شهدت الساحة الرقمية الجزائرية مؤخراً تفاعلاً عنيفاً على خلفية إعلان المؤثرة سارة حنانة عن قرارها بخلع الحجاب. لم يقتصر الأمر على مجرد نشر الخبر، بل سرعان ما تحول الفضاء الافتراضي إلى ساحة محاكمة شعبية. حيث تعرضت المؤثرة لحملة كراهية ممنهجة وموجة عزل اجتماعي ورقمي واسعة النطاق. هذه الحادثة ليست فريدة، بل هي تكرار أيضا لما تعرضت له المؤثرة مايا رجيل سابقاً، مما يشير إلى أن هذه المنصات وفرت مساحات جديدة لزيادة خطابات الكراهية ضد النساء.
بالتدقيق في لغة الخطاب الموثقة، نجد أن التفاعل لم يكن بهدف النصح أو الإرشاد الديني، بل كان مدفوعاً بنقمة صريحة ورغبة جماعية في العقاب. وقد تجلّت هذه النزعة في تعليقات قاسية مثل: “توقفوا عن متابعتها مثلما جعلتوها مشهورة”. ووصف حنانة بعبارات من قبيل “منافقة” و”أمثالك هم من أفسدوا المجتمع”.
هذه المصطلحات لا تعكس قلقاً أخلاقياً، بل تفضح اعتقاداً ضمنياً بأن الشهرة والمتابعة هي “عملة دفع” تمنح الجمهور حق الملكية والتحكم في المظهر الشخصي للمؤثرة. هذا السلوك الجماعي يرسخ حقيقة أن الحجاب، في سياق اقتصاد المؤثرين، تحوّل من خيار شخصي إلى شرط مهني ضمني. حيث يُنظر إلى قرار نزعه كخرق لـعقد ملكية غير مكتوب بين المؤثرة وجمهورها.
إن النساء أكثر عرضة بـ 27 مرة للإساءة الرقمية مقارنة بالرجال
فالبيانات الدولية تؤكد هذا الاستهداف الممنهج؛ إذ يشير تقرير لجنة النطاق العريض بالأمم المتحدة إلى أن النساء أكثر عرضة بـ 27 مرة للإساءة الرقمية مقارنة بالرجال. فيما كشف تقرير منظمة العفو الدولية (#ToxicTwitter) أن هذه الهجمات لا تكتفي بالنقد، بل إن 27% منها تأخذ طابعاً عنيفاً يتضمن تهديدات صريحة بالاعتداء، مما يؤكد أننا أمام آلية ‘تأديب’ وليس مجرد اختلاف في الرأي. فاستمرار تداول فيديوهات الهجوم من قِبل صانعي المحتوى الرجال، وتحول النقاش إلى تقييم جسد المؤثرة وشكلها كما حدث في حملات التنمر على وجه مايا رجيل، يؤكد أن الهدف هو التأديب والوصاية.
وفي هذا السياق، ولفهم آليات هذا العقاب الرقمي، يقول الخبير الإعلامي عبد الرؤوف عبدي لمنصة صلة وصل أنه “يمكن تحليل هذه الظاهرة بوصفها نتاجاً مباشراً لتحولات عميقة في بنية الفضاء الرقمي، حيث لم تعد المنصات مجرد أدوات تواصل، بل أصبحت حقولاً اجتماعية مكتملة الأركان تخضع لمنطق السلطة والرقابة ورأس المال الرمزي”.
يضيف عبدي أنه “انطلاقاً من هذا المنظور، فإن ما يحدث مع المؤثرات، خصوصاً في قضايا مثل الحجاب، لا يمكن اختزاله في اختيار فردي أو رد فعل عاطفي للجمهور، بل يجب قراءته كعملية اجتماعية مركّبة”.
يربط عبدي علوم الاتصال بالعلوم الاجتماعية بناء على تحليل عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو :”وفق بورديو، المحجبة التي تصبح مؤثرة مشهورة تراكم رأس مال رمزي قائم على صورة الاستقامة والتمثيل القيمي. يمنح الجمهور رأس المال هذا. مما يجعل العلاقة بين الطرفين تبادلية مشروطة”.
