حماية المصادر وحق الوصول إلى المعلومات: هل يحمي القانون الصحافي؟وهل يُلزم بكشف مصادره؟

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
18/10/20269:10 م

منير قبلان – زينب الحاج حسن

تُعدّ حماية سرية المصادر وحق الصحافي في الوصول إلى المعلومات من ركائز العمل الإعلامي، ولا سيما الصحافة الاستقصائية التي تعتمد على مصادر ووثائق قد لا تكون متاحة علنًا. وفي لبنان، أعاد قانون الإعلام الجديد تنظيم هذه الحقوق، إلى جانب قانون الحق في الوصول إلى المعلومات الصادر عام 2017. وقد أُقرّ قانون الإعلام الجديد رقم 69 في آب/أغسطس 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية في 3 أيلول/سبتمبر من العام نفسه.

أما بين النص القانوني والتطبيق، فتبرز تساؤلات حول قدرة الصحافي/ة على الحصول على المعلومات وحماية مصادره/ا، ومدى كفاية الضمانات القانونية لممارسة العمل الصحافي بحرية واستقلالية.

بين الحق في الوصول إلى المعلومات وواقع التطبيق

يمنح قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، الذي أُقرّ عام 2017 وتلاه مرسوم تطبيقي عام 2020 وتعديلات عام 2021، الأشخاص الطبيعيين والمعنويين حق الوصول إلى المعلومات والمستندات العامة مع استثناءات محددة، كما يُلزم الإدارات بنشر فئات من المعلومات وتعيين موظفي معلومات.

وتتلقى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الشكاوى المتعلقة بتطبيق القانون، بما فيها حالات الرفض الصريح أو الضمني، ويمكن الطعن في قراراتها أمام مجلس شورى الدولة.

لكن تقرير الهيئة السنوي الأول، الصادر في نيسان 2025، أظهر أن 40% فقط من الإدارات تنشر المعلومات استباقياً، فيما عيّنت أقل من 50% من الإدارات الوطنية و25% من الإدارات المحلية موظفي معلومات. بلغت نسبة الإجابة عن الطلبات 76% وطنياً مقابل 63% محلياً، وسط تحديات تتعلق بضعف المؤسساتية والغموض القانوني والعوائق التقنية.

يرى الصحافي آدم شمس الدين أن قانون الإعلام الجديد، وقبله قانون حق الوصول إلى المعلومات، أتاحا قدرة إضافية على الحصول على معلومات كانت تتطلب وقتاً وجهداً أكبر. لكن فعاليتهما ترتبط بالتجاوب مع تطبيقهما وعدم المماطلة، إذ لا تزال هناك ثغرات يمكن استغلالها للتهرب من الالتزام.

ويشير إلى أن معرفة الصحافيين/ات بالقانون وقدرتهم/ن على استخدامه ضرورية للتحصّن بأحكامه، إلى جانب الإصرار على نشر التحقيق. ويقول: “في لبنان هناك الكثير من الصحافيين/ات لا يدركون أن هناك نقاط قوة يمكن الاستناد إليها حتى قبل صدور هذين القانونين”، ما قد يجعل بعضهم يشعر بأنه غير محمي أو يرضخ للتهديدات والإغراءات.

عندما يصطدم الحق القانوني بالواقع

تظهر هذه الفجوة في تجربة الصحافية إيسامار لطيف، التي أعدّت تحقيقاً استقصائياً لصالح “رصيف 22” حول السدود في لبنان، والهدر والفساد الذي طال مشاريعها وأسباب فشلها.

وباعتبار أن وزارة الطاقة والمديرية العامة للمياه تشكلان المصدر الأساسي للمعلومات، حاول الفريق الحصول على الوثائق اللازمة، وتوجّه يوميًّا إلى الوزارة على مدى شهرين، من الصباح حتى نهاية النهار، من دون أن يجد الموظفين/ات أو يتلقى ردًّا على اتصالاته.

