في أواخر العام 2025 جرى اختيار مدينتي صيدا وقرطبة من بين المدن الواقعة على البحر الأبيض المتوسط عاصمتين للثقافة والحوار في العام 2027. صيدا مدينة في الجمهورية اللبنانية، وقرطبة في الجمهورية الإسبانية. ويُطلق على القسم التاريخي من مدينة صيدا اسم “صيدا العتيقة”؛ لما تحويه من أثر تاريخي وثقافي في عمق التاريخ البشري.
البعض يستخدم تعبير “صيدا القديمة”، وهو تعبير يوحي بأنها مدينة قديمة لا أمل منها، في حين أن استخدام تعبير “صيدا العتيقة” يعني أنها تكتسب مزيداً من الأهمية كلما مر بها الزمان.
مقدمة تاريخية:
صيدا مدينة عتيقة، يعود تاريخ وجودها إلى نحو 6000 عام، حسب ما أظهرته الحفريات الأخيرة التي جرت عند حدودها الشرقية خلال السنوات الماضية، وتحديداً عند “البوابة الفوقا” للمدينة المعروفة باسم “بوابة عكا”.
تاريخياً، تعرضت صيدا لعدة زلازل أرضية مما دفع المقيمين فيها للانتقال من مساحة إلى مساحة أخرى من المنطقة المسماة صيدا. وأظهرت الصور التي التقطها عدد من الغطاسين أن المنطقة المائية الممتدة بين شاطئ البحر وجزيرة “الزيرة” تحوي آثاراً لبقايا مبانٍ قديمة، وطرقاً معبدة لمعابد دينية قديمة.
ظلت صيدا العتيقة مدينة تضج بالحياة وتحوي القسم الأكبر من سكانها حتى أواخر عام 1959، إذ بدأ قسم من أهلها الانتقال منها إلى خارج أسوار المدينة العتيقة؛ إلى منطقتي “الوسطاني” و”الدكرمان”. وأظهرت عمليات المسح الاجتماعي التي جرت خلال العقد الأخير أن نحو 12 ألف إنسان ما زالوا يعيشون داخل صيدا العتيقة التي تحوي عناصر أساسية لتكون مدينة سياحية بامتياز، وهذا يعني أنها تضم أكبر تجمع بشري في لبنان يعيش داخل مدينة تسبر أغوار التاريخ.
أسواق صيدا:
في صيدا العتيقة ما زالت هناك أسواق تضج بالحياة، ويرتادها عدد كبير من أهالي المدينة والمنطقة، ومن أهمها “سوق شارع البزركان”، وهو سوق موازٍ للخط البحري المواجه للقلعة البحرية، ويعود تاريخ إنشائه إلى نهاية القرن السادس عشر.
يحوي السوق محلات عديدة لبيع الملبوسات والأقمشة على أنواعها، وشهد هذا السوق وجود أول محل لبيع فرشات الصوف والقطن وتنجيدها، وما زالت حتى اللحظة محلات عدة تقدم هذه الخدمات. وقد افتتح هذا المحل على يد أحد أبناء المدينة الذي كان ينتمي للديانة اليهودية، واسمه “إيزاك”، ثم تلاه أحد اللبنانيين القادمين من الشمال، وتبعه آل البابا وآخرون ممن تخصصوا بهذا النوع من العمل الحرفي، وخصوصاً من بلدات الزهراني، وما زال هذا السوق يشكل هدفاً للزبائن الآتين من البلدات القريبة. ويتصل به “سوق أباظة” الذي يحوي محلات للألبسة أيضاً، وكانت فيه آخر خمارة في المدينة وقد أقفلت في نهاية سبعينيات القرن الماضي.
صيدا مدينة عتيقة، يعود تاريخ وجودها إلى نحو 6000 عام
ويشكل “شارع الشاكرية” الحدود الطبيعية لصيدا العتيقة من جهة الشرق، ويحوي محلات متنوعة، من مأكولات وملبوسات، بالإضافة إلى وقوف عدد من عربات بيع الخضار والفواكه في نهاية الشارع المؤدية إلى القلعة البحرية. وهذا الشارع كان السوق التجاري الأساسي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. إلى جانب هذه الأسواق، تنتشر محلات متنوعة ومتفرقة في أحياء المدينة حيث يجد المقيم فيها كل ما يحتاجه في حياته اليومية.
