تقرير مشترك ل للي راجح وفالنتين نسر
حين تكسر فياني دي مارسيو قيد الكفالة وتعيد تعريف الحرية
حين وصلت فياني دي مارسيو إلى لبنان، لم تكن تعرف أن إقامتها، وحركتها، وحتى قدرتها على قول “لا”، ستُربط بشخص واحد. كعاملة منزلية مهاجرة، وجدت نفسها داخل نظام لا يُسمّى مباشرة، لكنه يحكم كل التفاصيل: من يملك جواز السفر، من يقرّر متى تعمل، ومتى تخرج، ومتى تستطيع المغادرة.
من داخل هذه التجربة، يتكشّف ما يُعرف في لبنان بنظام الكفالة: منظومة من القرارات والممارسات الإدارية التي تربط الإقامة القانونية للعاملات المنزليات المهاجرات بصاحب العمل حصراً، وتمنعهن من تغيير العمل أو التنقّل بحرية من دون موافقته. غالباً ما تُصادَر جوازات السفر، وتُدار علاقة العمل عبر مكاتب استقدام تملك سلطة فعلية من دون رقابة حقيقية، ما يحوّل العمل المنزلي من علاقة تعاقدية إلى علاقة تبعية، ويجعل الحقوق الأساسية -من الحرية إلى الأمان- مشروطة بإرادة طرف واحد.
نظام الكفالة: منظومة من القرارات والممارسات الإدارية التي تربط الإقامة القانونية للعاملات المنزليات المهاجرات بصاحب العمل حصراً
من عاملة منزلية حُرمت من أبسط أشكال الاستقلال، إلى مصمّمة أزياء تحاول اليوم إعادة تعريف ذاتها خارج هذا القيد، تروي فياني كيف لا يعمل القمع كقانون فقط، بل كعقلية يومية. ماكينة خياطة صغيرة كانت كافية لتفتح فجوة في هذا النظام، ولتُحوّل الحلم الفردي إلى فعل مقاومة.
في لبنان، لا يُذكر اسم العاملات المنزليات المهاجرات إلا في مناسبتين: حادثة مأساوية، أو يوم عالمي عابر. وبين هذين الحدّين، تُمحى الحياة اليومية، والعمل غير المرئي، والكرامة المؤجَّلة، فيما يستمر النظام نفسه بإعادة إنتاج السيطرة باسم “التنظيم”.
نظام الكفالة: حين يصبح الجواز أداة قمع
يتناول نظام الكفالة في لبنان أطرافاً عدة: الكفيل، العاملة الأجنبية، ومكاتب الاستقدام. إلا أن هذه العلاقة، كما تصفها فياني، تقوم على اختلال جذري في القوة، وتقول:«نحن العاملات المنزليات المهاجرات لا يتم الالتفات إلينا إلا عند وقوع حادث مؤسف، وبعدها نُنسى تماماً».
تصف فياني نظام الكفالة بأنه “مرعب”، إذ إن مصادرة جواز السفر تمنع العاملة من الاحتفاظ براتبها، وتُجبر كثيرات على تجديد عقودهن لسنوات طويلة، تصل أحياناً إلى عشر سنوات، من دون القدرة على رؤية عائلاتهن. وتلفت إلى التمييز الجندري داخل النظام نفسه، مشيرة إلى الفرق بين أوضاع العمال الرجال والنساء. ففي مناطق مثل بيروت (الحمرا) أو جنوب لبنان، يعيش العديد من العمال السودانيين في شقق مستقلة، يحتفظون بجوازات سفرهم، ويسافرون بشكل دوري، بينما تُقيّد العاملات المنزليات داخل المنازل.
من ناحية أخرى لم تعد مكاتب الاستقدام مجرّد وسيط تقني، بل فاعل أساسي في إنتاج السلطة والسيطرة. فبين العاملة والدولة، وبين العاملة وصاحب العمل، تقف مكاتب الاستقدام كحلقة غير مرئية تمسك بالخيوط: العقد، التنقّل، “الديون”، وحتى تعريف ما هو المسموح والممنوع.
لم تعد مكاتب الاستقدام مجرّد وسيط تقني، بل فاعل أساسي في إنتاج السلطة والسيطرة
في حالة ماريان ن.، عاملة منزلية من إثيوبيا، تتجلّى هذه السلطة بوضوح. وصلت ماريان إلى لبنان عام 2016 عبر مكتب استقدام في بيروت. لم تعمل مع العائلة التي وُعدت بها، بل نُقلت بين ثلاث منازل خلال أقل من سنة. في كل مرة كانت تشتكي من سوء المعاملة أو تطلب تغيير صاحب العمل، كان الرد واحداً: «العقد معنا، وليس معكِ. وإذا خرجتِ من المنزل من دون اذننا تصبحين مخالِفة».
لم يحتجز المكتب جواز سفرها فقط، بل احتجز قدرتها على الفهم: لم يُسلَّم لها نسخة من العقد، ولم تُشرح لها بنوده، وقيل لها صراحة إن أي محاولة للتواصل مع سفارتها “ستُعيدها إلى السجن أو الترحيل”. هكذا تتحوّل المكاتب في لبنان من جهة تشغيل إلى سلطة تأديبية، تُقرّر من تعمل، وأين، وتحت أي شروط، ومن دون أي مساءلة فعلية.
تقول ماريان: «لم أكن أعرف من صاحب القرار في حياتي. صاحب العمل يقول المكتب، والمكتب يقول القانون، والقانون لا أراه أبداً».

