“نزرع لأن الأرض حياتنا”، جملة تختصر علاقة أم علي بأرضها، وتعكس ارتباط الجنوبيات والجنوبيين بأرضهم. حين عادت “أم علي” إلى حقولها، أصرت على أن تعيد الحياة إلى أرضٍ دمّرتها قذائف الجيش الإسرائيلي، وفقدت زوجها بسبب هذه القذائف، لتتحدى الحرب بالحياة رغم كل الخسائر.
وكما أم علي، عادت المزارعات والمزارعون إلى أراضيهم لأن الزراعة حقٌّ في الحياة والعيش، ووسيلة للتشبث بالهوية. لكن الزراعة في الجنوب تحمل في طياتها خطرًا بيئيًا وغذائيًا بسبب ما خلّفته الحرب، ليجد المزارعات والمزارعون أنفسهم/ن في مواجهة جديدة: حماية الأرض والاستمرار في الحياة، في حربٍ لم تنتهِ آثارها وتداعياتها بعد إعلان وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
تخبر فاطمة شهاب (أم علي) البالغة من العمر سبعين عامًا من البازورية حكايتها، “تغيّر دوري في الزراعة بعد الحرب وتحملت مسؤوليات جديدة داخل الأسرة بعد استشهاد زوجي. منزلي دُمّر، وخسرت عائلتي زراعة الليمون والحمضيات التي كانت مصدر عيشي. وعند العودة، اكتشفت تضرّر محرّك المياه والبئر الارتوازية المستخدمَين للريّ، ما أجبرني على إعادة كل شيء من الصفر”.
إنّ القطاع الزراعي في لبنان كان من أكثر القطاعات تضرّرًا رغم كونه ركيزة للأمن الغذائي وسبل العيش
وتكمل “أبنائي لا يملكون خبرة زراعية، فاضطرّت إلى تولّي زراعة الأرض، كنتُ أساعد زوجي بيدي، وبعد عودتنا توليتُ المهمة. جرفنا الأرض، أزلنا الركام، وبدأتُ الزراعة من جديد. زرعتُ نصف الأرض تقريبًا، وأيضًا الخضار”.
تقول فاطمة إن غياب الحماية والدعم هما المشكلة الأساسية. “زراعة قطعة أرض كلّفتني أكثر من أربعة إلى خمسة آلاف دولار بين بذور وأسمدة وأدوية وتشغيل وحراثة، فيما مردود محاصيل مثل الملفوف لا يتجاوز بضع مئات الآلاف للصندوق الواحد. لم أتلقى أي مساعدة فعلية رغم مرور أكثر من سنة وثلاثة أشهر على العودة، والتسجيل الرسمي يمنعني من الاستفادة من أي برنامج دعم، فبعد وفاة زوجي وانتقلت الأرض إلى اسم الورثة”.
تتابع أعمال الحراثة والزراعة والريّ رغم تقدّمها في السن، وتصف عمل النساء بأنه عمل بلا حقوق؛ “نحن لا نحصل على أي تغطية صحية أو ضمان اجتماعي أو معاش تقاعدي، فيما المستلزمات تُسعَّر بالدولار والإنتاج يُباع بالليرة. حتى أنني لم أتمكن من إجراء فحوصات للتربة بسبب كلفتها، فاقتصر الأمر على الحراثة والتنظيف. المطلوب اليوم دعم حقيقي للزراعة. إذا استمرّ الوضع هكذا، لن يزرع أحد. أنا أزرع لأن الأرض هي حياتنا، ولأبقي أثر زوجي حاضرًا فيها”.
ما ترويه أم علي يعكس حكايات قرىً كثيرة تضررت بفعل الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان ولم تتوقف حتى اليوم ومن هذه الحكاية ننطلق لحكايات أخرى ونضع العدسة البيئية والغذائية على ما خلّفته الحرب في الأرض، وعلى ما يواجهه المزارعين والمزارعات وهم يحاولون الاستمرار في الزراعة والحياة.
ماذا سنزرع وماذا سيأكل الناس؟
في دراسة أجرتها منظمة الأمم المتحدة الإنمائية (UNDP)، نُشرت في كانون الأول/ديسمبر 2024 (ص. 61) حول الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب الأخيرة على لبنان، تبيّن أنّ القطاع الزراعي كان من أكثر القطاعات تضرّرًا رغم كونه ركيزة للأمن الغذائي وسبل العيش، ولا سيما في محافظات جنوب لبنان والنبطية والبقاع وبعلبك – الهرمل.
