سارة (اسم مستعار)، أمّ لثلاثة أطفال، تجلس أمام طاولة صغيرة في زاوية منزلها، تعمل بهدوء على قطع الكروشيه التي تبيعها عبر الإنترنت. تقول بابتسامة خفيفة تخفي خلفها تعبًا عميقًا: “في ناس اعترضت، وفي ناس قالتلي برافو”.
منذ مقتل زوجها في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، باتت الحياة بالنسبة إليها امتحانًا يوميًا للصبر: ” أصبحت جميع المسؤوليات تقع على عاتقي في المنزل، بعدما كنت أتقاسمها سابقًا مع زوجي”.
سارة هي امرأة من نساء كثيرات فقدن أزواجهنّ خلال الحرب، وتحوّلن بين ليلة وضحاها إلى المعيلات الوحيدات لأسرهنّ. بعضهنّ وجدن أنفسهنّ في مواجهة يومية مع أعباء لم يكنّ مستعدات لها، إلى جانب ضغوطاتٍ نفسيةٍ مستجدّة فرضها واقع الفقد وعدم الاستقرار. ورغم كل ذلك، لا يبدو أنّ الأجندات الوطنية التفت إليهنّ بجدّية، وكأنّهنّ يواجهن الألم في منطقة معزولة عن السياسات والبرامج.
غياب أرقام دقيقة
في سياق البحث عن أرقام دقيقة حول عدد النساء اللواتي أصبحن المعيل الوحيد داخل أسرهن في لبنان منذ بدء الحرب، أو عدد النساء الأرامل بشكل عام، لم نعثر على رقم رسمي يمكن الركون إليه.
ومع ذلك، يلفت تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة – لبنان في كانون الأول/ ديسمبر 2024 إلى أنّ من أصل 260 ألف أسرةٍ نزحت خلال الحرب، تقارب 21% منها أسرًا ترأسها نساء (أي نحو 54,600 أسرة)، غير أنّ هذا الرقم لا يعكس بالضرورة الرقم الحقيقي للأرامل في لبنان، إذ لا يشمل جميع النساء على الأراضي اللبنانية، وكذلك لا يشمل كلّ اللواتي فقدن أزواجهنّ خلال الحرب.
يلفت تقرير صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة – لبنان،
أنّ من أصل 260 ألف أسرةٍ نزحت خلال الحرب، تقارب 21% منها أسرًا ترأسها نساء
فبالرغم من أن اتفاق وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر، لا يزال الجنوب يشهد استهدافاتٍ إسرائيلية متكرّرة تُسفر عن سقوط قتلى وإصابات، ما يعني أنّ العوامل التي رفعت عدد النساء المعيلات لا تزال قائمة، وأنّ الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير مما ورد في التقرير.
ورغم ذلك، يوضّح التقرير كيف انعكست ظروف النزوح على أوضاع الأسر التي تعيلها نساء خلال الحرب، فقد أظهرت البيانات أنّ نحو نصف هذه الأسر واجه صعوبة في تأمين سكن آمن مقارنةً مع الأسر الأخرى، وأن تقلّب الأسعار وضعف الضوابط الاقتصادية جعلا النساء النازحات المعتمدات على دخل غير ثابت أكثر عرضة للضغوط المعيشية، فيما اضطرت 23% من النساء المشاركات في الاستطلاع المرفق بالتقرير إلى البحث عن عمل غير نظامي لتأمين الحدّ الأدنى من المعيشة.
وفي محاولة للحصول على معطيات رسمية، تواصلت منصة “صلة وصل” مع وزارة الشؤون الاجتماعية للاستفسار عمّا إذا كانت تملك أرقامًا دقيقة حول عدد النساء الأرامل، وللسؤال عن المقاربة التي تعتمدها لدعم هذه الفئة، غير أنّها لم تتلقَّ أيّ تجاوب حتى لحظة نشر هذا التقرير.
وفيما نرجّح غياب أي أرقام رسمية، يعكس هذا الغياب ما يُعرف بـ”فجوة البيانات الجندرية”، إذ يُبقي النساء خارج نطاق الرؤية في السياسات العامة، ويكرّس التمييز البنيوي داخل نظام أبوي يعتبر معاناة النساء شأنًا ثانويًا لا يستحق الرصد أو الإحصاء.
النساء الأرامل: بين عبء المعيشة وثقل الفقد
تستمر أسرة سارة في تلقي المساعدة من برنامج “أمان” الذي كانت تستفيد منه أسرتها قبل وفاة الزوج، وهو برنامج أطلقته وزارة الشؤون الاجتماعية لدعم الأسر الأكثر فقرًا والمتضرّرة من الأزمة الاقتصادية، لكن الأسرة اليوم لا تتلقّى أيّ دعم آخر. تقول سارة إنّ المسؤوليات تضاعفت عليها بعد فقدان زوجها، إذ بات عليها أن تدير كلّ تفاصيل الحياة اليومية وحدها، من رعاية الأطفال إلى تدبير المصروف، في وقتٍ تزداد فيه الأسعار ويغيب فيه أي دعم فعلي للنساء الأرامل.