ما يحدث مع المؤثرات، في قضايا مثل الحجاب،
لا يمكن اختزاله في اختيار فردي أو رد فعل عاطفي للجمهور
يكمل عبدي أن: “الجمهور يفسر تغيير جذري كنزع الحجاب على أنه إخلال بقواعد الاتفاق وفقدان للشرعية الرمزية التي بُني عليها النجاح”.
الجدير بالذكر أن العقد المعقود بين المؤثرة وجمهورها يحمل طابعًا اقتصاديًا وأخلاقيًا أيضًا. فيذهب عبدي يحلل خرق هذا العقد مستعينا بمفهوم “الاقتصاد الأخلاقي” ويضيف أن هذه العلاقة “لا تُدار بمنطق السوق فحسب، بل بتوقعات أخلاقية جماعية. الجمهور لا يرى نفسه مستهلكاً سلبياً، بل فاعلاً أخلاقياً يملك حق المكافأة والعقاب”.
وبما أن المؤثرة أخلت بالعقد، يعاقبها الجمهور مطالبا بحقه عبر شن حملة إلكترونية عليها. “هنا يتحول الإلغاء الرقمي إلى عقوبة اقتصادية، لأنه ينسجم تماماً مع منطق المنصات التي تربط الدخل بانتباه الجمهور، مما يجعل هوية المؤثرة شرطاً للربح والاستمرار”، يشرح عبدي.
هكذا، يتحول العمل على منصات التواصل الاجتماعي من مجرد مصدر دخل إلى تمكين مستخدمي هذه المنصات من تقييد عمل المؤثرة وفرض قيود على تصرفاتها تحت اسم “العقد” الناشئ بينهما. يعقّب عبدي على هذه الفكرة بالاستناد إلى فوكو فيعتبر “المنصات الرقمية شكلاً من أشكال ‘البانوبتيكون المعاصر’، حيث يمارس الجميع رقابة أفقية، مما يحوّل الحرية المعلنة إلى حرية مشروطة”.
على رغم أن العقد الناشئ بين المؤثرة والجمهور يمكن أن يُخرق بطرق عدة إلا أن للحجاب قدسية خاصة في مجتمعاتنا المحافظة لأنه يرمز إلى “تداخل البعد الديني مع الجندر والاقتصاد الرقمي. فالجسد النسائي يتحول إلى موقع صراع رمزي دائم، يُحمَّل بدلالات أخلاقية متناقضة، ويُطلب منه تمثيل الجماعة باستمرار. في هذا الإطار، يُنظر إلى الحجاب كرسالة يجب أن تكون منسجمة مع توقعات السوق الأخلاقي للجمهور”، يعلّق عبدي.
” تكشف هذه الظاهرة عن مفارقة مركزية في المجتمعات الرقمية المعاصرة: الفرد يُشجَّع على التعبير عن ذاته، لكنه يُعاقَب حين يغيّرها خارج منطق العلامة الشخصية. لذلك، لا تكمن المشكلة في الحجاب، بل في تحويل الهوية إلى منتج، والذات إلى مشروع اقتصادي يخضع لمنطق الأداء والاتساق” يتابع عبدي.
هل يعتبر الإلغاء الرقمي عقاباً أبوياً؟
لا يقف العقاب الاجتماعي الذي تتعرض له المؤثرات عند حدود المطالبة بملكية الجسد، بل يأخذ منحى أكثر خطورة يتمثل بازدواجية المعايير الجندرية. فرغم أنّ الساحة الرقمية تُقدَّم كفضاء تحرري إلا أننا غالباً ما نلاحظ تبايناً في طريقة تقبل الجمهور لخيارات الرجال مقابل النساء. ويتجسد هذا التباين بوضوح عند مراقبة مسارات المؤثرين الرجال؛ فمثلاً، نجد أن المؤثر رؤوف بلقاسمي قد انتقل من المحتوى الترفيهي البسيط إلى استعراض نمط حياة أكثر انفتاحاً، يتخلله أحياناً تجاوز للضوابط الاجتماعية عبر فيديوهات تتضمن ‘سباً وشتماً علنياً’.