تقول لطيف إن الفريق واجه سوءًا في الإدارة والتنظيم، وتعيقًا وتمنّعًا في تسليم الملفات التي قد تطال المعنيين في الوزارة، إضافة إلى وجود ملفات مفقودة.

" ترى لطيف أن الصحافي يُعامل باعتباره "عدواً" يريد كشف المخالفات، وأن المعنيين يستبقون ذلك بحجب المعلومات "

وتضيف أن الفريق تقدّم بطلب للحصول على المعلومات في أواخر أيار/مايو 2026، وبدأ بمراجعته في تموز/يوليو، لكنه واجه حججًا مختلفة من دون أن يتلقى ردًّا أو رفضًا، رغم أن المهلة القانونية للإجابة هي 15 يومًا، قابلة للتمديد إلى 15 يومًا إضافية.

وتروي أن مكتب وزير الطاقة حاول التواصل مع الديوان بشأن الطلب، فجاءه الردّ بأن ذلك يشكل تعدّيًا على عمله. كما عُرض على الفريق الحصول على نسخ من الأوراق مقابل دفع أموال.

وفي هذا السياق، تشير إلى أن الوزير السابق وليد فياض، عندما استُدعي للتحقيق لدى القاضية سمرندا نصار وطُلبت منه أوراق تتعلق بالسدود، ومنها سد المسيلحة، أُبلغ بعدم وجود آلة طباعة أو حبر في الوزارة، مما اضطره إلى دفع ثلاثة آلاف دولار من ماله الخاص لتصوير المستندات.

وترى لطيف أن الصحافي يُعامل باعتباره “عدواً” يريد كشف المخالفات، وأن المعنيين يستبقون ذلك بحجب المعلومات. وتضيف أن التهديد باللجوء إلى القضاء لم يغيّر موقفهم.

وتوضح التجربة كيف يدفع تعذّر الحصول على الوثائق الرسمية الصحافي/ة إلى الاعتماد على أشخاص داخل المؤسسات أو مصادر خاصة، فيما يقلّ هذا الاعتماد كلما أصبح الوصول إلى الوثائق الرسمية أكثر فاعلية.

 القانون موجود لكن التطبيق متعثر

تتابع مبادرة “غربال”، وهي مؤسسة مدنية تأسست عام 2018، مدى التزام الإدارات العامة بقانون الحق في الوصول إلى المعلومات، عبر تقديم الطلبات ونشر تقارير سنوية.

وتوضح مديرة البرامج في المبادرة، كلارا بو غاريوس، أن “غربال” توفر خطاً ساخناً مجانياً للمواطنين/ات والصحافيين/ات، وتتولى في الحالات الصعبة تقديم الطلبات نيابة عنهم/ن، ومراجعة الإدارات وزيارتها للحصول على الردود، ثم نشر المعلومات مع الحفاظ على هوية مقدم الطلب إذا رغب بذلك.

وتضيف:”القانون أصبح في بعض الحالات “حبراً على ورق”، بسبب جهل بعض الموظفين/ات والبلديات بوجوده، وعدم تعيين موظفي/ات معلومات في إدارات ملزمة بذلك، فضلاً عن المماطلة ونقص الموارد ومشكلات الإنترنت والأرشفة”.

وترى بو غاريوس أن المصادر المفتوحة تساعد الصحافي/ة على تقليل الاعتماد على التسريبات التي قد تكون غير دقيقة، وتسهم في سرعة العمل ودقته. لكنها تميز بين المصادر المفتوحة والمعلومات الرسمية، مؤكدة تفضيل الوثائق الإدارية الرسمية الموقعة والمختومة عندما تكون متاحة.

ووفق بو غاريوس فقد حصلت “غربال” عبر القانون على وثائق كثيرة لم تكن متاحة بوضوح للجمهور، ما يؤكد إمكانية استخدامه أداة فعلية، شرط تجاوب الإدارات.

ما الذي تغيّر مع قانون الإعلام الجديد؟

خصص قانون الإعلام الجديد فصلاً لحماية الصحافيين/ات ومصادرهم/ن. تنص المادة 116 على حق الشخص الإعلامي/ة في الاحتفاظ بسرية مصادره/ا، وتحظر كشف هويتها أو تقديم معلومات تمكّن/ت من تحديدها.

