أدركت نور مهدي (اسم مستعار)، التي تبلغ الرابعة والثلاثين من عمرها، حجم الضغط النفسي الذي ستواجهه لو باحت بتلقيها رسالة تهديد مباشرة لشخصها وسمعتها عبر أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي. جاءها التهديد بعد يومين من محاولتها المشاركة في التعبير عن رأيها حول موضوع يخص ضيعتها. بسبب عدم معرفتها بسبل التبليغ عن حالتها، وأيضًا خوفًا من حكم مجتمعها، التزمت الصمت وقررت عدم متابعة نشاطها الاجتماعي، على الرغم من كونها امرأة متعلمة ومثقفة. وبذلك، أصبحت إحدى ضحايا العالم الرقمي الذي يفتح أبوابه على كل الاحتمالات.
من آفاق تعزيز ممارسة حرية الرأي والتعبير، نجد أنفسنا أمام آفاق مظلمة تخفي عنفًا رقميًا يظهر عبر ممارسات يصل بعضها إلى حد تهديد سلامة الصحفيات والصحفيين. وفقًا لتقرير “عداد ضحايا العنف الرقمي 2025” الصادر عن منظمة سمكس، نحن في قلب العاصفة الرقمية.
نجد أنفسنا أمام آفاق مظلمة تخفي عنفًا رقميًا..
يظهر عبر ممارسات يصل بعضها إلى حد تهديد سلامة الصحفيات والصحفيين
يؤكد موسى صالح، المدافع عن الحقوق الرقمية، في حديثه لـ “صلة وصل”، أنه “ليس هناك شخص محمي مئة بالمئة”. ويضيف: “يمكننا القول إننا أكثر مدركين لطريقة التواصل التي نستخدمها، وماذا نتحدث وعمّا نتحدث، و الاحتياطات العامة المتعلقة بمصدر الإنترنت من أي مزود وأي متصفح وأي تطبيق”.
ويشدد صالح على أهمية الوعي والتدابير على مستوى الأفراد وعلى مستوى قوانين الدولة. فالإشكاليات لا تقف عند ضرورة الوعي للمخاطر الرقمية واتخاذ تدابير بشأنها، بل تمتد إلى وضع القوانين تحت مجهر القدرة على مواكبة التطورات الرقمية وتطور الجريمة. كما يجب وضعها تحت مجهر القدرة على خلق توازن بين متطلبات النظام العام وتطور مفهومه في ظل وجود أمن سيبراني يفرض نفسه على هذا النظام من جهة، وبين ممارسة الحق في الرأي والتعبير من جهة أخرى.
فضاء رقمي وانتهاكات خطيرة
يتعرض الصحفيون/ات لهجمات العنف الرقمي. تتلقى منصة دعم السلامة الرقمية التابعة لمنظمة سمكس حالات تعرضت للابتزاز، وحذف المحتوى، وتعليق الحسابات، والمعلومات الكاذبة، وخطاب الكراهية. معظم هذه الهجمات يحمل طابعًا شخصيًا كالتهديد بنشر صور.
تقول الصحافية والمحررة في سمكس، زينب إسماعيل: “يقوم خبراء السلامة الرقمية في سمكس بفحص الأجهزة والمساعدة على حل المشكلة، كوجود فيروس للتجسس أو برمجيات خبيثة. وإن لم تكن موجودة، فيتم الاكتفاء بتوجيه نصائح تتعلق بتحصين الحسابات، خاصة عندما تكون هناك مؤشرات مثل نفاذ البطارية بسرعة أو ارتفاع درجة حرارة الهاتف دون أن يكون قد تم استخدامه لفترة طويلة، ولكن دون أن يكونا شرطين لوجود هجمات رقمية. وتؤكد أن النساء هن الأكثر عرضة لهذه الهجمات”.
وتضيف إسماعيل أنه من المهم معرفة أسباب الاستهداف التي قد تكون انتقامًا أو محاولة إسكات الشخص، أو بشكل عشوائي عبر هجوم جماعي، أو بسبب الضغط عن طريق الخطأ على رابط تصيد. وتشدد: “لا يعتبر تحصين الحسابات أمرًا كافيًا لتحقيق السلامة الرقمية، فالمطلوب جهود حكومية تضع حدًا لأطماع شركات التكنولوجيا وتُشعرها بأنها تحت المراقبة وأنها لا تستطيع التصرف بالبيانات الخاصة بالأفراد”.
حماية نسبية للقوانين
في إطار الحديث عن القوانين التي تعمل على حماية بيانات أصحابها من المخاطر الرقمية، يستعرض الناشط الحقوقي والسياسي المحامي علي عباس في حديثه لـ “صلة وصل” بعض القوانين المرتبطة بالسلامة الرقمية. يشير إلى القانون ٨١/٢٠١٨ المتعلق بالمعاملات الإلكترونية، والذي يرى أنه لا يلحظ كل الجرائم الإلكترونية، وبالتالي لا يؤمن الحماية الكافية إذا ما تطورنا أكثر في موضوع المعاملات الرقمية.