من جانبها، تقول وصال (اسم مستعار)، والتي فقدت زوجها خلال الحرب أيضًا، إنّ حياتها تغيّرت بالكامل، فبعدما كانت تعتمد على زوجها في إدارة مصروف البيت، وجدت نفسها فجأة أمام مسؤوليات مالية لم تعرف كيف تبدأ بها. تقول: “واجهت صعوبة كبيرة في تنظيم المصروف ليكفيني حتى نهاية الشهر، أحاول أن أقتصد قدر المستطاع، في الطعام، والبنزين، وكلّ شيء”. ورغم أنها تعمل، يبقى دخلها محدودًا لا يكفي لتغطية الأساسيات، فتلجأ إلى مساعدات من أهلها وأهل زوجها الذين يمدّونها بين الحين والآخر بالحليب والحفاضات والمازوت. تضيف بأسف: “الدولة ما إلها دخل، ما خصها فينا أصلًا”.
االأرامل بعد الحرب يُجبرن على مواجهة واقع مركّب يجمع بين الحزن،
والضائقة الاقتصادية، وتحديات التربية
ويُظهر هذا القصور في أداء الدولة أن الأمر يتجاوز ضعف السياسات الاجتماعية. ففي لبنان، كما في كثير من المجتمعات ذات البنية الذكورية، لا يُعَدّ تجاهل احتياجات النساء في السياسات العامة مجرد إغفالٍ إداري، بل انعكاسًا لرؤية تجعل السياسات عمياء جندريًا، تُصمَّم بمعزل عن واقع النساء وتجاربهنّ اليومية.
إلى جانب العبء الاقتصادي، تواجه الأرامل ضغوطات نفسية معقّدة. تقول سارة: “أنا بحاجة إلى أن أُفرّغ كلّ ما في داخلي.. لكنّي أحاول أن أُلهي نفسي”. أما وصال، فتصف شعورها بأنها ما زالت تعيش وكأنّ زوجها لم يمت بعد. تقول: “لا أحبّ أن أبدو ضعيفة أمام أطفالي أو أمام الناس”، قبل أن تعترف بأنها أحيانًا تفقد السيطرة على انفعالاتها: “أصل إلى مرحلة أصرخ فيها وأبكي بطريقة غير طبيعية، لم أكن هكذا من قبل”.
في هذا السياق، تشرح الدكتورة وصال حلبي، المتخصّصة في علم النفس الاجتماعي، أنّ الأرامل بعد الحرب يُجبرن على مواجهة واقع مركّب يجمع بين الحزن، والضائقة الاقتصادية، وتحديات التربية. وتُشير إلى أن الأزمة لا تقف عند الجانب الاقتصادي، بل تمتدّ إلى البنية العائلية والنفسية: “الأم تصبح أكثر عصبية، التفاعل داخل الأسرة يقلّ، والأبناء يشعرون بذلك. لكنّ الأم لا تستطيع فعل شيء، لأنها تتخبّط بين وجعها وضغطها اليومي”، وتؤكد أنّ هؤلاء النساء يواجهن ثلاث أزمات متتالية: الفقد، ثم الأزمة الاقتصادية، ثم الضغط النفسي.
الضغط النفسي والاقتصادي يترافق غالبًا مع شعور دائم بالوحدة والقلق،
في ظل غياب سياسات واضحة
وتوضح أنّ الفقد بالنسبة إلى الزوجة هو نوع من “موت الذات”، غير أنّ كثيرات لا يستسلمن، لأنّ “الحياة أمامهنّ، وعليهنّ مسؤولية عائلات بأكملها”. وتشير إلى أنّ الضغط النفسي والاقتصادي يترافق غالبًا مع شعور دائم بالوحدة والقلق، في ظل غياب سياسات واضحة لمساعدة هذه الفئة، وتقول: “لهذا السبب، من الضروري أن يتوجّه الدعم إليهنّ نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، حتى يتمكّن من إعادة توازن حياتهنّ”.
المنظمات النسوية: دور فاعل رغم التحديات
برزت المنظمات النسوية خلال الحرب الأخيرة وما تلاها كجهة فاعلة على الأرض وقادرة على التعامل مع التحديات التي تواجه النساء والفتيات. وتُظهر البيانات أنّ 70% من هذه المنظمات قدّمت خدمات حماية خلال الحرب، و40% منها قدّمت مساعدات غذائية، و28% لعبت دورًا في تعزيز الاستقرار الاجتماعي. ورغم هذا الدور المباشر، تبقى مشاركتهن داخل أطر التنسيق الرسمي ضعيفة، إضافة إلى أنّ عددًا من هذه المنظمات يواجه نقصًا كبيرًا في التمويل.