وتشمل الحماية الإجراءات الإدارية، القضائية، التنصّت، المراقبة والتفتيش التي تطال محل إقامة الإعلامي/ة أو مكان عمله/ا وأجهزته/ا وملفاته/ا ومراسلاته/ا المرتبطة بعمله/ا، ولا يجوز تفتيشها أو حجزها بهدف كشف المصدر إلا وفق الشروط القانونية.

لكن الحماية ليست مطلقة، إذ تحصر المادة 116 صلاحية إلزام المشمولين بها بكشف المصادر أو تفتيش الأجهزة والمستندات بهدف كشفها بالمحكمة التي تتولى التحقيق أو المحاكمة الجزائية أو المدنية، وبقرار معلل خطياً، وفي حالتين: إذا كانت المعلومات من شأنها المنع المؤكد لجريمة إرهاب، أو منع خطر محدق على حياة الأشخاص.

وهنا يرى النائب والمحامي ملحم خلف أن النص يكرّس سريّة المصادر، ويشمل المشاركين/ات في العملية الإعلامية أو من يمتلكون المعلومات بحكم مشاركتهم/ن فيها، مؤكداً أن الاستثناءات “حالتان لا أكثر”.

ويعتبر خلف أن القاضي يقرر ضمن الأصول القانونية، وأن الاستثناءات لا ينبغي توسيعها لتشمل مصادر أو معلومات أو كتابات صحافية. وفي حال سوء التطبيق، يرى أن على البرلمان التدخل ومراقبة التنفيذ وتعديل النص عند ظهور ثغرات.

ويعتبر خلف، أن القاضي يقرر ضمن الأصول القانونية، وأن الاستثناءات لا ينبغي توسيعها لتشمل مصادر أو معلومات أو كتابات صحافية. وفي حال سوء التطبيق، يرى أن على البرلمان التدخل ومراقبة التنفيذ وتعديل النص عند ظهور ثغرات.

يرفض خلف أي ضغط أمني أو قضائي خارج القانون، معتبراً أن الضغط المادي أو المعنوي على الصحافي/ة غير مقبول، وإن كان يمكن طلب توضيحات منه ضمن المسار القانوني.

 بين الحماية القانونية والضغط غير القانوني

يرى الصحافي آدم شمس الدين أن حماية المصادر لا تقتصر على النصوص، إذ يمكن للمتضررين من التحقيق اللجوء إلى وسائل غير قانونية للوصول إلى المصدر، ومنها الترهيب والإغراء.

 " لا حماية لأحد، سواء مصادر أو غير مصادر "

ويقول: “لا حماية لأحد، سواء مصادر أو غير مصادر”، معتبراً أن القانون يمثل “نقطة إضافية جيدة لكنها غير كافية”، رغم انتظار الحماية 17 عاماً. ويشير إلى أن بعض الصحافيين/ات لا يقدّرون أهمية سرية المصدر، مؤكداً أن الحماية تتطلب ثقافة مهنية ومعرفة بحدود القانون وكيفية الاستناد إليه.

حق النشر ومسؤولية الصحافي

لا تعني حماية الصحافي/ة ومصدره/ا إعفاء العمل الإعلامي من المسؤولية القانونية، فالمادة 109 تحظر نشر أو بث ما يخالف القوانين، فيما يتيح القانون نشر المعلومات المتصلة بالمصلحة العامة ومساءلة المكلّفين بشؤون عامة وكشف الفساد وما يمس الحقوق والحريات والأمن والصحة العامة.

يؤكد النائب ملحم خلف أن تخفيف التجريم لا يلغي مسؤولية الصحافي/ة، خصوصاً في حال اختلاق الأخبار أو تضليل الجمهور أو تعمد نشر معلومات كاذبة، مشدداً على أن الحرية الإعلامية ترتبط بالمسؤولية الاجتماعية عما يُنشر.