ومع ذلك، لم يواجه حملات ‘إلغاء’ ممنهجة أو تهديداً لمكانته الرقمية. فبينما يتمتع المؤثرون الرجال بكامل الحرية في تغيير مظهرهم وحياتهم الشخصية أو محتواهم دون أي محاسبة جماهيرية أو تهديد بـالإلغاء، تخضع المرأة المؤثرة لـوصاية جماهيرية مشروطة. هذه الوصاية تربط نجاح المؤثرة بمدى التزامها بقواعد اجتماعية عرفية تتجاوز حدود العمل المهني، مما يجعل المؤثرة تحت المراقبة الدائمة.
تُعاقَب المرأة المؤثرة لأنها تجرّأت على كسر الدور المفروض عليها
ويبرز هذا التناقض بشكل خاص عندما يغذي المؤثرون الرجال حملات الهجوم. محوّلين مسألة شخصية كارتداء الحجاب أو خلعه إلى قضية عامة. إن تحليل دور المؤثرين الرجال في هذا السياق يؤكد أنه ليس مجرد إبداء رأي عابر، بل هو أداة لإعادة فرض السيطرة على المرأة في الساحة الرقمية، وتأكيد على أن قرارها يجب أن يمر عبر فلتر القبول الذكوري.
وفي هذا الإطار، تؤكد الباحثة النسوية فاطمة الزهراء دحماني لمنصة صلة وصل أن ما يحدث ليس جدلًا ولا صدمة أخلاقية، بل “شكل واضح من العقاب الذكوري الذي انتقلت فيه الوصاية من الشارع والبيت والخطاب الديني إلى الفضاء الرقمي”.
تُعاقَب المرأة المؤثرة لأنها تجرّأت على كسر الدور المفروض عليها، ورفضت أن تبقى جسدًا منضبطًا ورمزًا أخلاقيًا جماعيًا، بينما يُمنَح الرجل المؤثر حق التناقض والتحوّل والتجريب لأنه لا يُحمَّل عبء «الشرف» ولا يُنظر إليه كجسد يجب ضبطه. هذا التناقض ليس صدفة، بل هو جوهر النظام الأبوي الذي لم يُلغِه الفضاء الرقمي، بل كشفه بوضوح، حيث يُعاد إنتاج القمع ذاته عبر الشتم الجماعي والعنف الرمزي المشرّعين اجتماعياً.
توكّد دحماني على أن هذه التعليقات لا تنبع من رغبة الحفاظ على الدين بل تعتبر شكل من التأديب الجماعي لامرأة رفضت أن تمتثل للمعايير الاجتماعية. هكذا، تتحوّلت ثقافة الإلغاء إلى أداة قمع لا تهدف إلى المساءلة بل إلى توجيه رسالة تهديد واضحة مفادها إمّا أن تبقي كما نريدك، أو ندمّرك اجتماعياً ورقمياً.
شنّ حملات إلكترونية ضد امرأة لأنها نزعت الحجاب يكشف أن المجتمع لا يعترف بإنسانيتها الكاملة، ولا بحقها في الاختيار وملكية جسدها. إذ يُعامَل الحجاب هنا لا كخيار شخصي بل كعقد طاعة أبدي، ويُقابَل أي انسحاب منه بعنف رمزي منظّم. هذا الإلغاء هو عنف حقيقي؛ عنف لا يترك دماً، لكنه يزرع الخوف ويُعيد رسم حدود المسموح للنساء الأخريات.
وتشدد الباحثة النسوية على أن “ردود فعل المؤثرين الرجال ليست محايدة لأن مشاركة المؤثر في الهجوم تُضفي شرعية على العقاب، وتُحوّل العنف الرمزي إلى موقف أخلاقي، وتُعيد تثبيته بوصفه مرجعية تقيّم خيارات النساء وحدودهن. فتتحوّل هذه المشاركة إلى أداة من أدوات السيطرة الذكورية التي “تؤدّب”المرأة التي تخرج عن الدور المرسوم وتحاسبها علناً”.
