تُعامَل النساء مع تقدّمهنّ في العمر كأنّ حضورهنّ لم يعد ضروريًا. لا يحدث ذلك فجأة، ولا عبر قرارٍ مُعلَن، بل من خلال تراكم إشارات صغيرة: استبعاد لا يُسمّى، نظرات تشكيك، أسئلة عن “القدرة” و”الملاءمة”، وحدود تُرسَم على نحوٍ مفاجئ لما يجوز وما لا يجوز. على هذا النحو، لا تُدفَع النساء خارج المشهد بالقوّة، بل يُبقين داخله من دون صوتٍ واضح، ومن دون اعترافٍ فعليّ.
في هذا السياق، تُقاس حياة النساء بمعيارٍ واحد يكاد يختصر وجودهن كلّه: الصّبا. ومع مرور السنوات، يُعاد تعريف الجسد بوصفه أقلّ قيمة، وتُقرأ الأمومة كمرحلة “أدّت دورها”، وتُبنى صورة تُضعِف أهليّة المرأة للعمل والاستقلال والحضور العام. في المقابل، يُمنَح الرجل في العمر نفسه صفات “النضج” و”الخبرة”، ويُسمَح له بالاستمرار في التقدّم، فيما تُدفَع المرأة تدريجيًا نحو الهامش، خارج سوق العمل ودوائر التأثير وشرعيّة الرغبة والعلاقات.
وسط هذا الواقع، تبقى حكايات النساء اللواتي يتقدّمن في العمر شواهد على بنية اجتماعيّة تفرض تعريفًا واحدًا لما هو “مقبول”. ورغم ذلك، كسرت نساء كثيرات هذه الحدود، وواصلن مساراتهنّ في العمل والدراسة والمشاركة العامّة، رافضات الانسحاب الصامت. هكذا، لا يعود الاستمرار مجرّد مسار شخصي، بل فعلًا يكشف أنّ ما يُقدَّم كحقيقة طبيعيّة ليس سوى واقعٍ مفروض يمكن مساءلته وتفكيكه.
تبرز شهادة زينب فياض مثالًا حيًّا على الكيفيّة التي يتحوّل فيها التقدّم في العمر إلى أداة إقصاء مضاعفة حين يتقاطع مع الطلاق والعمل والاستقلال الاقتصادي.
العمر لم يكن عائقًا لتحقيق الأحلام
تقول زينب: “حين اتّخذتُ قرار الطلاق في الرابعة والأربعين، لم أُعامَل كإنسانة اختارت إنهاء علاقة، بل كامرأة تجاوزت “العمر المسموح” للبدء من جديد. لم يسألني أحد لماذا انتهى الزواج، بل لماذا تجرّأتُ على الانفصال في هذا التوقيت. الأسئلة كانت جاهزة: أين سأجد عملًا؟ من سيقبل بتوظيف امرأة مطلّقة تجاوزت الأربعين؟ وكيف سأواجه الكلفة الاقتصاديّة؟ هكذا، لم يكن الطلاق هو المشكلة، بل عمري، وكأنّ للقرارات الشخصيّة توقيتًا محدّدًا لا يجوز تجاوزه”.
أمّا عن الدراسة فتخبر:”في البداية، لم أبدأ العمل والدراسة من موقع القناعة، بل من الخوف. الخوف من الفشل أمام العائلة، من وصمة الاحتياج، ومن أن أُستَخدم مثالًا للتحذير لا للاقتداء. العمل والعودة إلى الجامعة كانا محاولة للدفاع عن نفسي في وجه مجتمع يرى في صبر النساء فضيلة، وفي اختيارها تهديدًا. لكن هذا الدافع الدفاعي تغيّر مع الوقت. تحوّل إلى قناعة بسيطة: أنا أستحقّ حياة أفضل، علميًا ومهنيًا وعاطفيًا”.
“عندما قرّرتُ العودة إلى مقاعد الدراسة، واجهتُ سخرية صريحة واستخفافًا غير مُعلَن. كان الرهان على انسحابي حاضرًا، وكأنّ امرأة فوق الأربعين لا يُفترَض بها أن تجمع بين العمل والتعليم، أو أن تتحمّل كلفة هذا المسار. الفشل كان متوقّعًا أكثر من النجاح، لا لأنّ الطريق مستحيل، بل لأنّ المجتمع لا يتسامح مع نساء يخرجن عن تسلسل الأعمار الذي حدّده لهنّ”.
