حين يصبح الزي المدرسي اختبارًا للحرية.. فتيات أذربيجان المحجّبات

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
22/10/20267:13 م

بعد منع تلميذات محجّبات في الصفوف الدراسية المتوسطة والثانوية من دخول مدارسهن، أثارت قواعد الزي المدرسي في أذربيجان احتجاجات أعادت طرح أسئلة عن ماهية العلمانية وحرية المعتقد وحق الفتيات في التعليم.

لم تكن الفتيات اللواتي ظهرت صورهن ومقاطعهن المتداولة أمام المدرسة الثانوية رقم 6 في مدينة سومقاييت الأذربيجانية، في 29 أيلول 2026 يتحدثن عن خلاف نظري حول الدين والدولة، كنّ تلميذات يردن دخول مدارسهن، لكن بعضهن وجدن أنفسهن أمام قيود على ارتداء الحجاب، وفق تقرير نشرته الجزيرة في 30 أيلول 2026. وبين مشاهد الاحتجاج والدموع، تحوّلت المدرسة من مكان للتعلّم إلى ساحة خلاف حول حدود سلطة الدولة على المظهر الديني.

"تحوّلت المدرسة من مكان للتعلّم إلى ساحة خلاف حول حدود سلطة الدولة على المظهر الديني"

في بلد ينتمي نحو 96% من سكانه إلى الإسلام، بحسب تقرير لجنة الولايات المتحدة الأميركية للحرية الدينية الدولية لعام 2025، يثير ما حدث سؤالًا يتجاوز تفاصيل الزي المدرسي: هل يمكن حماية الطابع العلماني للتعليم من دون أن يتحول ذلك إلى عائق أمام وصول بعض الطالبات إلى الصفوف؟ أين تنتهي صلاحية المؤسسة التعليمية في تنظيم الزي وتبدأ مسؤوليتها في حماية حرية المعتقد والحق في التعليم؟

كيف تحوّلت قواعد الزي المدرسي إلى أزمة للحجاب؟ 

 في 21 أيلول 2026، أقرّ مجلس الوزراء الأذربيجاني تعديلات على قواعد الزي في مؤسسات التعليم العام الحكومية. وينص القرار على عدم السماح باستخدام قطع ملابس تخالف توحيد الزي المدرسي أو لا تتوافق مع مبدأ علمانية التعليم.

لكنه لا يذكر الحجاب بشكل خاص، ولا يوضّح ما الملابس التي يعتبرها مخالفة لمبدأ علمانية التعليم، تاركًا مجالًا لتفسير هذا المعيار عند تطبيق قواعد الزي المدرسي.

كما يحمّل أولياء الأمور مسؤولية ضمان التزام أبنائهم وبناتهم بالقواعد، ويترك معالجة المسائل المتعلقة بتطبيقها للمجالس التربوية في المدارس، حسب القرار المنشور لدى وكالة الأنباء الأذربيجانية APA.

تطبيق القرار أثار اعتراضات بعدما أفادت تقارير بأنّ بعض المدارس منعت طالبات ومعلمات محجّبات من الدخول أو طالبت الطالبات بخلع الحجاب. وتناولت الجزيرة في تقريرها الذي نشر في 12 تشرين الأول هذه التطورات، مشيرة إلى احتجاجات اندلعت بعد بدء تطبيق القيود.

وفي 9 تشرين الأول 2026، أعلنت إدارة التعليم في باكو تنظيم عمليات متابعة للتأكد من الالتزام بقواعد الزي المدرسي. وقالت الإدارة إنّ الهدف هو إيجاد بيئة تعليمية منضبطة وموحّدة، وفق الإعلان المنشور على موقعها الرسمي.

يكشف هذا التسلسل عن فرق مهم بين النص القانوني وطريقة تطبيقه؛ فبينما تستند السلطات إلى قواعد عامة للزي المدرسي، أظهرت التقارير أنّ الحجاب أصبح محورًا للنزاع في بعض المؤسسات التعليمية. ولذلك، فإنّ تقييم القرار لا يتوقف عند صياغته، بل يشمل أيضًا آثاره الفعلية على الطالبات.