يعود بناء معظم منازل صيدا العتيقة الحالية إلى أواخر الفترة المملوكية والفترة الأولى للسلطنة العثمانية، وكان الجانب الجنوبي منها مناطق سكن بامتياز، في حين تتجه المناطق الحرفية والتجارية نحو الجانب الشمالي منها؛ حيث نجد سوق “الحياكين”، يليه سوق “الكندرجية”، ثم سوق “اللحامين” فسوق “الخضرة”، ويتفرع منها سوق “النجارين” الذي كان مشهوراً بصناعة الكراسي الخشبية وكل المنتوجات الخشبية التي تحتاج إلى خراطة. وعند شاطئ البحر وقرب “جامع البحر” كان يوجد سوق السمك للبيع بالمزاد العلني.
وتذكر إحدى الوثائق الصادرة عن السلطنة العثمانية عام 1556 أن عدد المقيمين في صيدا بلغ 723 مسلماً و36 يهودياً (وهم البالغون من الذكور). وكان المسيحيون قد تركوا المدينة عام 1291 بعد هزيمة الصليبيين وعادوا إليها بعد عام 1571، وعُيّن فيها مطران جديد للروم الكاثوليك عام 1604.
أحياء صيدا القديمة:
- حي الزويتيني: يقع في الجانب الجنوبي الشرقي من المدينة العتيقة، وقد فقد قسماً كبيراً من أبنيته القديمة بعد زلزال 1956. به مقام الزويتيني، حيث ضريح إحدى الفتيات التي قضت شابة ودفنت هناك وزُرعت قربها شجرة زيتون صغيرة. المقام مقفل حالياً بعد نشوء خلاف حوله بين مشايخ ينتمون إلى الطائفة السنية وآخرين ينتمون إلى الطائفة الشيعية قبل أكثر من عقد، ثم أُعيد تسليمه إلى دار الإفتاء السني في المدينة. في الحي حديقة صغيرة تحوي عدداً من الأشجار ومقاعد حجرية، وتشكل مساحة لراحة أهالي المدينة. كما تقع فيه القلعة البرية ومتحف رياض الصلح (المغلق منذ إنشائه)، و”ديوان السقا” وهو عبارة عن قبو تاريخي حُوّل إلى مقهى ثم إلى مركز لجمعية أهلية.
- حي رجال الأربعين: يقع أيضاً على الجانب الجنوبي الغربي من المدينة، وقد دُمّر معظم منازله في زلزال 1956، وأزيلت المنازل الأثرية وبني مكانها أبنية حديثة لا علاقة لها بالتاريخ المعماري للمدينة، وشكل ذلك جريمة معمارية بحق المدينة حسب تعبير عدد من المهندسين المعماريين. في الحي كنيسة للموارنة (مقفلة وبحاجة لترميم)، والجامع العمري الكبير، ومقهى رجال الأربعين التي تقول الرواية الدينية إن السيد المسيح التقى فيها أربعين رجلاً للبدء بالدعوة للديانة الجديدة. وفيه أيضاً ثانوية المقاصد وبناء قديم يعود للقرن السادس عشر للأسرة المعنية، وساحة “ظهر المير”.
- حي المسالخية: يقع شمالي حي الزويتيني ويضم حارات سكنية عدة، وهي منطقة سكنية بامتياز.
- حي الكشك: يقع ما بين حي باب السراي ورجال الأربعين والزويتيني، وهو حي سكني أيضاً، لكن جزءاً أساسياً منه كان يشكل السوق التجاري للبلد العتيقة (المصلبية الفوقا والمصلبية التحتا).
- حي الشارع: يمتد من القلعة البرية إلى القلعة البحرية، وقد سُلخ منه قسم سُمي باسم حي “مار نقولا” أيام الانتداب الفرنسي. ويشكل حي الشارع الملكيات الأساسية لآل حمود.
- حي باب السراي: يتوسط المدينة القديمة، وفيه السراي العثمانية التي تحولت إلى مدرسة رسمية، ومقام “أبو نخلة”. كانت ساحته مكاناً للاحتفالات الوطنية والمناسبات السياسية.
- حي مار نقولا: جزء من حي الشارع، وفيه كنيستا الأرثوذكس والكاثوليك (كانتا كنيسة واحدة وتم تقسيمهما بعد الانقسام المذهبي).
- حي الكنان: يسكنه صيادو الأسماك، وهو ملاصق لبحر إسكندر والشاطئ البحري، وفيه مقام “عمر الجلالي”.