لا تبدو حكايات النساء اللواتي يتقدّمن في العمر تجارب فرديّة،
بل شواهد على بنية اجتماعيّة تفرض تعريفًا واحدًا لما هو "مقبول"
ومن ناحية أخرى، تؤكّد زينب أنّها في تلك المرحلة لم تكن وحدها، وتقول: “أولادي، أختي، وزميلاتي في الجامعة شكّلوا شبكة دعم حقيقيّة سمحت لي بالاستمرار. حصلتُ على البكالوريوس ثمّ الماجستير في الأنثروبولوجيا، وأطلقتُ مساري في الكتابة. صدرت روايتي الأولى في الخامسة والأربعين، واليوم، بعد الخمسين، أملك خمس روايات، والسادسة في الطريق”.
وتختم حديثها: “بالنسبة إليّ، لم تكن الخمسون عمرًا للانطفاء، بل مرحلة تخلّصتُ فيها من الخوف والعار، وتعلّمتُ وضع حدود واضحة لحياتي. الخسارات القاسية التي عشتُها خلال الجائحة أعادت ترتيب أولويّاتي، لا باتجاه الانكفاء، بل باتجاه حياة أقلّ خضوعًا وأكثر صدقًا. الاستمرار، في تجربتي، لم يكن إنجازًا فرديًا فقط، بل شكلًا من أشكال المقاومة في وجه نظام يُصرّ على اعتبار العمر سببًا للإقصاء لا للخبرة”.
هذا النمط البنيوي، الذي يتخفّى خلف الأعراف والخطاب الاجتماعي، تشرحه المتخصّصة في الجندر والشمول فرح سلهب، التي ترى أنّ تقدّم النساء في العمر لا يُقرأ في مجتمعاتنا كخبرة وقيمة، بل كعبء اجتماعي.
التمييز العمري ليس رأيًا: عنف جندري غير مرئي
توضح فرح “أنّ الطريقة التي يُنظر بها إلى تقدّم النساء في العمر ما تزال محكومة بنظام ذكوري يربط قيمة المرأة بجمالها وقدرتها على الإنجاب، في حين يُمنَح الرجل، مع التقدّم في السنّ، صفات الحكمة والخبرة والهيبة. هذا التباين، بحسبها، ليس صدفة، بل نتيجة بنية اجتماعيّة كاملة تُعيد إنتاج التمييز وتُكرّس فجوة واسعة بين ما يُتوقّع من النساء وما يُسمَح للرجال بتجسيده”.
وتستند فرح إلى أرقام تكشف حجم الإقصاء، وتخبر: “لا تمثّل النساء سوى ربع الشخصيّات فوق الخمسين على الشاشات، فيما تكاد تغيب النساء فوق الخامسة والأربعين عن الأدوار الرئيسيّة، مقابل حضور طاغٍ للرجال الأكبر سنًّا بوصفهم أبطالًا أو شخصيّات محوريّة. وتُظهر هذه الفجوة كيف يُنظر إلى العمر لدى الرجال كقيمة مضافة، بينما يُعامل عند النساء كعبء يجب إخفاؤه”.
وتشير إلى “أنّ الإعلانات تلعب دورًا أساسيًا في إعادة إنتاج هذه المعايير، إذ يُقدَّم الرجل بين الخمسين والستّين كرمز للجاذبيّة والنضج، في حين تُصوَّر علامات التقدّم في العمر لدى النساء كمشكلة تتطلّب الإخفاء أو التصحيح. هذا الخطاب، كما توضّح، لا يخلق ضغطًا اجتماعيًا فحسب، بل يدفع كثيرًا من النساء إلى دوّامة مستمرّة من إخفاء العمر والخضوع لعمليّات تجميل، بدافع الخوف من الإقصاء وفقدان القبول”.
يُقدَّم الرجل بين الخمسين والستّين كرمز للنضج،
في حين تُصوَّر علامات التقدّم في العمر لدى النساء كمشكلة تتطلّب التصحيح
وتلفت فرح إلى “أنّ هذا التمييز ينعكس أيضًا في سوق العمل، حيث تُظهر الدراسات أنّ نسبة كبيرة من النساء فوق الخمسين تعرّضن لتهميش أو إساءة بسبب العمر، وأنّ التمييز العمري يطال مساراتهنّ المهنيّة بشكل مباشر، في حين يُنظر إلى الرجل الأكبر سنًّا بوصفه “مخضرمًا” وصاحب خبرة. وتؤكّد أنّ هذا الواقع لا يمكن اختزاله برأي اجتماعي، بل يشكّل عنفًا جندريًا رمزيًا يُقصي النساء ويحدّ من حضورهنّ العام”.
أمّا عن غياب البيانات حول النساء فوق الخمسين والستّين، فتؤكّد أنّ «هذا التغييب يُسهم في جعل هذا العنف غير مرئي، إذ تتركّز معظم الدراسات والسياسات على فئات أصغر سنًّا، ما يُقصي النساء الأكبر سنًّا من الاعتبار العام. ويتفاقم هذا الإقصاء حين يتقاطع العمر مع عوامل أخرى، مثل الوضع الاقتصادي، والتعليم، أو التهجير، كما في حالة النساء المُسنّات اللواتي نزحن خلال الحرب الأخيرة”.