احتجاجات واعتقالات وسط تصاعد الجدل

لم يبقَ الاعتراض على القواعد الجديدة محصورًا في الأسر المتضررة. فقد أفادت وكالة أرمن برس في 12 تشرين الأول بأنّ تلاميذ وأولياء أمور احتجّوا في عدد من المدارس، وأنّ طلابًا في باكو ومنطقة ماسالي امتنعوا عن حضور الدروس تضامنًا مع زميلاتهم المحجّبات. وذكرت الوكالة أنّ محتجين رفعوا أمام إحدى مدارس باكو لافتة كُتب عليها: “الحجاب ليس عائقًا أمام التعليم”.

وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الداخلية توقيف 37 شخصًا على خلفية حوادث مرتبطة بتطبيق قواعد الزي، بحسب ما نقلته الوكالة. وزعمت السلطات إنّ الموقوفين تورطوا في نزاعات مع العاملين في المؤسسات التعليمية وأعمال عطّلت النظام العام، وتقتضي الدقة هنا التمييز بين الاحتجاج السلمي على القيود وبين الأفعال التي نسبت السلطات إلى بعض المشاركين.

وفي 13 تشرين الأول، أفادت رويترز في تقرير عن موقف الحزب الحاكم بأنه دافع عن قواعد الزي، ووصفها بأنها قائمة على المساواة والعلمانية وسيادة القانون، بعدما انتقدت شخصيات تركية منع الطالبات المحجّبات من التعليم.

وبذلك، لا يدور الجدل حول الحجاب وحده، بل حول تعريف المساواة نفسها، هل تتحقق بتوحيد المظهر الخارجي للطلاب والطالبات أم بضمان وصولهم/ن إلى التعليم مع احترام الاختلافات التي لا تمس حقوق الآخرين؟

بين علمانية الدولة وحرية المعتقد

تعرّف أذربيجان نفسها دولة علمانية، ويستند المدافعون والمدافعات عن القواعد الجديدة إلى ضرورة الحفاظ على حياد المؤسسات التعليمية. لكن العلمانية لا تعني بالضرورة أنّ كل تعبير فردي عن المعتقد ينبغي أن يُمنع من الظهور في المجال العام.

فالتمييز ضروري بين ضمان حياد المؤسسات التعليمية دينيًا، وبين تقييد حرية التلميذات في التعبير عن معتقداتهن الشخصية باسم العلمانية.

 وقد تختلف الدول في تنظيم الزي المدرسي، لكن أي قيود تمس حرية المعتقد أو الوصول إلى التعليم تحتاج إلى تبرير يتناسب مع الحقوق التي قد تتأثر بها.

هل نريد امرأة حرة فعلا أم امرأة تختار ما نراه نحن دليلًا على حريتها؟

وفي هذا السياق، تنص المادة 14 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل على حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين، وتسمح بتقييد إظهار المعتقدات فقط إذا كان القيد منصوصًا عليه في القانون وضروريًا لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو الحقوق والحريات الأساسية للآخرين. أما المادة 28 فتؤكد حق الطفل في التعليم، وتدعو إلى ضمان إتاحته على أساس تكافؤ الفرص.

