مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

نساء يبحثن عن مرفأ سلام

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
09/02/20261:27 م

لم يكن العبور من ضفة نهرٍ إلى أخرى نزهة، أو انتقالًا لتأمين احتياجات، أو لشراء مازوت الداخل بطريقة غير شرعية “رغم الحاجة إليه”، بل كان اصطيادًا لمنفى قسري، وغربةً أولى وضياعًا لهويتهن اليومية، وطحنًا لقمح الذاكرة بلا جرن، وبحثًا عن مرفأ سلام. امتداد عشوائي، مليء بالدماء والرصاص والوجوه المرعبة والتكبيرات غير المبررة، من ريف طرطوس إلى النهر الكبير، الطريق غير الشرعي المحاذي لمعبر العريضة الحدودي.

هكذا بدأت رحلة مريم (اسم مستعار) في 8 آذار/مارس 2025، بعد المجازر التي وقعت في وسط وغرب سوريا، حين خرجت من قريتها تاركةً خلفها الجنون:
“طلعت ما بمتلك رفاهية البكي ولا الانهيار، بدي بس أوصل عالطريق اللي بياخدني عالطرف التاني، بدي بس أوصل على لبنان”.

تقول الأخصائية النفسية في علاج صدمات الحرب، رنيم زرقان، إنَّ تراكم الصدمات والأحداث، كخسارة أشخاص من العائلة أو التهجير القسري واللجوء، يجعل هذه الاضطرابات أكثر حدة.

وتوضح زرقان أنَّ أغلب الحالات تُصاب باضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، وهو من أسوأ الاضطرابات التي تعيشها النساء في الحروب، حيث تتحول الأحداث الصادمة إلى كوابيس واضطرابات في النوم وحالة يقظة دائمة وخوف وتوتر، بالإضافة إلى الإصابة بنوبات هلع مفاجئة من أي صوت صاخب أو صوت مرتبط بطريقة أو بأخرى بالحدث المسبب لهذه الاضطرابات.

في طريق الخوف نقطف الصدمات النفسية

تصف مريم ما تعرضت له خلال رحلة 48 ساعة بين الأحراش الزراعية وصولًا إلى نقطة العبور إلى لبنان، مستذكرة الانتقال “من الاستقرار النفسي إلى انعدام الاستقرار، بطريقة مباشرة وبدون مقدمات”.

تكمل مريم بيدين مرتجفتين وتتطرق إلى “الكوابيس وانعدام التركيز والقلق المستمر، يعني اضطراب ما بعد الصدمة هيك تم تشخيصي، هي أنا اليوم”. وفي هذا السياق تؤكد زرقان أنَّه في حال لم تخضع النساء للعلاج من هذه الاضطرابات، تتحول إلى حالات مزمنة، مترافقة مع اضطرابات فيزيولوجية، مثل: وجع رأس مزمن، مشاكل هضمية، وأوجاع بدون سبب واضح.

تبيّن زرقان أنَّ الحالة بعد الهروب، في حال لم تخضع لعلاج، قد تؤدي إلى زيادة خطر الاكتئاب الحاد والتفكير بالانتحار، وذلك لفقدانهنَّ آليات التكيف، بالإضافة إلى فقدانهنَّ للشغف والشعور بالذنب أو انعدام القيمة، وفقدان القدرة على رعاية أنفسهنَّ أو أطفالهنَّ.

واحدًا من كل خمسة أشخاص (22٪) ممن شهدوا حروبًا أو نزاعات خلال العشر سنوات الماضية يعاني من الاكتئاب أو القلق

وتوضح الأخصائية النفسية أنَّ بعض النساء، حتى لو انتقلن إلى بلد آمن، قد تنشأ لديهنَّ اضطرابات القلق والتفكير المفرط والتوتر والخوف مما هو قادم، ما قد يتحول إلى نوبات هلع مزمنة وصعوبة في الاندماج في المجتمع، مما يؤدي إلى رهاب اجتماعي.