وتختم فرح بالتأكيد على”أنّ المقاربات النسويّة المستقبليّة مطالَبة بإعادة تعريف التقدّم في العمر بوصفه مرحلة خبرة وقيمة، لا نهاية صلاحيّة، عبر جمع بيانات دقيقة، وتعديل القوانين، وإشراك النساء الأكبر سنًّا في مواقع القرار”. وفي ترجمة حيّة لهذه الرؤية، تبرز شهادة غادة عثمان مثالًا على كيف يمكن للوعي والخبرة أن يتحوّلا إلى أدوات مقاومة واستمرار في مواجهة التمييز البنيوي.
العمر يشكّل مسارًا من التراكم والوعي
تخبر غادة: “مع تقدّمي في العمر، لم أشعر بأنّ قدرتي على العطاء تراجعت، بل على العكس، ازداد نضجي ووعيي. بعد الأربعين تغيّرت طريقة تفكيري، صرتُ أهدأ في ردود فعلي، وأفكّر بالأمور من مختلف جوانبها قبل اتخاذ أيّ قرار. الفرق بالنسبة إليّ لم يكن في عدد السنوات، بل في الوعي الذي راكمته مع الوقت”.
أمّا عن التحدّيات فتقول غادة: “أكبر ما واجهتني كان نظرة المجتمع إلى المرأة بعد سنّ معيّن، كأنّ دورها ينتهي عند البيت، وكأنّ قدرتها على العمل تقلّ. هذه النظرة انعكست عليّ في سوق العمل، حيث واجهتُ تمييزًا على أساس العمر، وتضاعفت الصعوبات لأنّني امرأة لاجئة فلسطينيّة. رغم ذلك، واجهتُ هذا الواقع بالاستمرار في عملي، وبالاعتماد على خبرتي وجودة أدائي، لا على عمري أو شهادتي فقط”.
“والآن أصبحتُ جدّة، لم تختفِ الضغوط، بل تغيّرت أشكالها. واجهتُ انتقادات تتعلّق بنشاطي ومظهري وخياراتي، لكنّني اخترتُ ألّا أسمح للأحكام الاجتماعيّة بأن تحدّد حياتي. بالنسبة إليّ، العمر ليس حدًّا للعطاء، والاستمرار بحدّ ذاته فعل مقاومة ورسالة بأنّ المرأة قادرة على إعادة تعريف دورها في كلّ مرحلة من حياتها”.
وفي هذا السياق، تضيء الأخصائيّة النفسيّة ميليسا أبو زيد على الأثر النفسي العميق لهذه المنظومة على النساء بعد الخمسين، من خلال قراءتها لحالات واقعيّة تكشف كيف يتحوّل التمييز العمري والجندري إلى معاناة نفسيّة صامتة، وكيف يمكن للتدخّل العلاجي أن يفتح مساحات جديدة للتماسك وإعادة بناء الذات.
الأثر النفسي للتمييز العمري على النساء
توضح ميليسا “أنّ مرحلة ما بعد الخمسين تشكّل للنساء في المجتمع اللبناني محطّة حسّاسة نفسيًا واجتماعيًا، إذ تتقاطع التحوّلات الجسديّة مع منظومة ثقافيّة تمجّد الشباب وتربط قيمة المرأة بجمالها ودورها الأسري. هذا التقاطع يجعل التقدّم في العمر تجربة معقّدة، تتأرجح بين فقدان الاعتراف الاجتماعي ومحاولات إعادة اكتشاف الذات”.
وتشير “إلى أنّ النساء يحملن مع تقدّمهنّ في العمر إرثًا ثقافيًا يربط قيمتهنّ بالعطاء والرعاية والجمال الدائم، ما يؤدّي، مع تغيّر الجسد وتراجع الأدوار المرئيّة، إلى ما تصفه بـ«الاختفاء الاجتماعي»، وهو شعور يُضعف الإحساس بالاستحقاق ويُعزّز النكران الذاتي. وتُظهر الدراسات أنّ النساء فوق الخمسين أكثر عرضة للاكتئاب والعزلة من الرجال، لا بسبب عوامل التقدّم في السنّ البيولوجيّة وحدها، بل نتيجة التمييز المزدوج القائم على الجندر والعمر”.
الإعلام يُعدّ أحد أبرز الفضاءات التي يُعاد فيها إنتاج التمييز العمري بحقّ النساء
أمّا نفسيًا، فتبيّن ميليسا “أنّ كثيرات يشعرن بالحزن وفقدان القيمة، كأنّ مرحلتهنّ “الأكثر نفعًا” انتهت، فيما تنجح أخريات في تحويل هذه المرحلة إلى مساحة نضج وحرّية عبر إعادة تعريف الذات بعيدًا عن مقاييس الشباب. كما تتفاقم الأزمة بفعل التوقّعات الزوجيّة والتمييز في سوق العمل، ما ينعكس قلقًا واكتئابًا وتراجعًا في الثقة بالنفس”.
