في لحظات النزوح، لا تتشابه القصص، لكن ما يجمع بينها هو أن النساء، وخصوصًا الأمهات، يجدن أنفسهن فجأة في مواجهة مسؤوليات مضاعفة، بين الخوف على أطفالهن ومحاولة النجاة في ظروف قاسية. ومن بين عشرات الحكايات التي خرجت من طرقات النزوح في لبنان، تبرز قصص ثلاث نساء تكشف كيف يمكن للحرب أن تعيد تشكيل معنى الأمومة نفسه.
نزوح متكرر وخوف لا يهدأ
تروي زهراء حرب، وهي امرأة حامل نزحت من بلدة حاروف في جنوب لبنان، أن رحلة النزوح لم تكن مرة واحدة، بل سلسلة من الهروب المتواصل بحثًا عن مكان أكثر أمانًا. تقول: “في البداية نزحنا إلى السكسكية، لكن المنطقة تعرضت للتهديد، فاضطررنا إلى الهروب مجددًا نحو حمانا مع أختي”.
لم يكن التنقل مجرد تغيير مكان، بل تجربة مرهقة جسديًا ونفسيًا، خاصة مع معاناتها من أعراض الحمل. وتضيف: “الوحام كان صعبًا جدًا، وتعبت كثيرًا على الطريق، ولم تكن معي أدويتي لأننا خرجنا بسرعة”.
تصف الطريق بأنه كان طويلًا وقاسيًا، حيث لم تتمكن من النوم رغم شدة التعب، فيما كان الألم يرافقها طوال الرحلة. كما تشير إلى أن الخوف كان حاضرًا في كل لحظة، تقول: “على الطريق كان هناك توتر وخوف لا يوصف. لدي طفلان، ومن جهة أحاول أن أكون قوية من أجلهما، ومن جهة أخرى لا أشعر بالأمان أبدًا”. وتوضح أن من حولها حاولوا مساعدتها قدر الإمكان، إلا أن حالتها الجسدية جعلت الأمور أكثر صعوبة. وتضيف: “الجميع كان يتعاطف معي ويساعدني، لكن الوحام كان صعبًا جدًا، ولم تكن لدي القدرة على الحركة”. وتختم حديثها بالقول: “لم أكن مستعدة لهذا كله، شعرت وكأنني اصطدمت بالحيطان.. لكن في النهاية، الله يساعد الجميع”.
لا يوجد أي شيء مناسب للمرأة الحامل،
ولا يوجد الاهتمام الذي يكون متوفرًا في البيت
أما سكينة فرحات، الحامل في شهرها السادس، فتصف النزوح كرحلة طويلة من القلق والتفكير المستمر. تقول: “كانت فترة متعبة جدًا، كنت أفكر بكل شيء؛ بأولادي، وبالتعب، وبالجلوس الطويل. بقيت 25 ساعة في السيارة، وأنا لا أستطيع أن أبقى كل هذا الوقت”. ومع امتداد الطريق، بدأ الخوف يكبر داخلها، خاصة مع احتمال حدوث ولادة مفاجئة. وتضيف: “بدأت أضع في رأسي فكرة أنني قد ألد الآن، وأنا ما زلت في الشهر السادس. كنت أسأل نفسي: إلى أين سأذهب؟ وماذا سأفعل؟”.
بعد وصولها إلى بيروت، لم تجد مكانًا مناسبًا، فاضطرت إلى الإقامة في منزل صغير مع عائلة زوجها، حيث تعيش ثلاث عائلات في مساحة محدودة. وتوضح: “لا يوجد أي شيء مناسب للمرأة الحامل، ولا يوجد الاهتمام الذي يكون متوفرًا في البيت”. ومع بعدها عن عائلتها، تضاعف الضغط النفسي عليها، وتقول: “بدأت أفكر بالأغراض التي لم أحضرها، وكيف سألد بعملية قيصرية، وكيف سأتحرك بعدها. أمي بعيدة جدًا عني، ولا أستطيع الوصول إلى إخوتي، ولا يوجد أحد قريب مني”. وتختم بمرارة وأمل: “إذا كان الإنسان العادي يفكر هكذا، فكيف وأنا حامل ومشاعري مضاعفة… أتمنى أن تتوقف الحرب وأعود إلى قريتي لألد في بيتي”.