لا تحسم هذه المواد وحدها قانونية الإجراءات الأذربيجانية، لكنها توفر إطارًا لتقييمها: هل القيود ضرورية ومتناسبة مع الهدف المعلن؟ وهل حقا تنظيم الزي المدرسي يعتمد أو يتوقف على منع الطالبات من دخول الصفوف بسبب الحجاب؟

هل تُمنح المرأة الحرية فقط حين تخلع الحجاب؟

تتجاوز القضية حدود أذربيجان، لأنها تعيد طرح سؤال يتكرر في النقاشات المتعلقة بحقوق المرأة: هل تُحترم حرية المرأة بصرف النظر عن اختيارها أم تصبح مقبولة فقط عندما يتوافق اختيارها مع تصورات الآخرين عن التحرر؟

في بعض الخطابات، يُقدَّم خلع الحجاب بوصفه علامة على الاستقلال، بينما يُنظر إلى ارتدائه باعتباره دليلًا على غياب الحرية. لكن المظهر وحده لا يكفي للحكم على استقلالية المرأة، كما لا يصح افتراض أنها عاجزة عن اتخاذ قرار بشأن لباسها لمجرد أنّ هذا القرار لا ينسجم مع توقعات الآخرين والأخريات.

لا يتعلق الأمر بتفضيل الحجاب أو رفضه، بل بحق المرأة في ألا تُعاقب بسبب اختياراتها. وحين تكون المعنيات طالبات صغيرات، تصبح مسؤولية المؤسسات التعليمية أكبر في حماية حقهن في التعلّم، بدلًا من وضعهن أمام خيار قد يعني التخلي عن تعبير يرتبط بمعتقدهن أو مواجهة قيود على حضورهن المدرسي.

المدرسة ليست مكانًا لمعاقبة الاختلاف

تكمن المفارقة في أنّ المدرسة التي يفترض أن تهيئ الأطفال لفهم الاختلاف والتعايش معه، قد تتحول إلى مكان يشعر فيه بعضهم/ن بأنّ مظهرهم/ن الديني يجعلهم/ن أقل قدرة على الوصول إلى حقوقهم/ن.

وقد أظهرت الاحتجاجات التي تناولتها وسائل الإعلام أنّ القضية تجاوزت الطالبات المحجّبات وأسرهن، لتشمل طلابًا أعلنوا تضامنهم مع زميلاتهن. وهذا التضامن لا يتطلب أن يتشارك الجميع المعتقد نفسه، بل أن يعترفوا بحق الآخرين في ألا يُحرموا من التعليم بسببه.

لا يعني ذلك أنّ تنظيم الزي المدرسي غير مشروع في ذاته، بل أنّ مشروعية القواعد لا تُقاس فقط بهدفها المعلن، وإنما أيضًا بمدى احترامها للحقوق الأساسية عند تطبيقها. فالمساواة لا تتحقق بالضرورة حين يبدو الجميع متشابهين ومتشابهات، بل حين يتمتعون بحقوق متساوية رغم اختلافاتهم/ن.

الحرية التي لا تتسع للاختلاف

في نهاية المطاف، لا تحتاج الفتيات المحجّبات إلى أن يوافق الجميع على خياراتهن كي يستحققن التعليم. كما لا يتطلب الدفاع عن حقوقهن اعتبار الحجاب خيارًا إلزاميًا أو مناسبًا لكل امرأة. يكفي الإقرار بأنّ الاختلاف في المعتقد والمظهر لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للحرمان من حق أساسي.

قد تختلف المجتمعات في فهم العلاقة بين الدين والدولة، وقد تضع المؤسسات التعليمية قواعد لتنظيم الحياة المدرسية. لكن هذه القواعد تظل بحاجة إلى تبرير واضح وتطبيق يحترم الحقوق ويمنع الإقصاء.

إن مشهد الطالبات اللواتي وجدن أنفسهن خارج مدارسهن يعيد طرح سؤال أبعد من تفاصيل القرار الأذربيجاني: هل نريد امرأة حرة فعلا أم امرأة تختار ما نراه نحن دليلًا على حريتها؟

ليس المطلوب أن يتفق الجميع على الحجاب، بل أن يكون الاختلاف حوله سببًا للنقاش لا وسيلة لحرمان الفتيات من التعليم. فالحرية لا تعني أن نختار للمرأة ما نراه مناسبًا لها، بل أن نحمي حقها في الاختيار.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x