وتشير الدراسة إلى أنّ الزراعة، التي ساهمت بنحو 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بعد الانهيار الاقتصادي عام 2019، تعرّضت لاضطرابات واسعة نتيجة القصف والحرائق وضياع مواسم الزراعة والحصاد.
وقد تضرّر ما مجموعه 2,193 هكتارًا من الأراضي الزراعية والمراعي، بينها 1,917 هكتارًا من الغابات و275 هكتارًا من الأراضي الزراعية، مع خسارة كاملة لـ134 هكتارًا من بساتين الزيتون، إضافة إلى التخلي عن أكثر من 12 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في محافظتي الجنوب والنبطية. كما أدّى فوات موسمي قطاف الزيتون في عامي 2023 و2024 إلى خسارة إنتاج تُقدَّر بنحو 26 ألف طن، وانعكس ارتفاعًا في أسعار زيت الزيتون محليًا بنحو 60 في المئة مقارنة بعام 2022.
النساء في قلب الخسارة: عمل أساسي بلا حماية
وحسب التقرير، هذه الخسائر لا تقع بالتساوي. أثرها يضغط أكثر على النساء الريفيات اللواتي يشكّلن العماد الأساسي للعمل الزراعي، خصوصًا في القطاف والعمل الموسمي والمنتجات الحرجية غير الخشبية مثل زيت الغار ودبس الخروب والزعتر والميرمية.
مع النزوح والحرائق وصعوبة الوصول إلى الأراضي والغابات، تعطّل هذا المورد وتراجعت قدرة كثيرات على تأمين دخل مستقل. ومن عدنَ إلى الأرض بعد الحرب، عدنَ إليها كخيار وحيد للعيش، فازدادت حدّة العجز الاقتصادي في غياب أي حماية أو دعم.
أما على صعيد الخبراء المحليين، يوضح هادي عواضة، ممارس ومُعلم متخصص في صحة التربة، أنّ القصف الذي طال مساحات واسعة من الأراضي الزراعية يطرح إشكالية دقيقة حول المواد الكيميائية والمعادن الدقيقة التي تخلّفها الذخائر، مثل الفسفور، وتأثيرها المحتمل على التربة والمياه وجودة المحاصيل. ويشير إلى أن تقييم هذه المسألة يرتبط مباشرة بنوع الأسلحة المستخدمة. المعطيات المتوافرة تشير إلى استخدام الفسفور الأبيض في عدد من المواقع، إضافة إلى القذائف المدفعية التي تحتوي عادةً على مواد متفجّرة مثل الـTNT ومعادن دقيقة، وتتحوّل عند الانفجار إلى ترسّبات قد تبقى في التربة أو تنتقل داخل النظام البيئي.
يشير عواضة إلى أنّ مصدر القلق الأكبر يتمثّل بالأسلحة الخارقة للتحصينات المعروفة بـ(بانكر باستر)، مع شكّ جدّي في احتمال استخدامها. ويشرح أنّ هذه الذخائر قد تكون معزّزة بمواد ناتجة عن تخصيب اليورانيوم، أي اليورانيوم المنضّب، المستخدم لتعزيز قدرة الاختراق. ويضيف أنّ اكتشاف هذا النوع من التلوّث بالغ الصعوبة بسبب شدة الانفجارات التي تخلط التربة على أعماق مختلفة، ما يجعل تحديد مواقع الترسبات أو إثبات وجودها تحديًا علميًا معقّدًا. كما يلفت إلى وجود معادن ثقيلة أخرى مثل الألمنيوم.
التبغ نموذجًا: محصول يمتصّ المعادن الثقيلة
يؤكد عواضة أنّ الخطر الأساسي يتعلّق بمصير هذه المواد: هل تبقى في التربة، أم تتسرّب إلى المياه الجوفية، أم تمتصّها المزروعات وتدخل السلسلة الغذائية؟ في هذا السياق، يذكر مثال التبغ بوصفه نموذجًا واضحًا، إذ يمتلك قدرة طبيعية على امتصاص معادن ثقيلة مثل الرصاص والكادميوم. التبغ يُزرع اليوم ويُباع كالمعتاد من دون فحوصات مخبرية تُظهر ما إذا كانت هناك ترسّبات خطرة. ويشدّد على أنّ الهدف ليس تخويف الناس أو التشكيك بالمزارعين، بقدر ما هو الدفع نحو تحمّل الدولة مسؤولياتها عبر آليات واضحة للفحص والمتابعة.
