تمام علي، مزارعة من بلدة عيترون، كانت تعتمد على أرضها بشكل كامل لتأمين دخلها السنوي. قبل الحرب، كانت تزرع بين عشرة واثني عشر دونمًا في منطقتي المحافر والشقة، القريبتين من جبل الباط إحد النقاط الخمسة المحتلة، وتتخصص بزراعة التبغ إلى جانب القمح وبعض المزروعات الموسمية. وكانت هذه الأراضي تؤمّن لها موردًا سنويًا يقارب 10,000 دولار. اليوم، لم تعد قادرة على الوصول إلى أرضها. ومع خسارتها مصدر عملها الأساسي، وجدت نفسها مضطرة للبحث عن بديل.
تقول تمام:”بعد محاولات وصعوبات، تمكنت من ضمان ثلاثة دونمات فقط في منطقة النقعة في بلدة عيناتا المجاورة. المساحة الجديدة أقل من ربع ما كنت أزرعه سابقًا، ويقتصر عملي اليوم على زراعة التبغ فقط. هذا التقلص يأثّر مباشرة على الإنتاج والدخل، ويحرمني من تنويع المحاصيل كما كنت أفعل سابقًا”.
قبل الحرب، كانت تزرع نحو عشرة دونمات من أرضها القريبة من المنطقة المحتلة.
اليوم، لم تعد قادرة على الوصول إلى تلك الأراضي.
بالنسبة إلى تمام، لم تكن الزراعة خيارًا إضافيًا، بل كانت مصدر رزقها الوحيد. فهي لا تعمل في أي مجال آخر، ولا تملك موردًا بديلًا. وعلى الرغم من إصابتها بمرض مستعصٍ، لا تزال تواصل العمل في الأرض، لأن ذلك يبقى خيارها الوحيد لتأمين احتياجاتها الأساسية.
كفاح، مزارعة أخرى من بلدة عيترون، تواجه المسار ذاته. قبل الحرب، كانت تزرع نحو عشرة دونمات من أرضها القريبة من المنطقة المحتلة المحاذية لجبل الباط، بين تبغ ومحاصيل حقلية. اليوم، لم تعد قادرة على الوصول إلى تلك الأراضي. وقد تمكنت بصعوبة من ضمان أربعة دونمات في بلدة عيناتا قبل اندلاع الحرب من جديد في 2 آذار/مارس 2026، حين اضطرت، مع أولادها، إلى النزوح من عيترون إلى مكان أكثر أمانًا. أمضت أيامها الأربعة الأولى على الطريق من دون مأوى، قبل أن تتمكن من إيجاد غرفة في إحدى المدارس في صيدا.
ارتفاع حاد بكلفة الإنتاج
بالنسبة إلى تمام وكفاح، كانت زراعة عشرة دونمات تعني أكثر من مجرد محصول للبيع. هذه المساحة كانت تؤمّن “المونة” السنوية للعائلة، وتتيح تحقيق هامش ربح بسيط بعد تغطية التكاليف وأتعاب الموسم. إلا أن المعادلة تغيّرت جذريًا بعد الحرب، ليس فقط بسبب فقدان الأرض، بل أيضًا بفعل الارتفاع الحاد في كلفة الإنتاج فعلى سبيل المثال، كيس السماد الكيماوي الذي كان يُشترى بنحو ثلاثين ألف ليرة لبنانية قبل حرب أكتوبر والنزوح الأول في فترة حرب الإسناد، أصبح اليوم يُباع بنحو 55 دولارًا. كذلك ارتفعت كلفة الفلاحة بشكل كبير؛ فالمبلغ الذي كان يكفي لفلاحة عشرة دونمات سابقًا، بات اليوم لا يغطي سوى دونم واحد تقريبًا، بكلفة تصل إلى 35 دولارًا للدونم الواحد. ومع تقلص المساحات المزروعة وارتفاع التكاليف، أصبح تأمين الحد الأدنى من الدخل مهمة أكثر صعوبة، حتى عند ضمان أرض بديلة.