حماية المصدر مسؤولية مهنية 

ترى الصحافية الاستقصائية رنا الصباغ أن المصدر قد يكون الباب الوحيد لفهم ما يحدث داخل مؤسسة، سواء عبر تقديم معلومات أو وثائق أو تفسيرها. وتلفت إلى أن المصادر تختلف بين من يمتلك المعرفة، ومن يقدم معلومات حصرية، والكاشفين عن المخالفات (Whistleblowers)، الذين يحتاجون إلى حماية أكبر بسبب المخاطر التي قد يتعرضون لها.

وتشدد على ضرورة التحقق من دوافع المصدر ومعلوماته، إذ إن وجود دوافع شخصية لا يعني بالضرورة أن المعلومات خاطئة، لكنه يجعلها خيطاً يحتاج إلى التحقيق لا حقيقة جاهزة للنشر. وتوضح أن التحقق يتطلب مطابقة الأقوال مع الوثائق والروايات الأخرى، ومراجعة التسلسل الزمني والأسماء والتواريخ والأرقام. وتختصر ذلك بالقول: “المصدر يعطينا الخيط، والصحفي/ة الذي يثبت القصة”.

وتعتبر الصباغ أن السريّة مسؤوليّة مهنيّة وأخلاقيّة مرتبطة أحياناً بسلامة المصدر وحياته، ولا يجوز التحدث عنه حتى مع الأصدقاء أو الزملاء أو كشف تفاصيل العمل لمن لا يحتاج إليها. وتؤكد أن سلامة المصدر تسبق الحصول على القصة، لأن الصحافي/ة قد يغيّر هاتفه أو مكانه، بينما قد لا يستطيع المصدر تغيير وظيفته أو حياته أو حماية عائلته.

وتختصر الصباغ موقفها بالقول: “المصدر ليس ملكاً للصحفي/ة، والقصة ليست أهم من سلامة الإنسان الذي خاطر من أجل كشفها”. وتضيف أن الثقة هي رأس المال الحقيقي للصحافة الاستقصائية، وأن غيابها يحرم الصحافة من معلومات لا يمكن الوصول إليها بوسائل أخرى.

هل تكفي النصوص؟

يكرّس الإطار القانوني اللبناني حق الوصول إلى المعلومات من خلال قانون 2017، ويحمي سرية المصادر بصورة أكثر تفصيلاً بموجب قانون الإعلام الجديد. لكن تجارب الصحافيين/ات و”غربال” تكشف استمرار الفجوة بين النص والتطبيق، بفعل المماطلة وضعف الأرشفة وغياب موظفي المعلومات وصعوبة الحصول على الوثائق.

وهنا يصبح المصدر السري أكثر أهمية عندما تتعذّر القنوات الرسمية، فيما يتيح الوصول الفعلي إلى المعلومات تقليل الاعتماد على المصادر الخاصة وبناء التحقيقات على وثائق قابلة للتحقّق.

 " المصدر ليس ملكاً للصحفي/ة، والقصة ليست أهم من سلامة الإنسان الذي خاطر من أجل كشفها "

وبذلك، يشكل حق الوصول إلى المعلومات وحماية المصادر وجهين للعمل الصحافي نفسه: الأول يتيح الحصول على الوثائق الرسمية، والثاني يحمي المصادر عندما تكون المعلومات غير متاحة علنًا.

ويبقى الاختبار الأساسي في مدى قدرة الإدارات والمؤسسات والقضاء على تطبيق الضمانات القانونية، بما يمكّن الصحافي/ة من الوصول إلى المعلومات وحماية مصادره/ا وممارسة عمله/ا بحرية واستقلالية.

*أُنتجت هذه المادة ضمن برنامج زمالة مشترك بين اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان وبرنامج ” قريب“، بهدف دعم إصلاحات قانون الإعلام وتعزيز الوعي بها.

“قريب هو برنامج إقليمي تنفّذه الوكالة الفرنسية للتنمية الإعلامية “(CFI Médias)،بتمويل من الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD).

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x