المطلوب، بحسب عواضة، ليس إبلاغ المزارع بأن أرضه ملوّثة ورفض إنتاجه، وإنما اعتماد آليات مثل شراء المحاصيل ضمن نظام تتبّع وفحص. التعامل العلمي مع الأراضي التي تظهر فيها نسب أعلى من المعادن الثقيلة يسمح بدعم المزارع وحماية المستهلك في الوقت نفسه.
يشير عواضة إلى أنّ المشكلة الكبرى تكمن في حجم الفحوصات المطلوبة واتساع المناطق المتضرّرة من الشريط الحدودي إلى البقاع وبعلبك وصور والنبطية والضاحية وبيروت. لذلك يفرض الواقع منهجية علمية لتحديد “النقاط الساخنة”، خصوصًا مع اقتراب الشتاء، حيث تؤدي الأمطار وتغيّر بنية التربة والجرف إلى إعادة توزيع الملوّثات داخل الأرض.
محاولات معالجة بلا إطار مؤسّسي
في ما يتعلّق بإمكان معالجة التربة، يقول عواضة إن محاولات مباشرة تُنفّذ حاليًا، ولا سيما في المناطق الحدودية، من دون تعاون فعلي مع الدولة. ويضيف أنّ اللقاءات والمناشدات منذ بداية الحرب لم تتحوّل إلى سياسة عامة أو عمل مؤسّسي منظّم.
“نحن نعمل حاليًا على أراضي الزيتون في مناطق مثل كفركلا والخيام ومرجعيون ودير ميماس، كنماذج أولية. ننتج الكومبوست، ونحضّر الكائنات المجهرية، ونراقب التربة بشكل دوري، بهدف جمع بيانات علمية حول التحسّن الممكن. الزيتون محصول أساسي في الجنوب، وإذا نجحنا في تطوير تركيبة بيولوجية مناسبة له، يمكن تعميمها لاحقًا”.
لكن كل ذلك يتم في ظل وضع أمني بالغ الصعوبة، خصوصًا في المناطق الحدودية، حيث لا يزال الخطر قائمًا، ما يمنع كثيرًا من المزارعين من العودة إلى أراضيهم. “لدينا في العائلة أرض زيتون تضمّ نحو 120 شجرة عمرها ثمانون عامًا، جُرفت بالكامل، كما جُرف الجبل بأكمله. لا تعويض، ولا سؤال، ولا متابعة”.
لدينا في العائلة أرض زيتون تضمّ نحو 120 شجرة عمرها ثمانون عامًا،
جُرفت بالكامل، كما جُرف الجبل بأكمله
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: “الخسارة ليست مادية فقط”. لا يمكن تعويض أشجار عمرها ثمانون عامًا بالمال، ولا يمكن تعويض تاريخ القرية وتراثها وذاكرتها. إعادة الإعمار تتضمن ترميم ما هو قديم للحفاظ على هوية المكان.
يوضح عواضة أنه عاد إلى قريته قبل الحرب بسنة تقريبًا بعد سنوات من العمل الزراعي في مناطق أخرى، وبدأ بزراعة التوت مع اعتماد الزراعة البيولوجية، أي إحياء التربة عبر الكائنات المجهرية التي تساعد على نمو النبات وتحسين امتصاص المياه وتقليل الحاجة إلى الريّ. ويشير إلى أنّ هذا الخيار سبق الحرب وجاء نتيجة مشاكل بنيوية في النظام الزراعي القائم على الحراثة المكثّفة والرشّ الكيميائي والأسمدة.
العودة من دون حماية: خوف من تكرار 2006
مع اندلاع الحرب واستخدام الفسفور، يقول عواضة إن السؤال عاد بقوة، كيف ستكون العودة بعد الحرب؟ ويحذّر من الاستهتار، إذ يعود الناس إلى أراضيهم من دون حماية فيستنشقون ملوّثات ويشربون مياهًا ملوّثة، ما قد ينعكس لاحقًا ارتفاعًا في نسب الأمراض كما حدث بعد 2006. المنهج المعتمد في معالجة التربة يقوم على البيولوجيا عبر كائنات مجهرية من بكتيريا وفطريات ونيماتودا، إضافة إلى التسميد الحراري، مع فحوصات تركّز على قياس الحياة البيولوجية في التربة والمياه.