الزراعة المحاصَرة في عيترون
تشكل الأراضي الزراعية حوالي 35% من مساحة بلدة عيترون، غير أنّ نحو 80% من مجمل أراضيها بات اليوم خارج متناول أصحابها، بفعل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة عليها بحسب إفادة رئيس بلدية عيترون المهندس الزراعي سليم مراد. ويتركز الجزء الأكبر من الأراضي المتضررة في السهول الزراعية المحيطة بجبل الباط وهي أحد النقاط الخمسة التي تحتلها إسرائيل وتُعد من أهم المساحات الإنتاجية في البلدة من زراعة التبغ، القمح، الفول، الحمص، العدس وغيرها من المزروعات الموسمية. لذلك، لم يعد الوصول إلى هذه الحقول نشاطًا يوميًا طبيعيًا، بل مخاطرة دائمة.
تشكل الأراضي الزراعية حوالي 35% من مساحة بلدة عيترون،
غير أنّ نحو 80% من مجمل أراضيها بات اليوم خارج متناول أصحابها
ضمان الأرض خارج البلدة ليس حلًا جذريًا، بل إجراء مؤقت لتأمين دخل محدود استنادا لما يقوله الخبير الزراعي دكتور رامي زريق. تقليص المساحة يعني تقليص الإنتاج، وتقليص الإنتاج يعني انخفاضًا مباشرًا في مستوى المعيشة. كما أن كلفة الضمان والعمل في أرض بعيدة، إضافة إلى كلفة النقل والوقت، تفرض أعباء إضافية على مزارعات يعتمدن بالكامل على مردود مواسمهن الزراعية.
الزراعة بدون استقرار
يقول رئيس بلدية عيترون، المهندس الزراعي سليم مراد، إن المشكلة لم تعد تقتصر على منع المزارعين من استثمار أراضيهم، بل تطورت إلى واقع أمني أكثر تعقيدًا يمنع أي إمكانية للتخطيط الزراعي. فالزراعة تحتاج إلى حد أدنى من الأمان والاستقرار، وهو ما لم يعد متوفرًا اليوم.
ومع اندلاع المواجهات الأخيرة، تشهد هذه المناطق تصعيدًا ميدانيًا متواصلاً، حيث تدور اشتباكات برية بشكل يومي، مع محاولات متكررة من الجيش الإسرائيلي للتوغل والسيطرة على هذه الأراضي. وباتت السهول الزراعية المحيطة بجبل الباط من أبرز مناطق المواجهة والتصدي، ما يجعل الوصول إليها مستحيلًا بالكامل.
وهذه المناطق “الممنوع استثمارها” أو الوصول اليها، هي من أكثر الأراضي إنتاجًا في عيترون بحسب ما يقوله مراد، ويشير إلى أن الزراعة في البلدة لا تعتمد على محصول واحد فقط، بل على التبغ بشكل أساسي، إضافة إلى القمح، الحمص والمزروعات الموسمية.
ويضيف:”عددًا من المزارعين يعيشون المعاناة نفسها المتمثلة بفقدان الوصول إلى الأرض الأصلية، وصعوبة إيجاد بدائل، وغياب أي استقرار يسمح بالتخطيط لموسم كامل بثقة. “نحن نتحدث عن ثلث أراضي البلدة تقريبًا”، يقول مراد، موضحًا أن هذا الواقع لا يؤثر على الأفراد فحسب، بل ينعكس على مجمل الحركة الاقتصادية في البلدة، من شراء المدخلات الزراعية إلى بيع الإنتاج.
الزراعة مورد الرزق الأساسي
في عيترون، الأرض ليست خيارًا مهنيًا ضمن خيارات متعددة. هي العمل الأساسي، والمصدر الأول للدخل للكثير من العائلات. ومع خروج جزء كبير من الحقول عن متناول أصحابها، يتقلص مورد العيش المباشر لنساء يعتمدن بالكامل على الزراعة. ضمان بضعة دونمات في بلدة مجاورة بين 2 و 5 دونمات يخفف من حدة الخسارة، لكنه لا يعوض الأرض الأصلية ولا يعيد الاستقرار الذي كانت توفره. وما يحدث في البلدة ليس مجرد تغير في توزيع الأراضي المزروعة، بل إعادة رسم قسرية لمسار العمل والدخل. اليوم نساء عيترون نزحنا من قراهم بفعل نشوب الحرب للمرة الثانية تاركين خلفهم الأرض المضمونة و أرزاقهم بحثا عن مأوى.
وبين فقدان الحقول المحيطة بجبل الباط والبحث عن بدائل محدودة، تحاول مزارعات عيترون الحفاظ على موردهن الوحيد، ولو بمساحات أصغر وإنتاج أقل، إلى أن تتغير الظروف التي تحكم الوصول إلى الأرض.













