مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

رُمّانَات لا يَقطِفُها أحَد

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
05/09/20259:00 م

كيف ينسلُّ الأملُ خيوطه من أرواحنا بهذه الطريقة، لا أعرف! رويداً رويداً، حدَّ جمودنا، نتحركُ ونحن مُثقَلون بالغضبِ، والصراخِ المبحوحِ، في بلادٍ لا نحيا فيها ولا نموت، في بلادٍ تحيا فيها الحروب. 

تغيّرتْ ملامحُ هذه البلاد، تفاصيلها لا تشبهُ تلك التي عشناها في طفولتنا، كأننا في مكانٍ منسيٍّ من العالم. كأن الطفولةَ ضاعتْ منا في شريطٍ سينمائيٍّ ما؛ نبحثُ عنه كلما شعرنا بالحنين، بالضيقِ من واقعنا، لكننا لا نعثرُ عليه ولا ننساهُ في اللحظة ذاتها. أحياناً أعثرُ على الشريط في مناماتي. أستيقظُ خائفةً، سعيدةً، حزينةً من فقدانها، لا أفهم، أتحسّسُ محيطَ نومي، كعائدٍ من عالمٍ مجهول، أو ربما العكس.

 مثلاً، شعرتُ باغترابٍ روحيٍّ كبيرٍ، عندما زرتُ حارتنا في تل كوجر وهي مدينة صغيرة على الحدود العراقية السورية، بعد انتقالنا إلى مدينة قامشلي منذ سنوات طويلة، تساءلتُ في ذاتي؛ أليستْ هذه هي حارتنا التي لعبتُ فيها «الغمّيضة» مع بنات جاراتنا؟! شعرتُ بغرابةِ المكان. 

لا، هذه ليست حارتنا؛ المكان الذي هاجمته التنظيمات الإرهابية، فهجرها الجميعُ، وسكنها آخرون على مرِّ السنوات بعد تحريرها. مررتُ بجارةٍ قديمةٍ، عايشت أحداث العنف، لا أدري إن كانت ملامح وجهها قد تغيّرتْ حقًا أم أنَّ صدمتي من المكان غيّرت حتى ملامحها. سابقاً، كانت تتذمّر من أطفال الجيران الذين كانوا يقطفون الرمانَ من الأغصان الواطئة، المتفرّعة خارج حيطان بيتها، خاصةً في أوقات قيظ الظهيرة؛ كانوا يملؤون جعبتهم ويهربون.

نتحركُ ونحن مُثقَلون بالغضبِ، والصراخِ المبحوحِ، 
في بلادٍ لا نحيا فيها ولا نموت، في بلادٍ تحيا فيها الحروب

 تذمّرتْ خلال مُحادثتنا؛ إذ إنَّ حبّات الرمانِ تتساقط قشوراً دون أن يقطفها أحد! الجميعُ هجرَ الحارة، من هنا مرَّ ذوو العمامات السوداء. صرخةُ ذكرياتي الجميلة نادتني لكنها تجمّدت، تحوّلت بعض بيوت جيراننا الترابية إلى أكوامٍ بعد الهجرة. الحروبُ لا تمحي الذكريات الحلوة لكنها تشوّهها، بدا لي ذلك. 

مررتُ بمدرستنا الابتدائية، كانت صور حافظ الأب وبشار الأسد ممزّقةً، وبعضها مرميةٌ جانبَ الحمامات. لفتتني عبارة «حافظ على نظافة المراحيض يا طالب». شعرتُ بغرابة قراءة اسم «حافظ» دون «للأبد» أو «نعم»، وكُتبَ أعلاها حديثاً باللون الأحمر، «يسقط بشار ونظامه البائد». 

لم أكن معتادةً على قراءة عبارة «يسقط بشار» ولم أتوقّع كتابتها يوماً في نصوصي الأدبية أو الصحفية. كتابتان بينهما ساعاتٌ فصلتْ بين حَدَثين كبرزخٍ بين زمنين. 