معظم التقارير الرسمية وما يشرحه الخبراء يظهر بوضوح في الحياة اليومية للمزارعين والمزارعات، في الأرض، وفي المواسم، وفي الخسارات المتراكمة. فزينب محمد مزارعة من بلدة البازورية، جنوب لبنان تخبر ما يعيشونه اليوم في ظل الاهمال والتقصير.
زراعة بلا سجلّ والباب المُغلق
تعكس شهادة زينب محمد واقع المزارعين والمزارعات الذين عادوا إلى أراضيهم ليجدوا أنفسهم أمام خسائر متراكمة وغياب شبه كامل لأي دعم. تقول زينب “أعمل في أرض مستأجرة منذ نحو ثمانية عشر عامًا (100$ للدنم الواحد سنويًا)، أزرع شتاءً السبانخ والخس والفجل، وصيفًا التبغ كمصدر دخل أساسي. بعد النزوح، وجدت أن البذور والشتول فُقدت وضاعت المواسم، ولم أتمكن إلا من زراعة موسم واحد، والخسارة لا تقلّ عن عشرة آلاف دولار. “تعافينا من اللحم الحيّ”، فيما مرّت أكثر من سنة وثلاثة أشهر من دون مساعدة”.
وتؤكد أنّ الزراعة عملها الوحيد، وتخبر “أسعار البيع متدنية لا تغطي الكلفة، والاستمرار بات مشروطًا بتقشّف قاسٍ، لدينا أطفال ومصاريف أيضًا. العائق الأكبر يبقى إداريًا: يطلبون مني سجلّ زراعي لا أستطيع الحصول عليه لأنني أزرع في أرض مستأجرة، ولا يسمح لي صاحب الأرض بتقديم رقم العقار، فانحرمت من الحد الأدنى من الدعم وهذا ينعكس على قدرتنا في تجديد الأرض ومعالجتها أيضًا”.
بعد الخسائر الظاهرة في المواسم، تشرح د. سالي جابر (خبيرة بيئية) الأثر غير المرئي للحرب على التربة
“الغيبوبة البيئية”
تشير د. سالي إلى أنّ الفسفور الأبيض لا يدمّر التربة نهائيًا، لكنه يضعف جودتها لفترات طويلة جدًا ويدخلها في حالة تعطيل وظيفي جزئي يمكن تشبيهها بـ”الغيبوبة البيئية”. تتراجع قدرة التربة على دعم الحياة النباتية قبل أن تبدأ باستعادة نشاطها تدريجيًا إذا خضعت لمعالجات مناسبة.
هذا التعافي ليس تلقائيًا ولا سريعًا، ويقوم على خطوات جزئية وتراكمية تمتدّ لسنوات طويلة. من بين هذه الخطوات إزالة الطبقات السطحية الأكثر تلوّثًا، وهو إجراء يحتاج وقتًا طويلًا وكلفة مرتفعة ودقة عالية وإشراف اختصاصيين، مع التحذير من أنّ معالجة غير مدروسة قد تنقل التلوّث بدل احتوائه.
وتوضح د. سالي أنّ القصف والصواريخ يخلّفان تلوّثًا واسع النطاق نتيجة ترسّب مواد كيميائية ومعادن ثقيلة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم والنحاس، وأحيانًا الفسفور الأبيض. هذه المواد تتفاعل مع مكوّنات التربة الحيوية وتسمّمها تدريجيًا، وتتضرر الكائنات الحيّة الدقيقة الأساسية لاستدامة الزراعة. تمتص النباتات الملوّثات عبر الجذور، ما يهدد سلامة الغذاء وصحة الإنسان على المدى الطويل.
القصف والحرائق واستخدام الفسفور الأبيض يسبب أضرارًا جسيمة للأشجار المعمّرة
وتلفت إلى أنّ الملوّثات تنتقل عبر الرياح، كما يؤدي انجراف التربة مع مياه الأمطار والريّ إلى وصولها إلى طبقات أعمق، ما يوسع نطاق الضرر ليشمل التربة والمياه والهواء في مناطق محيطة.
وعلى مستوى الدورة الزراعية، تؤكد جابر أنّ القصف والحرائق واستخدام الفسفور الأبيض يسبب أضرارًا جسيمة للأشجار المعمّرة. هذه الأشجار لا تموت فورًا، لكن قدرتها على الإثمار تتراجع على مدى السنوات، بالتوازي مع تضرر الحشرات المفيدة وتراجع التنوع البيولوجي داخل التربة.