ولادة تحت الضغط وخطر مستمر
في تجربة أكثر حدة، تروي يارا، التي نزحت من الضاحية إلى خلدة، كيف تزامن النزوح مع لحظة ولادتها في اليوم الأول من الحرب. تقول: “في أول يوم حرب كنت على وشك أن ألد، وكان من الصعب أن نجد مستشفى أستطيع الدخول إليه ضمن التغطية الصحية الخاصة بي”. وبعد جهد كبير، تمكنت من الدخول إلى مستشفى بتكاليف مرتفعة، لم تكن قادرة على تحملها إلا بعد تدخلات عديدة. وتضيف: “بعد تعب كبير واضطراري إلى إجراء العديد من الاتصالات، تمكنت من الدخول إلى المستشفى، رغم أن التكاليف كانت مرتفعة جدًا عليّ”.
لكن المعاناة لم تنتهِ بعد الولادة، إذ احتاجت طفلتها إلى حاضنة لم تكن متوفرة، ما اضطرها إلى نقلها إلى مستشفى آخر، حيث بقيت أسبوعًا كاملًا. لاحقًا، انتقلت إلى بشامون، في ظروف غير مهيأة لاستقبال مولود جديد، وتقول: “لا يوجد أي شيء مجهز كما يجب، حتى المياه تنقطع أحيانًا، وكنت أخاف كثيرًا أن تصاب ابنتي بأي جرثومة”. وبالفعل، أُدخلت طفلتها إلى المستشفى مرة أخرى، ما زاد من الضغط النفسي عليها. وتختم حديثها بقلق واضح: “ابنتي الآن في المستشفى للمرة الثانية، وأنا أشعر أن أعصابي لم تعد تتحمل. إذا استمر الوضع هكذا، قد أضطر إلى تناول أدوية مهدئة”.
مخاطر صحية مضاعفة
يشير الطبيب الاختصاصي في أمراض النساء والتوليد، الدكتور شادي فقيه، إلى أن النساء الحوامل اللواتي يعشن ظروف النزوح والحرب يواجهن مخاطر صحية ونفسية مضاعفة نتيجة الضغط المستمر والتعب الجسدي وغياب الرعاية الطبية المنتظمة. ويوضح أن التأثيرات النفسية للحمل تكون موجودة أساسًا حتى في الظروف الطبيعية، مثل تقلبات المزاج أو الاكتئاب المرتبط بالحمل أو ما بعد الولادة، إلا أن هذه الأعراض تتفاقم بشكل كبير في حالات النزوح. ويضيف أن التوتر المستمر يلعب دورًا مباشرًا في زيادة المضاعفات الصحية، إذ قد يؤدي إلى ارتفاع خطر الإصابة بتسمم الحمل، وضعف المناعة وزيادة الالتهابات، إضافة إلى مضاعفات مرتبطة بسوء التغذية وغياب المتابعة الطبية. كما يلفت إلى أن تأثير التوتر لا يقتصر على الأم، بل قد يمتد إلى الجنين، من خلال زيادة القلق بعد الولادة واضطرابات في السلوك والتركيز لاحقًا. ويؤكد أن النساء الحوامل في ظروف النزوح بحاجة إلى رعاية خاصة ومتابعة طبية منتظمة، وهو ما يكون غالبًا غير متوفر.
