مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

كاميرا ذكورية وعدسة مجتزأة.. لماذا الإعلام بعيون الرجال فقط؟

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
06/02/20261:56 م

“كنا نعيد ترتيب الحياة من الصفر، لكن الإعلام كان يبحث عن المتحدث الرسمي لا عن من يدير الواقع.”

بهذه العبارة تلخص ليلى (اسم مستعار)، تعمل كمنسّقة مجتمعية في بلدة العديسة في قضاء صور، تجربتها خلال موجة النزوح التي رافقت التصعيد العسكري على جنوب لبنان أواخر عام 2023. فبين تأمين أماكن النوم، وتنظيم توزيع الطعام، والتواصل مع المبادرات الأهلية، أدّت ليلى وأخريات أدوارًا محورية في إدارة الحياة اليومية لعشرات العائلات.

ومع ذلك، لم تُستدعَ أيٌّ منهن للحديث في البرامج السياسية أو النشرات الإخبارية، لا كمصدر، ولا كشاهد، ولا كخبيرة في إدارة الأزمات. هذا الغياب لا يعكس نقصًا في حضور النساء، بل خللًا بنيويًا في طريقة تمثيل الحرب إعلاميًا، حيث تُقدَّم بوصفها حدثًا عسكريًا–سياسيًا يُدار ويُحلَّل بأصوات ذكورية، فيما تُقصى التجارب النسائية بوصفها “تفاصيل إنسانية”.

من يملك حق الكلام في زمن الحرب؟

في التغطيات الإخبارية للحروب، لا يُطرح سؤال “من يعاني؟” فقط، بل “من يحق له تفسير ما يحدث؟” وفق تحليل أجراه مشروع رصد الإعلام العالمي في تقريره حول تمثيل النساء في الأخبار (2023)، تبيّن أن النساء لا يشكّلن سوى 24% من مصادر الأخبار عالميًا في أوقات الأزمات والنزاعات، وتنخفض هذه النسبة بشكل حاد في البرامج السياسية والتحليلية المرتبطة بالأمن والحرب.

أما في السياق اللبناني، فقد تجلّى هذا الخلل بوضوح أيضًا في الإحصاءات المتعلقة بظهور النساء في التغطيات الإعلامية بشكل عام. تُظهر بيانات تقارير رصد الإعلام في لبنان أن النساء لا يمثّلن سوى نحو 26% فقط من موضوعات الأخبار ومصادرها في وسائل الإعلام اللبنانية، بينما يشكّل الرجال النسبة الأكبر من التغطيات الإعلامية الإخبارية والتحليلية. وتشير هذه الأرقام إلى فجوة واضحة، ليس فقط في الظهور، بل في ترسيم من يُمنَح حق الكلام والتحليل في الأخبار، خاصة في مجالات السياسة، والأمن، والنزاعات التي هيمنت عليها أصوات الذكور.

النساء لا يمثّلن سوى نحو 26% فقط من موضوعات الأخبار ومصادرها في وسائل الإعلام اللبنانية

يمثّل هذا التمثيل المنخفض لا مجرد تفاوت كمي، بل انعكاسًا لهيمنة تحريرية ترى في الأمن والسياسة مجالًا ذكوريًا بامتياز، فتُعطى الأولوية للمحللين الذكور والمتحدثين الرسميين الذكور في البرامج السياسية والتحليلية، بينما تُختزل مساهمات النساء في أدوار “تفاصيل إنسانية”، حتى عندما تكون نساء مثل ليلى وسارة في قلب إدارة تداعيات الحرب اليومية.

التغطية الخبرية وإقصاء العمل غير المرئي

لا يعود تغييب النساء فقط إلى غيابهن عن مواقع القرار الرسمية، بل إلى تعريف ضيّق للخبر نفسه.

فالعمل الذي تؤديه النساء في أوقات النزاع—من رعاية، وتنظيم، ودعم نفسي، وإدارة موارد محدودة، يُصنَّف غالبًا ضمن ما تسميه الباحثة البريطانية سينثيا إنلو في كتابها “قراءة نسوية في السياسة الدولية” بـ“السياسة غير المرئية”، أي تلك الممارسات التي تُبقي المجتمعات قائمة لكنها لا تُحتسب كأفعال سياسية أو استراتيجية.