وتضيف أنّ ابتعاد المزارعين والمزارعات عن أراضيهم خلال النزوح يفاقم الضرر بسبب غياب الحراثة والعناية والحراسة، ما يساهم في تراجع الخصوبة وانتشار مشاكل يصعب احتواؤها لاحقًا.
وتشير إلى أنّ المعالجة البيولوجية مفيدة لكنها غير كافية بالكامل، فيما تبقى المعالجة الكيميائية أسرع وأكثر كلفة، مع إمكان الاستعانة ببعض النباتات مثل البرسيم والكانولا لامتصاص جزء من المعادن الثقيلة ضمن برامج طويلة الأمد. كما تؤكد ضرورة فحص مياه الريّ والآبار الارتوازية، لأن الشكل والطعم لا يشكّلان مؤشرًا على السلامة، واستخدام مياه ملوّثة قد يفقد الموسم الزراعي بأكمله.
تكشف حكايات المزارعات/ين ما يقاس علميًا والمخاطر التي يواجهونها ضمن عملهم في الأرض ووجيهة حسين مزارعة من بلدة البازورية تروي حكايتها مع الأرض والحرب.
“نقول الحمد لله ونكمل”
تروي وجيهة حسين (أم عباس) من البازورية تجربة عائلتها مع الزراعة بعد الحرب، مشيرة إلى أنّ أرضهم تضرّرت نتيجة ضربة قرب منزل جيرانهم. تقول: “كان لدينا صفّ كامل من الأشجار، ويمكن القول إنه دُمّر بالكامل بسبب القصف”، بينما كانت أضرار الحمضيات أقلّ نسبيًا، إذ بقيت بعض الأشجار وتمت معالجتها بالأدوية وربطها ومحاولة إنقاذها، وبدأ وضعها يتحسّن تدريجيًا”.
أما الزيتون، فكان مزروعًا حديثًا وفي عامه الأول للإثمار. عدد كبير من الشتول تلف بالكامل، واضطرت العائلة إلى إعادة الزراعة. أولادها زرعوا بأنفسهم أكثر من خمسمئة شتلة، وبعض الأشجار التي لم تكن مزروعة مباشرة عادت ونبتت بعد وصول المياه إليها “كأنّها أعادت إنتاج نفسها”، ما دفعهم إلى تجديد الأرض بالكامل. تقول وجيهة عن التربة: “قلبناها وحرثناها، ثم زرعنا من جديد”. العائلة تستعد لزراعة الحمص إلى جانب الزيتون والحمضيات، وتخصّص قطعة صغيرة للفول والملفوف والخس، مع رش أدوية شتاءً لمكافحة الأعشاب الضارة تمهيدًا للحراثة.
الخسائر كبيرة، وخسارة أرض الزيتون وحدها لا تقلّ عن ألف أو ألف ومئة دولار، إضافة إلى تضرر أراضٍ قريبة من موقع القصف. العمل الزراعي يقوم به زوجها أساسًا، بينما وضعها الصحي لا يسمح بعمل ميداني مكثف. تقول: “نحن الاثنين مرضى، وزوجي يحتاج إلى جهاز أكسجين طوال الليل، لكن ماذا يمكننا أن نفعل؟ علينا أن نعيش ونحاول أن نكمل”. لديها خمسة أولاد متزوجين، والدعم محدود ويذهب غالبًا لأدويتها. وتضيف: “أحيانًا نشتري المستلزمات بالدَّين حتى نستطيع أن نزرع”. جمعيات زارت الأرض وسجلت الأضرار: “جاؤوا ورأوا الأشجار المكسّرة والتربة المتضرّرة، لكن لم يحدث شيء بعد ذلك”، تقول.
لم تحصل العائلة على تعويض عن خسارة الأرض، واقتصر الدعم على مبلغ بسيط لأضرار المنزل. ورغم ذلك تقول وجيهة: “نقول الحمد لله ونكمل”. قبل الحرب كانوا مكتفين، وزيت الزيتون كان يُوزّع داخل العائلة. هذا العام بالكاد حصلوا على تنكة واحدة. ومع ذلك، تختم: “زرعنا من جديد، المهم أننا بخير، وكل شيء يمكن أن يُعوّض”.