الحرب الأخيرة كانت قاسية على النساء في لبنان، تقول رئيسة التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني RDFL ليلى مروّة، موضحة أنّ عددًا كبيرًا من النساء فقدن أزواجهنّ، وأصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهنّ. أمام هذا الواقع، تحرّكت المنظمات النسائية لتقدّم المساعدات والدعم النفسي والخدمات الأساسية، وتمكّنت، بحسب مروّة، من الوصول إلى شرائح واسعة من النساء المتضرّرات، ما عزّز ثقة المجتمع والممولين بعملها. وتشير إلى أنّ عضوات التجمع قدّمن خدمات ميدانية مباشرة، “بعضهنّ خاطرن بسلامتهنّ لزيارة النازحات في المدارس ومراكز الإيواء وحتى داخل البيوت لتقديم الدعم النفسي لنساء كنّ بأمسّ الحاجة إليه”.
لكنّ هذا الجهد لم يكن خاليًا من التحديات، فالتنسيق بين المنظمات النسوية من جهة والجهات الرسمية من جهة أخرى، كما تقول مروّة، كان شبه غائب: “المساعدات كانت تصل إلى البلديات والوزارات والمؤسسات الرسمية والمنظمات الدينية، ولكن لم يكن هناك تنسيق فعلي بين هذه الجهات والمنظمات النسائية”. هذا الغياب في التنسيق، إلى جانب صعوبة التنقّل بسبب القصف العشوائي، حدّ من فعالية الوصول إلى النساء، وفق قولها.
ويكشف هذا الغياب في جوهره أحد أوجه مقاومة النظام الأبوي لوجود النساء في الميدان، إنه نمط مألوف يرفض الاعتراف بهنّ كصاحبات قرار، ويُبقي مشاركتهنّ محصورة في حدود “الخدمة” لا في صنع السياسات.
من جهة أخرى، تبدو التحديات التي تواجه النساء الأرامل أو المعيلات للوصول إلى الخدمات أكثر تعقيدًا. تستند مروّة إلى دراسة أجراها التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني حول أوضاع النساء المعيلات للأسر، لتشير إلى ثلاث عقبات رئيسية: أوّلها عدم المعرفة بالجهات التي تقدّم المساعدات أو الدعم النفسي، وثانيها صعوبة الوصول إلى هذه الجهات بسبب ظروف الحرب والخطر المستمر، وثالثها القيود الاجتماعية التي تقيّد حركة المرأة الأرملة وتجعلها تحت رقابة المجتمع.
ما هي مسؤولية الدولة تجاه النساء المعيلات؟
رغم الجهود الميدانية التي تبذلها المنظمات النسوية في لبنان، ما زال صوت النساء غائبًا إلى حدّ كبير عن دوائر صنع القرار الرسمي. بحسب مروّة، تُصاغ السياسات الحكومية المتعلّقة بالشؤون الاجتماعية والصحية بمعزل عن النساء أنفسهنّ. وتشير إلى أنّ “من يضع هذه السياسات في الغالب رجال، ونادرًا ما تكون النساء المشاركات من خلفية نسوية تمكّنهنّ من فهم الاحتياجات الفعلية للنساء”، ما يجعل المساعدات والخطط بعيدة عن واقع النساء المعيلات في لبنان.
هنا، تتضح الحلقة الأعمق من التمييز الجندري: حين تُصاغ السياسات من داخل نظام أبوي، تُفصّل حلول الأزمة على مقاس من لا يعيشها، وتُترك النساء على الهامش، يُطالبن بالصمود بدل أن يُعترف بحقوقهنّ.
تؤكد مروّة أنّ المطلوب اليوم ليس فقط مبادرات من منظمات المجتمع المدني، بل تحمّل الدولة لمسؤوليتها، وخصوصًا وزارة الشؤون الاجتماعية، لإجراء مسح وطني شامل يحدّد أعداد النساء المعيلات وأماكن وجودهنّ وظروف عيشهنّ. فبحسب مروّة، لا يمكن لأي منظمة مهما بلغت قدرتها، أن تحلّ محل الدولة في وضع سياسات حماية عادلة ومستدامة.
وترى مروّة أنّ الدعم الأمثل يبدأ من الأساسيات: توفير السكن اللائق والرعاية الصحية، وخلق فرص عمل تتيح للنساء المعيلات تأمين استقلال اقتصادي وإعادة الاندماج في المجتمع. وتشدد على أنّ المساعدات العشوائية لا تكفي، بل يجب أن تستند إلى خطط واضحة تأخذ في الاعتبار التفاوت في أوضاع النساء واحتياجاتهنّ.
ويأتي كلام مروّة منسجمًا مع ما خلص إليه تقرير مجموعة العمل المعنية بالنوع الاجتماعي في العمل الإنساني (GiHA Working Group) في لبنان، الذي أشار إلى أنّ الأزمة بعد الحرب أثّرت على النساء والفتيات بشكل غير متكافئ. ودعا التقرير إلى مراجعة الأساليب النمطية في مقاربة قضايا النساء، ووضع الفئات الأكثر هشاشة في صلب التحليل، مع تعزيز التعاون مع المنظمات النسوية للتحقّق من البيانات وضمان شموليتها. كما أوصى بتأمين وصولٍ آمنٍ للنساء والفتيات إلى الخدمات الأساسية، وتوسيع برامج الدعم النفسي للمعيلات وكافة النساء.