واقع ميداني صعب
يقول حسين ترمص، مندوب كلية الصحة وعضو فريق ميداني يعمل على متابعة الأوضاع الصحية في مراكز الإيواء في المتن الأعلى، إن الاستجابة الصحية للنازحين بدأت بمبادرة من طلاب كلية الصحة بالتعاون مع أطباء متخصصين، لمتابعة الحالات داخل المدارس والمراكز. ويشير إلى أن أول ما لفت انتباه الفرق الطبية كان ارتفاع عدد النساء الحوامل اللواتي وصلن إلى مراكز الإيواء من دون أي مستلزمات طبية أساسية. ويضيف: “الكثير من النساء الحوامل خرجن من بيوتهن بلا أدوية أو فيتامينات أو حتى أبسط الأشياء التي تساعدهن خلال فترة الحمل”.
الكثير من النساء الحوامل خرجن من بيوتهن بلا أدوية أو فيتامينات أو حتى أبسط الأشياء التي تساعدهن خلال فترة الحمل
ويوضح أن هذا الواقع أدى إلى صعوبات كبيرة في الأيام الأولى من النزوح، قبل أن تتمكن الفرق من تأمين الأدوية والمستلزمات الأساسية تدريجيًا. كما يشير إلى أن الفرق عملت على توفير مستلزمات للنساء اللواتي وضعن مواليدهن حديثًا، مثل الأسرّة والفرش، رغم صعوبة الظروف داخل المدارس. ويستعيد حادثة مؤلمة قائلاً: “كانت هناك امرأة لديها ثلاثة توائم حديثي الولادة. بعد أيام من التعب والنزوح، غفت للحظات وهي ترضع طفلتها… وعندما استيقظت كانت الطفلة قد فارقت الحياة”. ويؤكد أن مثل هذه الحالات تعكس حجم الضغط الجسدي والنفسي الذي تعيشه الأمهات، مضيفًا: “لدينا فرق جاهزة على الأرض بشكل مستمر لمتابعة الحالات، ونحاول التدخل فورًا في حال حدوث أي طارئ”.
ضغط نفسي مستمر
توضح الأخصائية النفسية بتول علي أن تجربة النزوح تترك أثرًا مضاعفًا على النساء الحوامل، نظرًا لحاجتهن إلى الاستقرار والشعور بالأمان خلال هذه المرحلة الحساسة. وتشير إلى أن فقدان هذا الاستقرار ينعكس على النوم والتغذية، ويرفع مستويات القلق والتفكير المستمر، خصوصًا في ما يتعلق بمرحلة الولادة. وتضيف: “المرأة الحامل خلال النزوح تفكر باستمرار: كيف ستلد؟ وأين؟ ومن سيكون إلى جانبها؟ خاصة إذا لم تكن قد جهزت أيًا من احتياجات الطفل”.
وتؤكد أن القلق يمتد إلى الخوف من عدم القدرة على تأمين الأساسيات للمولود، ويتفاقم لدى من يخضن تجربة الأمومة لأول مرة. كما تشير إلى أن غياب الزوج أو الداعم الأساسي يزيد الضغط النفسي، موضحة أن: “المرأة في هذه المرحلة تكون بحاجة كبيرة للدعم، وخصوصًا لشخص يسمعها ويسمح لها بالتعبير عن مشاعرها”. وتلفت إلى أن طريقة التعامل مع النزوح تختلف بحسب شخصية كل امرأة، لكن القلق والتوتر يظلان قاسمًا مشتركًا بين معظم الحالات.
لا تبدو الأمومة مجرد تجربة بيولوجية أو مرحلة عابرة، بل تتحول إلى فعل مقاومة يومي في وجه الخوف والفقد واللايقين. بين طريق طويل، ومأوى مؤقت، وجسد مرهق، تحاول هذه النساء أن يصنعن حياة جديدة لأطفالهن، ولو من قلب الخراب. تختلف التفاصيل من قصة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك يبقى واحدًا: أمومة تُختبر تحت النار، وتُعاد صياغتها في أقسى الظروف، حيث لا تملك المرأة إلا قدرتها على الصمود، وإصرارها على أن يستمر أطفالها في الحياة، مهما كان الثمن.