بين هذه الخسارة اليومية ومحاولات الاستمرار، يبقى السؤال معلّقًا تحت التربة نفسها: ما الذي خلّفته الحرب في الأرض، وما الذي لم يُفحص بعد؟
فجوة الفحوصات والشفافية
يوضح مصطفى رعد، الصحافي المتخصّص في القضايا البيئية، أنّه حتى اليوم لا يمكن الجزم بنوع المعادن التي ترسّبت في تربة الجنوب اللبناني نتيجة القصف، بسبب غياب الشفافية حول العينات التي جُمعت وآليات فحصها. فخلال الحرب، جرى جمع عينات من التربة من نحو ثماني مناطق مختلفة، وكانت وزارة البيئة تعمل على هذا الملف بالتعاون مع وزارة الزراعة ومختبر علوم الأرض في الجامعة الأميركية في بيروت. غير أنّ نتائج هذه الفحوصات لم تُنشر، ولم يُعرف ما هي أنواع المعادن أو نسب تركيزها أو توقيت إجراء الفحوصات، ما يجعل هذا الملف غير مكتمل حتى الآن.
في ما يتعلّق بالفسفور الأبيض، يشرح أنّ الفسفور الأبيض يغيّر بنية التربة بشكل جذري، إذ يحوّلها من تربة قابلة للزراعة إلى تربة متصلّبة تشبه الحجارة، ما يجعلها غير صالحة للإنتاج الزراعي. ويستشهد بتجربة موثّقة من حرب عام 2006 في بلدة كوكبا الجنوبية، حيث احتاجت أشجار الزيتون إلى خمس أو ست سنوات كي تعود إلى الإثمار، ما يعني خسارة مواسم متتالية.
ويؤكد أنّ تعافي التربة في هذه الحالات يتطلّب وقتًا طويلًا، كما أنّ التقنيات المتوافرة لإزالة الفسفور مكلفة جدًا ولا يمكن تطبيقها على مساحات واسعة، خصوصًا في ظل احتراق نحو 47 ألف شجرة زيتون، بحسب تقارير البنك الدولي.
ويلفت إلى أنّ المزارعين وُضعوا هذا العام أمام خيارات محدودة. فقد أُخذت عينات من أشجار الزيتون والزيت المنتج، وأُعلن أنّ زيت الزيتون في الجنوب “نظيف”، لكن في المقابل جرى الطلب من المعاصر غسل الزيتون أكثر من مرة قبل العصر لتقليل أي ترسّبات كيميائية محتملة. ويشير إلى أنّ نحو 70 في المئة من موسم الزيتون هذا العام تضرّر، ولم يبقَ سوى 30 في المئة من الإنتاج. وبما أنّ إنتاج تنكة زيت واحدة يحتاج إلى ما بين 16 و20 كيلوغرامًا من الزيتون، فقد تراجعت الكميات المنتجة بشكل كبير. في هذا السياق، ارتفعت أسعار زيت الزيتون لتصل في بعض الحالات إلى 150 و170 دولارًا، فيما اضطرّ عدد من المزارعين إلى بيع إنتاجهم بأسعار منخفضة لإنقاذ الموسم في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.
تأهيل الأراضي حق
تأتي البازورية كنموذج حيّ لما يعيشه المزارعون والمزارعات في الجنوب اللبناني، حيث لا تتوقّف كلفة الحرب عند القصف والخسارة الآنية؛ تمتدّ الحرب إلى الأرض نفسها، وإلى المزارع الذي يُجبر على تحمّل عبء العودة إلى أرضٍ متضرّرة، بوصفها هويته ومصدر عيشه الوحيد. في هذا الواقع، تصبح الزراعة فعل بقاء، يُمارَس في ظل التقصير في الحماية والدعم، وتحت وطأة خسائر متراكمة لم تُحتسب في أي سياسات تعافٍ رسمية.
المطلوب تحرّك جدّي من وزارة الزراعة، والبلديات، والجهات المعنية، بالتعاون مع الخبراء، لوضع سياسات واضحة لإعادة تأهيل الأراضي المتضرّرة، وتأمين الفحوصات اللازمة للتربة والمياه، ودعم المزارعين والمزارعات بوصفهم خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي والحق في الأرض. من دون هذا التدخّل، تبقى الحرب مستمرّة: على لقمة العيش نفسها، وعلى الحق بالزراعة والحياة.