- حي السبيل: تسكنه أيضاً عائلات صيادي الأسماك من أهل المدينة.
أما على الجانب الغربي من المدينة، فقد كان يلاصق شاطئ البحر ويفصل بينهما طريق فرعي، قبل ارتكاب جريمة أخرى بحق المدينة في تسعينيات القرن الماضي بأن أقيم “أوتوستراد” فصل المدينة عن البحر وبُني في المنطقة مرفأ بطريقة غير قانونية؛ كان من المفترض أن يكون مرفأً سياحياً لكنه تحول إلى مرفأ تجاري يختص بالخردة، وألغى أجمل شاطئ كانت تطل عليه المدينة العتيقة.
الخانات الأثرية:
- خان الإفرنج: وهو أشهرها، وكان مدرسة للراهبات حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 حيث تعرض للقصف. بُني الخان أواسط القرن السادس عشر للأمير فخر الدين الثاني ليكون مركزاً للتجارة مع أوروبا. هو بناء مربع يبلغ طول ضلعه 58 متراً. حالياً هو ملك للدولة الفرنسية (سُجل باسمها عام 1929)، ويُستخدم كمركز ثقافي فرنسي وتستثمره مؤسسة الحريري.
- خان الرز: خان مهمل، في طابقه الأسفل محلات، وفي الطابق الأول تسكنه عائلات نازحة ولاجئة.
- القشلة (خان حمود): كانت سجناً للحكومة اللبنانية، ويجري ترميمها حالياً لتكون معرضاً للحرف الصيداوية.
- خان الشاكرية: كان موقفاً للسيارات والآن هو مقهى، ويعاني من الإهمال.
القصور والمتاحف:
- القصور: قصر دبانة (مركز ثقافي ومتحف)، وقصر صاصي.
- المتاحف: متحف الصابون (عودة)، والمتحف المقابل للمقبرة القديمة (قيد الإنشاء).
المساجد والكنائس:
- المساجد: الجامع العمري الكبير (كان معبداً ثم كنيسة ثم مسجداً)، مسجد قطيش، جامع الكيخيا، جامع بطاح، جامع البحر، جامع باب السراي، وجامع البراني (المجذوب).
- الكنائس: الكنيسة المارونية (مقفلة)، كنيسة الأرثوذكس، كنيسة الكاثوليك (مقفلة وبحاجة لترميم)، وكنيسة اللاتين.
- الكنيس اليهودي: يقع في حارة اليهود، جرى الاستيلاء عليه وحُوّل إلى شقق سكنية مؤجرة.
الحمامات والقلاع:
- الحمامات: حمام المير (مدمر)، حمام الشيخ (ما زال يعمل)، حمام الورد (عاد للعمل)، الحمام الجديد (متحف)، وحمام السبع بنيات (مغلق).
- القلاع: القلعة البحرية (صليبية-إسلامية)، والقلعة البرية (قلعة المعز).
بعد عام 1929 قسّم الانتداب الفرنسي صيدا العتيقة إلى تسعة أحياء. أظهر إحصاء عام 1932 أن جميع الأحياء كانت تضم عائلات من معتقدات مختلفة تعيش معاً، مما يؤكد التنوع الاجتماعي والطائفي للمدينة. وبالرغم من أن قانون الانتخابات البلدية لا يلحظ محاصصة طائفية، إلا أن العرف قضى بتمثيل مختلف الطوائف في المجلس البلدي والمخاتير (مثل مختار حي مار نقولا الكاثوليكي ومختار حي القناية الماروني).
التوزيع العائلي (1840-1914):
تشكل سكان صيدا من عائلات مسلمة (سنية وشيعية)، ومسيحية (مارونية، كاثوليكية، أرثوذكسية، وبروتستانتية)، ويهودية. قارب عدد العائلات في تلك الفترة نحو 600 عائلة، والعديد منها ما زال موجوداً حتى اليوم، بينما انقرضت أو هاجرت عائلات أخرى.
إن اختيار مدينة صيدا عاصمة للثقافة والحوار عام 2027 يفرض على السلطات المحلية والمعنيين تسليط الضوء على هذا الإرث الثقافي والتاريخي ليكون بوصلة للانتماء المواطني اللبناني، ومدخلاً للحوار الواسع من أجل بناء دولة المؤسسات والقانون.













