومحاولات الانتحار والفرار، إلى جانب تسجيل حالات من التحرش والعنف بين الأحداث.

تكتسب الصحة النفسية أهمية بالغة في بيئة يعيش فيها أطفال بعيداً عن أسرهم وتحت وطأة الإجراءات القضائية. ففي 29 أيلول/سبتمبر 2025، توفي حدث سوري يبلغ من العمر 14 عاماً داخل المركز عقب محاولة انتحار سابقة في الشهر نفسه. ووفق بيان قوى الأمن الداخلي، نُقل الحدث إلى المستشفى إثر محاولة انتحار في 5 أيلول/سبتمبر، حيث خضع للمتابعة الطبية والعلاج، قبل أن يتوفى لاحقاً جراء شنق نفسه. وأفادت المديرية، استناداً إلى تقرير الطبيب الشرعي، بعدم وجود أي آثار عنف على جسده.

لا تثبت هذه الوقائع بحد ذاتها وجود صلة مباشرة بين الوفاة وظروف المركز، لكنها تسلط الضوء على الضرورة القصوى لتوفير الرعاية الصحية والنفسية وآليات التدخل المبكر للأطفال المودعين فيه.

الحماية داخل المركز
إلى جانب الرعاية الصحية، تمثل الحماية الجسدية ركناً أساسياً من مهام المركز.

خلال الزيارة الأخيرة، أفاد بعض الأحداث بتعرضهم للضرب. وهنا ميّزت الهيئة بوضوح بين شهادات الإفادة والواقع الميداني المثبت؛ إذ لم تتعامل مع الاتهامات كحقائق قاطعة، بل أوصت بفتح تحقيق مستقل، وإجراء فحوص طبية سرية، وصون الأدلة، وحماية الشهود من أي أفعال انتقامية.

كما رصدت الهيئة تفشي ظاهرة “الشاويش”، حيث يتولى بعض الأحداث أدواراً تنظيمية داخل المركز لسد النقص في الكادر الإداري. ورأت الهيئة أن منح حدث سلطة فعلية على أقرانه يخل بميزان القوة، موصية بإلغاء هذه الصلاحيات وتوفير إشراف مهني مباشر.

العدالة لا تبدأ عند بوابة الوروار
بيد أن حماية الطفل لا تبدأ لحظة وصوله إلى مركز التأهيل، بل منذ لحظة دخوله منظومة العدالة.

وفقاً لقانون الأحداث رقم 422/2002، تُعطى الأولوية للتدابير غير المانعة للحرية، في حين تُعد الاحتجازات والتدابير المانعة للحرية خياراً أخيراً يُحتكم إليه حسب ظروف كل حالة.

وثقت الهيئة في تقارير سابقة إشكاليات في أماكن الاحتجاز الأولي، شملت وجود أحداث في نظارات مخصصة للبالغين، وتسجيل إيداع قاصرات في مراكز مخصصة للنساء البالغات. من هنا، فإن حماية الطفل تبدأ منذ الساعات الأولى لتوقيفه، لا عند أعتاب المراكز المتخصصة فحسب.

أما الفتيات، فيخضعن لمسار مختلف؛ إذ يستقبل مركز تأهيل القاصرات في ضهر الباشق الفتيات الصادرة بحقهن إجراءات أو تدابير قضائية عن محاكم الأحداث. وفي تقريرها لعام 2025، أفادت الهيئة بأنها لم تلمس أي تحسينات ملموسة في البنية التحتية أو ظروف الإقامة مقارنة بالزيارات السابقة.

ماذا يحدث بعد سن الثامنة عشرة؟
يتغير الإطار القانوني مجدداً عند بلوغ الحدث سن الثامنة عشرة. ولا يعني بلوغ هذا السن انتهاء التدابير المتخذة بحقه تلقائياً؛ إذ يتيح قانون الأحداث في حالات معينة تمديد بعض التدابير حتى إتمام سن الـ21 بقرار قضائي معلل.

وفي شباط/فبراير 2026، اتخذ مجلس الوزراء خطوة تشريعية جديدة عبر إقرار مشروع قانون يرفع الحد الأدنى لسن المسؤولية الجزائية من 7 إلى 14 سنة، وأحاله إلى مجلس النواب. إلا أن إقرار المشروع في مجلس الوزراء لا يمنحه القوة النافذة، إذ يتطلب استكمال مساره التشريعي في البرلمان.

من المبنى إلى المنظومة
بين النصوص القانونية والواقع الميداني، تتجلى الصورة الأكبر: الأزمة لا تنحصر في مبنى واحد، بل تعود إلى المنظومة بأكملها.

فالطفل المودع داخلها لا تختزله صفة “موقوف”، بل هو طفل بحاجة إلى التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي ومتابعة قانونية لملفه، فضلاً عن التواصل مع أسرته واكتساب مهارة تؤهله للمستقبل.

من هنا تنبع أهمية الانتقال من رومية إلى الوروار؛ إذ شكل تغيير المكان خطوة إيجابية نحو فصل الأطفال عن سجن البالغين. لكن تقرير أيلول/سبتمبر 2026 يوضح أن تبديل المبنى لا يعالج المشكلات العميقة، بدءاً من نقص الكوادر الطبية ومحدودية الدعم النفسي، وصولاً إلى تعطل البرامج التدريبية وتردي النظافة وثغرات المتابعة القضائية.

" عدالة الأحداث لا تُقاس بعدد الأسرّة، بل بمدى قدرتها على منح الطفل فرصة حقيقية لبداية جديدة "

وفي تقريرها الصادر في 21 أيلول/سبتمبر، حددت الهيئة جداول زمنية لمعالجة الثغرات: 24 ساعة لوقف العزل التأديبي وتأمين السلامة، و7 أيام للتحقيق في ادعاءات سوء المعاملة وإجراء الفحوص الطبية، و30 يوماً لتوفير الرعاية والطبابة ومعالجة أزمات المياه والصحة العامة، و90 يوماً لوضع خطة للموارد البشرية وتوسيع برامج التأهيل، وإلغاء سلطة “الشاويش”، وتطوير آليات التواصل الأسري والمتابعة القضائية.

عام بعد الانتقال
بعد مرور عام، تغير العنوان من رومية إلى الوروار.

لكن التغيير الحقيقي لا يُقاس بالمسافة الجغرافية، بل بأثره في حياة الطفل.

إن عدالة الأحداث لا تُقاس بعدد الأسِرّة أو الورش التأهيلية فحسب، بل بمدى قدرتها على منح الطفل فرصة حقيقية للعودة إلى مقاعد الدراسة أو العمل أو حضن مجتمعه، بدلاً من حمله لندوب الاحتجاز طوال حياته.

قد يتغير العنوان بين رومية والوروار، لكن الاصلاح المنشود ينطلق حين يغدو الطفل محور العملية العدلية: بدءاً من لحظة التوقيف، مروراً بالرعاية والتأهيل، وصولاً إلى اليوم الذي تُفتح فيه الأبواب ليعود فرداً صالحاً في المجتمع.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x