في زمن الحرب، تتحول هذه الأعمال إلى خط دفاع أساسي، إلا أنها تظل خارج العدسة الإعلامية، وهو ما تعزوه الباحثة النسوية سينثيا إنلو إلى هيمنة سردية عسكرية–سياسية ترى الصراع من منظور الخرائط والبيانات والتصريحات الرسمية، وتستبعد الممارسات اليومية التي تُبقي المجتمعات قائمة.

مثال على ذلك ما حصل خلال التصعيد العسكري على جنوب لبنان أواخر عام 2023، عندما قامت نساء في بلدة العديسة بتنظيم مراكز إيواء النازحين، وتأمين الطعام والدواء، وتنسيق الدعم النفسي للأطفال والأسر، وكل ذلك دون أن تُستدعَ أيٌّ منهن للتحدث في وسائل الإعلام، سواء كمصادر أو خبراء أو حتى كشهود على الواقع الميداني. هذه الجهود اليومية كانت حاسمة لاستمرار الحياة اليومية للعائلات، لكنها بقيت خارج التغطية الإعلامية، كما لو أن دورهن لا يُحسب ضمن الأحداث الكبرى للحرب.

النساء بين صورة الضحية وغياب الفاعلة

عندما تظهر النساء في التغطيات، فغالبًا ما يُقدَّمن ضمن إطار بصري واحد: امرأة تبكي، أم تحمل طفلًا، أو نازحة تنتظر المساعدة. هذا التمثيل، رغم تعاطفه الظاهري، يكرّس صورة المرأة كموضوع للحدث لا كصانعة له.

وتشير دراسة «تصوّرات التغطية الإعلامية لحرب أوكرانيا» الصادرة عن معهد رويترز لدراسة الصحافة (2022) إلى أن الإعلام أثناء النزاعات يميل إلى “تجريد النساء من الـ agency”، أي من القدرة على الفعل، من خلال التركيز على معاناتهن الإنسانية دون ربطها بأدوارهن القيادية والتنظيمية في إدارة الأزمات.

تروي سارة (اسم مستعار)، متطوعة شابة في مجال الدعم الطبي والإنساني من بلدة مرجعيون، قضاء صور، أنها كانت مسؤولة عن تنسيق الدعم الطبي لمرضى الأمراض المزمنة داخل مركز إيواء يضم أكثر من 50 عائلة. رغم أهمية هذا الدور الحيوي في إدارة الأزمة اليومية وحماية حياة الأهالي، لم تُعتبر شهادتها أو خبرتها صالحة للنشر في الإعلام الرسمي. تقول سارة: “لم أُستدعَ أو أُستغل كمصدر أو كبطاقة خبرية في البرامج الإخبارية والتحليلية، لأنني أعتقد أن دوري لا يندرج ضمن الخطاب السياسي أو العسكري السائد، والذي يهيمن على التغطيات أثناء النزاعات”.

الإعلام كمرآة لهيمنة ذكورية أوسع

لا يمكن فصل هذا النمط الإعلامي عن بنية أوسع تهيمن على غرف الأخبار نفسها. فبحسب تقرير المؤسسة الدولية لنساء الإعلام (2021)، لا تزال المناصب التحريرية العليا في المؤسسات الإعلامية، خصوصًا في أقسام السياسة والأمن، خاضعة لهيمنة ذكورية، ما ينعكس مباشرة على اختيار الضيوف والزوايا والسرديات.

حتى عندما تكون النساء الأكثر تفاعلًا مع آثار الحرب على الأرض، مثل تنسيق الدعم الإنساني أو إدارة الموارد في مناطق النزاع، غالبًا ما تُهمّش أصواتهن في التحليل الإعلامي. هذا الإقصاء يعكس عقلية تحريرية ترى الأمن والسياسة شؤونًا “ذكورية”، فتُعطى الأولوية للمتحدثين الرسميين والمحللين الذكور، بينما تُختزل مساهمات النساء في أدوار ثانوية، رغم أنها تشكل جزءًا أساسيًا من إدارة الحياة اليومية أثناء النزاعات.

