مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

غرباء في وطننا.. تجربة عائلتي في النزوح

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
11/11/20252:58 م

حين يتحوَّل الوطن إلى مساحة خوف بدلًا من أن يكون حضنًا آمنًا. من شتات الغربة إلى نيران الوطن: حربان لا تنتهيان. منذ اللحظة الأولى للحرب الأخيرة على لبنان، كان السؤال الذي يُلازمني: كيف يمكن للإنسان أن يشعر بالأمان في وطنٍ يتهاوى من حوله؟ كنتُ أعيش بين عالمين متناقضين؛ فمن ألمانيا، حيث أُقيم منذ سنتين، أُراقب الأخبار التي تتناقل صور الدمار والهلع في مختلف المناطق اللبنانية، أُحصي القصف وأنتظر رسالة تُطمئنني على عائلتي.

لم تكن الحرب بالنسبة إليهم مجرد أصوات صواريخ، بل خوفًا يوميًا من المجهول. أما بالنسبة إليّ، فكانت حرب العجز، عجز المغترب الذي يرى وطنه يحترق ولا يملك سوى الصمت والدعاء.

هروب نحو المجهول

حين اشتدَّ القصف، بدأ الجيران بالهرب إلى أماكن أكثر أمانا. البعض استأجر بيتًا في مناطق جبل لبنان، وآخرون قصدوا أقاربهم في مدن متفرقة. أما عائلتي، فكانت بلا وجهة واضحة. بيتُنا في كفركلا، إحدى قرى جنوب لبنان الحدودية، الذي كان ملاذنا الدائم، دمّره العدو في الأيام الأولى من الحرب.

لم تكن الحرب بالنسبة إليهم مجرد أصوات صواريخ، 
بل خوفًا يوميًا من المجهول

لا بيت ولا سيارة ولا خطة سوى النجاة. اِستقلّوا سيارة أجرة إلى المجهول، حاملين حقيبة صغيرة وثيابًا على عجل، على أمل أن يعودوا بعد يومين أو ثلاثة. كانت وجهتهم الأولى إلى أحدى البلدات في إقليم الخروب، وهي من ضمن المناطق التي يُنظر إليها “كمناطق آمنة نسبيًا” خلال الحرب. وصلوا إلى منزل أحد معارف سائق الأجرة، وكان المنزل فارغًا تمامًا، بلا أثاث ولا وسائل راحة. تلك الليلة كانت بداية تجربة قاسية، لا مع الحرب وحدها، بل مع أبناء الوطن أنفسهم.

الترحيب المشروط والتمييز المؤلم

ما إن علم الجيران بأن القادمين من الجنوب ينتمون إلى طائفةٍ أخرى، حتى بدأت الهمسات. سمعت أختي من نافذة الغرفة امرأة من الجيران تقول لابنها: “وصلوا الشيعة.. هلأ بتصير المنطقة خطر بسببُن.”

في لبنان، تكشف العباءة أو غطاء الرأس أو الإيشارب عن هويتك قبل أن تنطق بكلمة. كانت عباءة أمي السوداء كفيلة بإثارة الشك والرفض. في اليوم التالي، خرج أخي ليشتري بعض الطعام، فعاد محمَّلًا بالإهانات ونظرات الاحتقار. وسط هذا الجو المشحون، ظهرت لحظة إنسانية نادرة. طرقت إحدى الجارات الباب تحمل فُرشة وغطاء، وقالت بخجل: “مِش كتير، بس قلت ما بصير حدا ينام عالأرض بهالليل.”

كانت تلك الجملة بصيص دفء في ليلٍ موحش. لكن التوتر ظلَّ حاضرًا. قبل الطرد، كنتُ قد بدأت أبحث لعائلتي عن منزل آخر، فالإقامة في ذلك البيت لم تكن مريحة منذ البداية. شعرت أمي بعدم الارتياح من نظرات بعض الجيران وكلماتهم المبطَّنة. ثم جاء اليوم الذي حضر فيه صاحب البيت مع رجلٍ من ذوي النفوذ من الضيعة، وأمروهم بمغادرة المنزل فورًا: “فِلُّوا من هون، ما بدنا ياكُن.. ما بدنا شيعة.”

كان ذلك اليوم يصادف عيد ميلاد أمي. اشترى إخوتي قالب حلوى بسيطًا لعلّهم يُدخلون قليلًا من البهجة إلى قلبها وسط هذا الجو الخانق، لكن الأم التي صمدت في وجه القصف انهارت أمام قسوة الكلمات. بقي جرحها مفتوحًا حتى اليوم.