“الخطير في هذا السياق أن التأديب لا يصدر عن مؤسسة رسمية، بل عن مؤثرين يمتلكون رأس مال رمزي وتأثيراً جماهيرياً، ما يجعل هذا العنف أكثر قبولاً اجتماعياً وأقل قابلية للمساءلة”، تختم دحماني.
الجسد المؤثّر كرمز للانتماء وخيانة للتوقعات
إن هذا التكريس للوصاية الرّقمية ليس هدفاً في حد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق غاية أعمق تتمثل في محاربة النموذج الأنثوي المستقلّ وفرض العقاب الجمالي على أي محاولة للاختلاف. تشكل حادثة مايا رجيل، وما تبعها من حملات تنمر مركزة على المظهر والشكل بعد خلع الحجاب، نموذجاً لعواقب هذا التجريم. بمجرد أن تختار المرأة التعبير عن ذاتها خارج القالب التقليدي، يتحول نجاحها إلى تهديد للنسق القيمي الذي يخشى المجتمع خسارته. وعندما يركّز المجتمع هجومه على تجريم الجسد نفسه، يصبح الهدف هو إرسال رسالة واضحة مفادها أن ثمن النجاح المشروط هو الطّاعة، وعقوبة فشل المؤثر بدفع هذا الثمن هي التشهير الجمالي.
هذه الظاهرة لا تقتصرعلى الجزائر، بل تتكرر في سياقات إقليمية مماثلة. على سبيل المثال، تعرّضت صانعة المحتوى التونسية لينا الخويلي لموجة قاسية من الكراهية والشّتائم بعد نزعها للحجاب.
في محاولة لتفكيك دوافع هذا العقاب الجماعي، يوضح الباحث في علم الاجتماع مجتبى الهميسي الهرمي لمنصة صلة وصل أننا “أمام ديناميات أعمق تتقاطع فيها الضبط الاجتماعي، والهوية الجماعية، والهيمنة الذكورية الرمزيةالحجاب هنا يتحول من ممارسة شخصية إلى هويّة جمعيّة. وخلعه يُقرأ كخيانة للانتماء لا كاختيار فرديّ ما يفسّر حدّة العقاب: فالجماعة لا تعاقب الفعل بقدر ما تعاقب كسر التوقعات التي أسقطتها على الجسد الأنثوي”.
كما يؤكد الهرمي أن هذا السلوك يعكس ما يسميه علم النفس الاجتماعي بـ”القلق الأخلاقي الجمعي”. فالجمهور لا يشعر بتهديد حقيقي للدين في ذاته، بل بتهديد لصورة مستقرة ومريحة عن المرأة المضبوطة. مما يعني أن هنا، تظهر هشاشة المنظومة القيمية: فإذا كان حجاب مؤثرة قادراً على زعزعة المنظومة القيميّة الاجتماعيّة، فهذا يعني أن هذه المنظومة قائمة على الامتثال الشكلي لا على الاقتناع المعرفي.
ويشير الهميسي إلى أننا أمام عمليّة اختزال المرأة في الجسد: فقبل الحجاب تُدان، و مع الحجاب تُطهَّر رمزيًا، وبعد خلعه تُدان مضاعفًا. هذا التقلّب السريع في التقييم يكشف عن معيار أخلاقي مزدوج لا تحكمه النّصوص بقدر ما تحكمه أعراف ذكوريّة راسخة تُدار عبر خطاب ديني انتقائي يُستهلك بلا تفكير”.
“تتحول العقوبة الرقمية إلى آلية ردع غير رسمية تدفع المؤثرات الأخريات إلى تعديل السلوك خوفًا من النبذ والوصم الجماعي. وعلى المدى الأبعد، تُنتج هذه الممارسات فضاءً رقمياً منضبطاً ظاهرياً وفق منطق أخلاقي محافظ، لكنه في العمق فضاء فقير على مستوى التعدد الرمزي والتعبير الحر”، يختم الهرمي.