يشدد عباس في هذا الإطار على ضرورة تشديد العقوبة على مرتكبي الجرائم الإلكترونية باعتبارهم يتفوقون أحيانًا على إجراءات السلامة الرقمية. ويضيف أنه يجري اليوم العمل في مجلس النواب على تحديث هذا القانون ليتماشى مع التطور المستمر.
المطلوب أن نكون دقيقين من ناحية حماية الناس دون المس بالحريات التي ينص عليها الدستور اللبناني
أما بخصوص القانون ٦٥٩/٢٠٠٠ المتعلق بالتجارة الإلكترونية وحماية الأشخاص الذين يلجؤون إلى المنصات لشراء البضائع، فيشدد المحامي عباس على أهمية أن نكون سباقين في كشف المنصات التي تخدع الناس وتقوم بابتزازهم والحصول على بياناتهم الشخصية، وأن ننشئ بنكًا للمعلومات الخطيرة وننشر التوعية لدى الأفراد حولها.
أما لناحية وضع ضوابط للحماية من القرصنة أو من الاحتيال الإلكتروني كما في بعض الدول عبر حجب مواقع، يقول: “الموضوع يجعلنا أمام خيط رفيع ما بين القمع وما بين الحرية الكاملة، مما يشكل خطرًا على الناس وينعكس أيضًا على حرية الرأي والتعبير. لذلك، المطلوب أن نكون دقيقين من ناحية حماية الناس دون المس بالحريات التي ينص عليها الدستور اللبناني والاتفاقيات التي وقع عليها لبنان”.
ويضيف: “هناك اتفاقيات تتعلق بموضوع المعاملات الإلكترونية والبيانات وتبادل المعلومات. ونحن اليوم نتجه نحو حكومة رقمية، مما يفرض علينا أن نكون منفتحين ولدينا فضاء من المعاملات الإلكترونية التي يجب العمل عليها بطريقة لا يتم اللجوء من خلالها للقمع، والمنع من التطور الإلكتروني بحجة حماية الناس وبياناتهم”.
اختلال أم توازن؟
يشير العميد والدكتور في القانون الجزائي عادل مشموشي لـ “صلة وصل” بأن النظام القانوني يجب أن يوفر ما يلزم من تدابير حمائية لعموم الأفراد بحيث يمتنع على أي منهم الخروج عن تلك الأطر الحمائية.
أما في ظل التعارض ما بين ضمان المصالح العامة وتلك الخاصة، فلا بد من إقامة ضوابط تضمن التوازن بينهما عبر:
- وجود تشريع مسبق يحدد بوضوح حالات التقييد.
- تحديد مفهوم النظام العام بدقة لمنع التوسع في تفسيره.
- قيام السلطات بتسبيب قراراتها وبيان الأساس القانوني والمصلحة العامة المحمية.
- الرقابة البرلمانية والرقابة القضائية المتخصصة.
- أخيرًا، قيام المجتمع المدني بالكشف عن حالات إساءة استعمال مفهوم النظام العام لتقييد الحريات.
ويضيف: “بالإمكان صياغة معادلة الموازنة التي أعتبرها غير تلقائية، بل إنها إطار قانوني مركب يدمج بين المبادئ الدستورية (المشروعية، التناسب، عدم التمييز، الضرورة) وبين آليات تنفيذية ورقابية تمنع التعسف وتضمن أن يكون التقييد مؤقتًا وضروريًا وشفافًا. هذه الصياغة هي على الشكل التالي: خطر حقيقي + نص قانوني صريح + ضرورة قصوى + تناسب مع الهدف + عدم تمييز + رقابة قضائية“.
في ظل المخاطر الرقمية المتزايدة،
يُفترض وجود قوانين تستطيع أن تلحظ كل الجرائم استعدادًا لمواجهتها
يرى مشموشي أن التعارض بين النظام العام يتطلب مفاضلة بين مصلحتين تتوخيان حماية المجتمع واستقراره والحفاظ على الكرامة البشرية وحماية الفرد وحقوقه، وفي طليعتها حرياته.
بدوره، يعتبر المحامي علي عباس أن النظام العام دائمًا تكون شهيته مفتوحة على قمع الحريات. ويؤكد أن هذه المعركة المفتوحة مع النظام العام بحاجة لقوانين تحمي الناس الذين يعبرون عن رأيهم على وسائل التواصل الاجتماعي وتمنع ملاحقتهم بسبب التعبير عن رأيهم. ويضيف: “نحن نرى الكثير من هذه الحالات تتم ملاحقتها قضائيًا بسبب منشورات على وسائل التواصل أو على منصات أخرى”.في ظل المخاطر الرقمية المتزايدة، يُفترض وجود قوانين تستطيع أن تلحظ كل الجرائم استعدادًا لمواجهتها وتتحقق الحماية دون الاضطرار إلى تقييد حرية الرأي والتعبير.