وفي هذا الصدد، يشير تقرير للأمم المتحدة إلى أن النساء والفتيات في أزمات النزاع يعانين من ضغوط نفسية شديدة مرتبطة بالعنف والاضطراب وغياب الدعم الاجتماعي، خاصة عند تعرضهنَّ إلى العنف القائم على النوع الاجتماعي أو عندما يشعرن بتهديد دائم.

ومن جانبها، تشير منظمة الصحة العالمية في دراسة أعدّتها إلى أن واحدًا من كل خمسة أشخاص (22٪) ممن شهدوا حروبًا أو نزاعات خلال العشر سنوات الماضية يعاني من الاكتئاب أو القلق أو اضطراب الكرب أو الاضطراب الثنائي القطب أو الفصام.

الحجاب يُخفي الشعر ولكن تبقى اللهجة القلقة بارزة

وضعت مجازر السويداء وحلب والساحل وغيرها جميع السوريين، وخاصة الفئات المهمشة كالنساء والأطفال، أمام تحديات مؤلمة وتجارب معقدة، وفرضت عليهم/ن تهمًا معلبة بسبب انتماءاتهم/ن الطائفية، مثل أنهم/ن كفار ومرتدون وانفصاليون وفلول وخونة، وأجبرتهم/ن على اللجوء إلى طرق جديدة للتخفي هربًا من شبح السبي والاغتصاب والقتل، مثل ارتداء نقاب أو حجاب بالنسبة للنساء، في حين لجأ الرجال إلى تغيير مظهرهم مثل حلق ذقونهم، أو إطلاق الذقن وحلق الشوارب، أو ارتداء شعر مستعار في محاولة لتغيير مظهرهم بهدف تأمين الحماية لأنفسهم.

تعرضت سوار (اسم مستعار)، فتاة من السويداء، لتحريض طائفي ممنهج وصل حد التهديد بالاعتقال والقتل وتشويه السمعة، بالإضافة إلى تهديدها بإيذاء عائلتها، بسبب انتقادها للهجوم على السويداء في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.

تروي سوار عن التهديدات التي تعرضت لها:
“تهديدات كتيرة اجتني بالقتل والإخفاء، وحتى وصل التهديد إنه حقك علاقة جنسية كسبية، ولا منخسر عليكِ رصاصة”.

بسبب هذه التهديدات، قررت سوار الهرب بعد أن قامت بإغلاق صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد التحريض والتهديد الذي تعرضت له:
“اتفقت مع مهرب ياخدني من طريق وادي خالد بحمص، لأن كان في تشديد كتير من طريق الشام، واشترط عليي ألبس حجاب مشان الحواجز عالطريق”.

ولا تزال سوار تعاني من قلق كبير من كل شيء متعلق بمواقع التواصل الاجتماعي، وقالت:
“ما عد بدي أي شي مرتبط بالسوشال ميديا، كل ما أتذكر شو صار معي ووين كنت ووين صرت بسبب موقف عالسوشال ميديا بتضيق فيي الدني، وصار عندي نفور حتى من التطبيقات نفسها”.

الأثر النفسي لتغيير شكل الهوية يخلق لدى النساء صدمة أخلاقية وصدمة في هويتهنَّ الذاتية

وفي الإطار نفسه، يوثق تقرير صحفي لوكالة رويترز اختطاف ما لا يقل عن 33 امرأة من الساحل السوري، إما لطلب فدية، أو تم نقل بعضهنّ خارج البلاد، وتتراوح أعمارهنّ بين 16 و39 عامًا.

تتابع سوار رواية ما حصل معها على الحواجز السورية:
“وصلنا على حاجز أخير قبل العبور للأراضي اللبنانية. هاد الوحيد اللي قرر ياخد ويعطي معي بالحكي. شخص ملثّم كان واقف معن، شاف هويتي وصار يناقشني. وهون بيجي السؤال الكف: أنتِ كافرة درزية ليش متحجبة؟”.