كانت خُطاي تستوقفني من غرابة إزالة صورة «عصام زهر الدين» الضابط السابق في الحرس الجمهوري للرئيس المخلوع بشار الأسد. الصورة الضخمة التي احتلت دوار السبع بحرات في مدينة قامشلو. ارتاحت عيوني من نظراته الحادة، ارتاح خيالي من صور ضحاياه المعلّقة في ذهني. 

رحل الجلادون والضحايا وانتهت الانتصارات والهزائم،
وكلنا سقطنا في عتمة ذاكرة الألم

رحل الجلادون والضحايا وانتهت الانتصارات والهزائم، وكلنا سقطنا في عتمة ذاكرة الألم. لكن القصة لم تنته هنا، بدأت حروب الطوائف من جديد، فصائل تابعة للحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، ترتكب مجازرَ في الساحل السوري بحق العلويين، وفي صحنايا والسويداء بحق الدروز، وتفجير في كنيسة مار الياس!. 

لا جديد في سوريا سوى الخراب، عنفٌ ينسلُّ الوجع من كل اتجاه. صرنا أحد اثنين؛ إما ضحية على وشك سقوطٍ ما، أو جلاد يتلذذ بمتعة انتظار السقوط. في بلادنا، الآخرُ المختلف مخطئٌ حتماً؛ كأنها خطيئة الولادة من خاصرة الطائفة المختلفة. لم أكن أعرف أنه بإمكان أحدٍ ما أن يحتل آخر ويعيش بداخله، كالذي أصابه مسٌّ. 

لم أكن أعلم أن القناصين المنتشرين على أسطح الأبنية في الساحل، على سبيل المثال، يتباهون بدقّة اختراق رصاصاتهم ناصيةَ الضحية، في فيديوهات ينشروها على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الحربُ تأكلُ أعمارنا. 

سنواتُ الحرب غيّرت ملامحنا ومُخيّلتنا؛ هاجر خمسةٌ من إخوتي إلى أوروبا منذ بداية الحرب في سوريا. 

لا أعرفُ لماذا نجهشُ بالبكاء لحظةَ اللقاء، بعد سنوات غيابٍ أقلُّها عشر سنوات. «يا إلهي! تجاعيدُ أمي لم تكن ظاهرةً بهذا العمق خلال اتصالاتنا» قالها أخي بعينيه الدامعتين، أما أنا فرأيتُ في تلك اللحظة أنَّ تجاعيدها تنتشي بدموع الفرح، كأخاديد تمتلئُ بالمياه بعد سنوات عجافٍ طويلة. 

لا جديد في سوريا سوى الخراب،
عنفٌ ينسلُّ الوجع من كل اتجاه

للحظاتٍ يعمُّ الصمتُ، نتبادلُ الابتسامات كأنه لقاءٌ أول، أحدّقُ في وجوههم بصمت، وذكرياتنا الحلوة تظهر أمامي كأنها حدثت أمس. أفقدتنا الهجرةُ العناوين التي كنا نتردّدُ إليها، كأصدقائنا وأقاربنا. هجرةٌ تستمر وحربٌ تنقضُّ على كلِّ آت. 

جنينا العبثَ في بحثنا عن طريق الحرية، لسنا بخيرٍ في هذه البلاد؛ من سيخفي آثار الذين هاجروا. إننا نتقفّى أثرَ ذكرياتهم؛ تلك الجلسات المليئة بالضحكات والأحاديث. 

الآن، أشعرُ بضيقٍ حين أمرُّ من الأماكن ذاتها، هي أماكنُ ضيقةٌ ومحصورةٌ في خيالي، لم تَعُد تسعني! تنتظرنا البداياتُ الجميلةُ بحُكمِ طبيعة الحياة، وبحُكم أننا استنزفنا كلَّ طرُق اليأس والألم الطويلة، وسنزرعُ الحدائقَ من جديد؛ فقلوبنا جاهزةٌ للجنون، وللرقصِ على أنغام أية موسيقى.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
نايلا محمد
نايلا محمد
4 شهور

رائع ومعبر جداً من واقعنا… سلم يداكي

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

1
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x