الاستغلال بدل التضامن

بعد أيام من البحث، وجدت إعلانًا لعائلةٍ في منطقة قضاء الشوف، تُعلن استعدادها لاستقبال نازحين في غرفة من منزلها مقابل بدل إيجار. بدت العائلة في البداية متعاونة وودودة، لكن سرعان ما تبدّل الأمر. فُرِضَ على أهلي إيجارٌ بلغ 700 دولار شهريًا، رغم أن الإيجارات في تلك المنطقة كانت، وفق ما يؤكده الجيران وسكان البلدة، لا تتجاوز 200 دولار قبل الحرب. 

هذا الارتفاع الكبير ينسجم مع ما أشار إليه تقرير الإسكوا (آب 2024) عن “الارتفاع الحاد في أسعار المساكن في المناطق الآمنة بسبب النزوح الداخلي المفاجئ”. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، اختلق البعض الأعذار لابتزازهم ماديًا: مرةً بحجة انقطاع المياه، وأخرى بذريعة الكهرباء أو تكاليف الصيانة. هكذا تحوَّلت الأزمة الإنسانية إلى تجارةٍ صامتة، يدفع ثمنها الضعفاء في وطنٍ غابت عنه الرقابة والمسؤولية.

ما عاشوه ليس حالة فردية، بل مأساة وطنية

تجربة عائلتي ليست فريدة. تقرير الإسكوا (ESCWA) الصادر في آب 2024 يؤكد أنَّ موجات النزوح الداخلي خلال الحرب الأخيرة كانت من بين الأكبر منذ عام 2006، وأنَّ الآثار الاقتصادية والاجتماعية طالت الجنوب والبقاع. وفي تقاريرفلاش ابديت – Flash Updates، لمنظمة الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، وُثِّق أنَّ نحو 578,641 نازحًا داخليًا تحرَّكوا نحو أماكن العودة خلال الفترة بين 26 و28 تشرين الثاني 2024. 

تحوَّلت الأزمة الإنسانية إلى تجارةٍ صامتة،
يدفع ثمنها الضعفاء في وطنٍ غابت عنه الرقابة والمسؤولية.

كما أنَّ الأونروا (UNRWA) أشارت إلى أنَّ عمليات العودة بدأت بعد وقف التصعيد، لكنها لم تكن شاملة، نظرًا لغياب البنية التحتية الكاملة والخدمات الأساسية. أما منظمات الإغاثة المحلية، مثل الصليب الأحمر اللبناني وأوكسفام (Oxfam)، فقد أكدت أنَّ العديد من العائلات العائدة واجهت تحديات في تأمين المأوى والخدمات بعد عودتها. 

هذه الحقائق تؤكد بأنَّ قصَّة عائلتي ليست استثناءً، بل انعكاسٌ لأزمة أعمق في البنية الاجتماعية اللبنانية، حيث يلتقي الانهيار الاقتصادي بالطائفية ليشكِّلا وجهًا آخر للحرب.

العودة بلا أمان

حين عاد أهلي إلى منزلهم في الضاحية الجنوبية في 28 تشرين الثاني 2024، ظنُّوا أنَّ العودة ستكون بداية الراحة. لم يكن المنزل قد تضرَّر، لكنَّ الإحساس بالأمان لم يعد كما كان. الجدران قائمة، نعم، لكن في داخلها خوفٌ يسكن القلوب. حتى الآن، لا يزال العدو يضرب عشوائيًا بين الحين والآخر، والسماء ما زالت تحمل رائحة الخطر. في كل ضربة يسقط أبرياء جدد، كأنَّ الحرب ترفض أن تنتهي. 

تشير تقارير الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أنَّ الهدوء في الجنوب لا يزال هشًا، مع مخاوف جدِّية من تجدُّد القتال في حال فشل المساعي الدبلوماسية الجارية. الناس في الجنوب يعيشون على قلق الانتظار. الخوف من تصعيدٍ جديد يُخيِّم على الأحاديث اليومية، وكثيرون يتداولون أنَّ أيَّ شرارة سياسية أو عسكرية جديدة قد تُعيد سيناريو النزوح مجددًا، وسط حديث الناس المتخوف من عدم وجود ملاذ آمن آخر هذه المرَّة.

لنُعِدَّ للإنسان قيمته قبل أن نعيد إعمار الحجر

الحرب لا تُقاس فقط بعدد القتلى أو الأبنية المهدَّمة، بل بكمّ اليأس الذي تزرعه في النفوس. وإذا استمرَّ الصمت الدولي وغياب الضمانات الأمنية، فهل نكون أمام جولة نزوح جديدة؟ لبنان لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الجنوب، بل إلى إعادة بناء الثقة بين أبنائه، وأن نتذكَّر أنَّ النجاة لا مذهب لها، وأنَّ الطائفية لا تحمي أحدًا.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x