لا يُنظر إلى الفاعلات الميدانيات، مثل المتطوعات أو المنسقات المحليات، بوصفهن مصادر خبرة،
بل يُعاد إدراج شهاداتهن، إن حضرت، ضمن خانة “القصص الإنسانية”

يظهر مثال آخر لهذا الإقصاء داخل بعض غرف الأخبار نفسها، حيث توضّح مؤشرات اليونسكو للإعلام الحساس جندريًا أن قرارات اختيار المصادر والضيوف في التغطيات الإخبارية، لا سيما في موضوعات السياسة والأمن والنزاعات، تميل في كثير من المؤسسات إلى تفضيل المتحدثين الرسميين والخبراء المرتبطين بالمؤسسات العسكرية أو السياسية، من الرجال (UNESCO, 2020).

ووفق هذا الإطار، لا يُنظر إلى الفاعلات الميدانيات، مثل المتطوعات أو المنسقات المحليات، بوصفهن مصادر تحليل أو خبرة، بل يُعاد إدراج شهاداتهن، إن حضرت، ضمن خانة “القصص الإنسانية”. ويؤدي هذا النمط التحريري إلى ترسيخ خطاب عسكري–سياسي مهيمن، على حساب فهم أوسع لدور النساء الفاعل في إدارة الأزمات اليومية أثناء النزاعات.

التمثيل ليس مسألة عددية فقط

المشكلة، إذًا، لا تتعلق فقط بنسبة ظهور النساء، بل بطبيعة الأدوار المنسوبة إليهن. فالتمثيل الإعلامي، كما تشير الباحثة ليزبت فان زونن في أعمالها حول الجندر والإعلام، ليس انعكاسًا محايدًا للواقع، بل ممارسة رمزية تُعيد إنتاج علاقات القوة داخل المجتمع.

وعندما تُقصى النساء من التحليل، يُقصى معها فهم مختلف للحرب: فهم يركّز على البقاء، والرعاية، وإعادة إنتاج الحياة، لا على موازين القوة العسكرية فقط، كما تقول زونن.

نحو سردية أكثر عدالة

ما نحتاجه اليوم ليس مجرد “إضافة نساء” إلى الشاشات كعناصر تنويعية، بل إعادة تعريف من هو الخبير، وما هو الحدث، ومن يملك شرعية الكلام. هذا يتطلّب اعتماد معايير تحريرية تُغيّر منطق الإنتاج الإعلامي نفسه، بحيث يُعترف بأن إدارة الحياة في زمن الحرب فعلٌ سياسي بامتياز، وأن أصوات النساء في الميدان لها نفس وزن الخبراء الذكور.

تشير المبادرات الدولية المتخصّصة في التوازن الجندري في الإعلام إلى مجموعة من التوصيات العملية التي يمكن أن تضيف بعدًا حقيقيًا لهذا التحوّل، من بينها: زيادة عدد المصادر النسائية كخبيرات في التغطيات، وعدم الاقتصار على تصوير النساء كمجرد موضوع أو حالة إنسانية، بل كمحللات وفاعلات في إدارة الأزمات؛ تحديث قواعد بيانات المصادر لتشمل نساء خبيرات في مجالات السياسة والأمن والإنسانية؛ وتدريب غرف الأخبار على التغطية الحساسة جندريًا لتجنّب الصور النمطية والتحيزات الخفية في السرد.

من خلال هذه الإجراءات، يمكن للإعلام أن ينقل صوت الجنوب من الداخل وليس فقط عبر وسطاء رسميين، وأن يمكّن النساء من حيز الكلام والتحليل الذي يعكس واقعهن في الحروب والصراعات، بدلًا من الاقتصار على القصص الإنسانية أو الصور المعزولة. فالحرب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل تُدار يوميًا في المساحات التي تحمي فيها النساء ما تبقّى من المجتمع وهي أصوات تستحق أن تُسمع بوضوح في المشهد الإعلامي.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
هشام زكاغ
هشام زكاغ
4 أيام

مقال متميز دنيا، وما قلته ينطبق أيضا على مسألة “العدالة اللنتقالية” و “المصالحة”، حيث تغيب سردية النساء في الغالب…

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x