أثارت القرارات الأخيرة للسلطات الأذربيجانية المتعلقة بمنع النساء والفتيات من ارتداء الحجاب ردود فعل سلبية لدى جمهور واسع في مختلف بلدان العالم.ان هذه القرارات تشكل الوجه الاول من “العملة”، فيما يبرز الوجه الثاني من خلال قرارات السلطات الإيرانية، وهي الجار اللصيق باذربيجان، التي تفرض ارتداء الحجاب على النساء والفتيات على أراضيها، بحجة ايديولوجية تعتنقها السلطات الإيرانية نفسها، وهي ايضاً تخالف مساحة الحريات الشخصية وحق الاختيار.
ان السلطات التي تدّعي الدولة العلمانية والأخرى التي تدّعي الدولة الدينية تتفقان على مسألة واحدة وهي إلغاء مفهوم المواطنة وتحويل الناس الى رعايا سلطات ذات مصالح مختلفة تتعلق بالممسكين بالسلطة.كما شهد لبنان تحركات واعتصامات تنديداً بهذه القرارات التي تحد من الحريات الشخصية وحق الاختيار عند المواطن والمواطنات.
وأشارت بعض وسائل الإعلام إلى أن السلطات الأذربيجانية، التي تلتزم النظام “العلماني”، تفرض من خلال قراراتها سلطتها المطلقة على حياة مواطنيها.أدت هذه القرارات إلى توقيف عدد كبير من النساء العاملات في ميدان التعليم والإدارات العامة عن العمل، واشتراط نزع الحجاب كشرط أساسي للاستمرار في العمل، إلى جانب منع تحركات المواطنات اللواتي يرتدين الحجاب.إن تلك السلطات، ومن خلال ممارستها السلطوية، تشطب عنصرين أساسيين من عناصر المواطنة الديمقراطية، هما: العنصر الشخصي والعنصر الخاص.العنصر الأول يتضمن حرية الإنسان في طريقة حياته وممارستها بالشكل الذي يؤمن له الراحة والسعادة، شرط ألا يؤدي ذلك إلى الإضرار بالآخرين.
والعنصر الثاني يتعلق بحق كل جماعة أو مجموعة أو مكون اجتماعي بممارسة عاداته وتقاليده والحراك لتحسين نمط حياة المجموعة، شرط ألا يؤدي ذلك إلى الإضرار بالآخرين. ونذكر مثلاً أن من حق العمال تشكيل نقاباتهم والمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية والاجتماعية، كما أن من حق النساء أيضاً تشكيل اتحاداتهن لتعديل القوانين السارية من أجل تحقيق المساواة العادلة.
ومن حق المجموعات ذات الثقافة الخاصة الدفاع عنها؛ فكل هذه الحقوق التي يجب النضال من أجل الوصول إليها تشترط أن تكون تحت سقف القوانين العامة التي تؤمن الحقوق لجميع المواطنين والمواطنات في ميادين الحياة كافة. وهذا يؤشر إلى أن القرارات الأذربيجانية والإيرانية تحوّل المواطنين والمواطنات إلى رعايا، وتتحكم بشروط حياتهم وبحرية اختياراتهم الشخصية.
إن قرارات أذربيجان وإيران بمنع الحجاب أو فرضه تخالف الحريات الشحصية وحق الإختيار، فكلا السلطتين ، سواء العلمانية أو الدينية ، تلغيان مفهوم المواطنة وتحوّلان الناس إلى رعايا
المشكلة الأكبر هي ما أشارت إليه وسائل الإعلام بشأن “علمانية” الدولة الأذربيجانية؛ فالعلمانية تعني منهجية وأسلوب حياة يُتبع في مجتمع ما، وتكفل قبول المكون الآخر واحترام عاداته وتقاليده بشرط ألا تكون تلك العادات والتقاليد تشكل اعتداءً على المكونات الأخرى، ويستدعي ذلك وجود دولة ديمقراطية لها مؤسساتها وقوانينها العادلة.
أما في لبنان نشهد وجود أكثر من إيران واحدة وأكثر من أذربيجان واحدة، ويصبح الهدف هو الإجابة عن سؤال واحد: كيف نبني دولة ديمقراطية عادلة في مجتمع يشهد تنوعاً كبيراً، وكيف نحول هذا التنوع إلى عنصر قوة لا عنصر ضعف وتفتت؟