وبدورها تؤكّد “فعاليّة العلاج المعرفي-السلوكي، والعلاج السردي، ومجموعات الدعم النسائيّة في استعادة الإحساس بالقيمة وبناء هويّة أكثر ثباتًا». وتختم بأنّ “التحوّل الإيجابي بعد الخمسين يتطلّب دعمًا مجتمعيًا يعترف بخبرة النساء ويكفل مشاركتهنّ، بما يحوّل مرحلة الكِبَر من عبء نفسي إلى مرحلة توازن ومعنى”.
الإعلام والعمل العام: حين يصبح العمر أداة إقصاء صامتة
تشرح الباحثة في الجنسانية والجندر كريستين مهنا، كيف يتحوّل العمر إلى أداة إبعاد مؤسّسي غير مُعلَن، وتُعاد إنتاج الصور النمطيّة حول من “يحقّ لها” الظهور والتمثيل. وتعتبر أنّ الإعلام يُعدّ أحد أبرز الفضاءات التي يُعاد فيها إنتاج التمييز العمري بحقّ النساء، سواء عبر الإقصاء المباشر أو من خلال حصر حضورهنّ ضمن فئات عمريّة ومواصفات شكليّة محدّدة. فالإعلام، حين يعتاد على استضافة نساء ضمن “قالب” معيّن، يُرسّخ صورة نمطيّة حول من يحقّ لها الظهور، في مقابل استمرار حضور الرجال الذين يُنظر إلى تقدّمهم في العمر بوصفه خبرة وقيمة مضافة.
وتشير مهنا إلى “أنّ هذا النمط لا يقتصر على الإعلام، بل يمتدّ إلى أماكن العمل عمومًا، حيث تُستبعَد نساء كثيرات مع بلوغهنّ عمرًا معيّنًا، أو يُستبدلن بخبرات أصغر سنًّا، وكأنّ هناك سنًّا غير مُعلَن يُصنَّف بوصفه “عمر التراجع”. هذا الإقصاء لا يُهمّش النساء مهنيًا فحسب، بل يُقوّض استمراريّتهنّ ويُقصي خبرات راكمنها على مدى سنوات طويلة”.
وتكمل: “تنعكس هذه الصور النمطيّة مباشرة على مشاركة النساء في الحياة السياسيّة والاقتصاديّة، إذ تشعر كثيرات بأنّ العمل العام “مُفترَض” أن يبدأ في سنّ أصغر، ما يؤدّي إلى اختلال في توزيع مواقع القرار وخسارة المجتمع لخبرات نسائيّة أساسيّة”.
وتؤكّد كريستين “أنّ مواجهة هذا الواقع تتطلّب سياسات مؤسّسيّة واضحة، وتطوير قوانين العمل، ودورًا إعلاميًا فاعلًا في تفكيك الخطاب الذي يربط قيمة النساء بعمرهنّ أو مظهرهنّ”.
العدالة الاجتماعيّة حقّ
تعكس قصص النجاح الواردة في هذا التقرير أنّ قدرة النساء تتجاوز التمييز الاجتماعي المفروض عليهنّ، غير أنّ مسارهنّ لا يزال محفوفًا بتحدّيات تُجبرهنّ على إثباتٍ دائم لشرعيّة وجودهنّ واستمرارهنّ ضمن ما يُفترض أنّه مسار الحياة الطبيعي. ففي مقابل كلّ إنجاز، تُعاد مساءلة النساء حول أهليّتهنّ للعمل، والحضور، والاختيار، على نحو لا يُفرض على الرجال، بما يكشف خللًا بنيويًا في مفهوم العدالة الاجتماعيّة ذاته.
من هنا، تفرض المقاربة الحقوقيّة الانتقال من توصيف المعاناة إلى تفكيك أسبابها البنيويّة، عبر سياسات صريحة تحظر التمييز العمري، وتكفل للنساء الحقّ في العدالة الاجتماعيّة على قدم المساواة مع الرجال، إلى جانب سياسات عامّة تراعي تقاطع العمر مع الجندر والطبقة والوضع الاقتصادي، وآليّات مساءلة تضمن تنفيذ هذه الحقوق فعليًا. فالنساء الأكبر سنًّا لسنَ فئة هامشيّة تحتاج إلى شفقة أو استثناء، بل صاحبات حقوق كاملة وغير قابلة للتجزئة، وتأجيل الاعتراف بحقّهنّ في المساواة والعدالة ليس حيادًا، بل يمثّل شكلًا مستمرًا من أشكال الانتهاك.