“طلع عم يختبر لهجتي، وقرر ينزلني من السيارة لحتى يعرضني عالشيخ، بس المهرب تدخل وحكي معو على جنب. رجع لعندي قلي بدو 500 دولار، يا بعطيه يا بفوت عند الشيخ. قلتلو لا أكيد بعطيه، وكفينا طريقنا”.

تعلّق زرقان على ذلك بأنَّ الأثر النفسي لتغيير شكل الهوية يخلق لدى النساء صدمة أخلاقية وصدمة في هويتهنَّ الذاتية، لأنهنَّ عندما يضطررن لتغيير لباسهنَّ أو لهجتهنَّ لتفادي الخطر، فإنَّ ذلك يخلق في داخلهنَّ صراعًا داخليًا وشعورًا بالتهديد وفقدان سيطرة دائم، خوفًا من اكتشاف هويتهنَّ الأصلية.

وتوضح زرقان أنَّ هذا ما يُسمّى بـ”الصدمة الأخلاقية”، وهي إحساس بانتهاك القيم قائم على رغبة في النجاة. وأنَّ الأثر النفسي بعد الوصول إلى مكان آمن يخلق لديهنَّ شعورًا بالعار والذنب لأنَّ النجاة كانت على حساب القيم، ما يخلق لديهنَّ تساؤلات: “مين أنا هلق؟”، وهذا ما يُصنّف باضطراب الهوية.

وتشرح الأخصائية النفسية أنَّ غياب الدعم عن هذه الحالات يؤدي إلى حدوث “اضطراب هوية مشوّهة”، وضعف الثقة بالنفس وبالجسد، والاكتئاب المرتبط باضطراب الهوية، أو ما يُعرف بـ”اكتئاب تشويه الذات”.

وتعتبر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن “اضطرار النساء إلى تغيير سلوكهن بسبب الترهيب والتهديد بالإيذاء الجسدي هو شكل من أشكال العنف النفسي القائم على النوع الاجتماعي”.

بينما تُحمّل منظمة العفو الدولية الجهات المسؤولة عن حماية النساء في فترات النزاع مسؤولية فشلها، بدلًا من إلقاء اللوم على النساء اللواتي يتعرضن للعنف.

بين منفى ومرفأ سلام

تبحث معظم النساء اللواتي هربن إلى لبنان من المناطق التي شهدت مجازر في سوريا منذ السنة الماضية عن طريقة لنسيان العنف الذي تعرضن له، ويتطلعن إلى إيجاد مرفأ سلام بعد ما شهدنه من ثقل نفسي وضياع وقلق مما هو قادم.

تنتظر الناجيات الرجوع إلى سوريا بأمان لتنظيم حياتهن والتعافي من كل ما تعرضن له بعيدًا عن القلق والخوف.

فقرار مجلس الأمن رقم 1325 الصادر في 31 تشرين الأول/أكتوبر بعنوان “المرأة والسلام والأمن” يدعو جميع الأطراف إلى اتخاذ تدابير خاصة لحماية النساء والفتيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، لا سيما في حالات النزاع المسلح وما بعده.

كما أن منظمة الصحة العالمية تشترط “توفير خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي كجزء أساسي من الاستجابة الإنسانية”، خاصة للنساء المتأثرات بالنزاع والنزوح القسري.وتؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) الحق في اللجوء وإعادة التوطين، والتي تعتبر إعادة التوطين “أداة حماية حيوية للنساء والفتيات اللواتي يواجهن مخاطر جسيمة ولا يمكن ضمان سلامتهن في بلدان اللجوء أو العودة”. كما تعتبر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن “استجابة المجتمع الدولي للنزاعات يجب أن تضع النساء في مركز الحماية، وأن تشمل الأمن والصحة النفسية وسبل العيش وإعادة التوطين الآمن”.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x