وفي هذا السياق، تشرح الباحثة والخبيرة في شؤون العمل والهجرة هالة مرشد، أن مكاتب الاستقدام استمدّت نفوذها من فراغ قانوني متعمَّد: «الدولة اللبنانية فوّضت عملياً إدارة ملف العاملات المنزليات إلى القطاع الخاص، من دون آليات رقابة فعّالة. المكاتب تملك سلطة بحكم الأمر الواقع لأنها تتحكّم بالإقامة، وبالعقد، وبسردية “الديْن” التي تُستخدم لإخضاع العاملات نفسياً واقتصادياً». وتضيف أن هذه المكاتب تعمل ضمن شبكة مصالح تضم بعض أصحاب العمل، وقرارات إدارية، وثقافة اجتماعية ترى في العاملة “خدمة مستوردة” لا عاملة لها حقوق.
وتحذّر مرشد من اختزال المشكلة في “مكاتب سيئة” مقابل “مكاتب جيّدة”، مؤكدة أن الخلل بنيوي:
«حتى المكتب الذي لا يمارس عنفاً مباشراً، يبقى جزءاً من نظام يسمح له بالتحكّم بحياة إنسانة كاملة. السلطة هنا ليست في السلوك فقط، بل في الإطار الذي يمنح هذا السلوك شرعيته».
من هنا، فإن سؤال “لماذا تملك مكاتب الاستخدام هذه السلطة؟” يقودنا إلى جواب أعمق: لأنها تعمل في مساحة رماديّة صنعتها الدولة، حيث تُعلّق الحقوق، وتُدار الهجرة كملف أمني–تجاري، لا كقضية عمل وكرامة إنسانية. وفي هذه المساحة، تُصبح العاملة هي الحلقة الأضعف دائماً، مهما اختلفت الجنسيات والقصص.
“لهذا، فإن تفكيك نظام الكفالة لا يكتمل من دون تفكيك الدور غير المنظَّم لمكاتب الاستقدام، ووضعها تحت مساءلة قانونية حقيقية، تُعيد العلاقة إلى أصلها: علاقة عمل، لا علاقة وصاية. فطالما بقيت هذه المكاتب بلا رقابة، ستظل الحرية مؤجَّلة، حتى لو تغيّر اسم النظام”، تقول مرشد.
إن تفكيك نظام الكفالة لا يكتمل من دون تفكيك الدور غير المنظَّم لمكاتب الاستقدام، ووضعها تحت مساءلة قانونية حقيقية
من جهتها تعتبر فياني أن تغيير نظام الكفالة لا يكتمل من دون تغيير العقلية السائدة، مؤكدة أن الخوف هو ما يصنع الطاعة: “عاملة تخشى الأمن العام قد تقول إنها تملك جوازها حتى لو لم يكن معها، بينما أخرى تشعر بأمان نسبي فتقول الحقيقة”.
وبالرجوع الى اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 189 بشأن العمل اللائق للعمال المنزليين، تأكد الاتفاقية ضرورة تنظيم هذا العمل وفق معايير تحترم الكرامة الإنسانية، وتضمن الأجر العادل، وساعات الراحة، وحق الاحتفاظ بالوثائق الشخصية. وانطلاقاً من ذلك، فإن مصادرة جواز السفر، وربط الإقامة القانونية بصاحب العمل، ومنع العاملة من تغيير عملها أو مغادرة البلاد بحرية، لا تُعد مخالفات إدارية فحسب، بل انتهاكات مباشرة لحقوق الإنسان الأساسية، التي لا تُسقطها الجنسية ولا لون البشرة ولا طبيعة العمل.
ويُعزّز هذا الإطار ما ورد في اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190، التي تُعدّ أول معاهدة دولية تعترف بحق كل شخص في عالم عمل خالٍ من العنف والتحرّش، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف النفسي والاقتصادي. وبموجب هذه المعايير، لا تقتصر الحماية على حرية التنقّل أو العلاقة التعاقدية، بل تمتد إلى ضمان بيئة عمل آمنة وإنسانية، ما يجعل ممارسات الإكراه والتهديد والعزل جزءاً من منظومة عنف ممنهج تُخالف القانون الدولي وتستوجب المساءلة.

أما “في لبنان، لا يوجد نص قانوني صريح يُسمّى “قانون الكفالة”، إلا أن النظام مطبّق فعلياً عبر قرارات إدارية صادرة عن المديرية العامة للأمن العام، تربط إقامة العاملة المنزلية الأجنبية بصاحب العمل حصراً. كما أن العاملات المنزليات مستثنيات من قانون العمل اللبناني الصادر عام 1946، ما يحرمهن من الحد الأدنى للأجور، وساعات العمل المحددة، والتعويضات، وآليات الشكوى القانونية.
ورغم إقرار عقد عمل موحّد جديد عام 2020، إلا أنه أُوقف تنفيذه لاحقاً بقرار قضائي، ما أبقى العاملات في دائرة الفراغ القانوني”، كما يقول المحامي والباحث في شؤون حقوق الانسان أنور عباس.
وقد وثّقت منظمات حقوقية محلية ودولية، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العمل الدولية، أن هذا النظام يسهّل الاستغلال، ويحدّ من قدرة العاملات على اللجوء إلى القضاء، ويُنتج علاقة عمل غير متكافئة، تُدار بالخوف لا بالقانون.
من الكاميرون إلى لبنان: كلفة الهجرة وكذبة “الشراء”
وفي هذا الصدد تكشف فياني أن كلفة القدوم من الكاميرون إلى لبنان تبلغ نحو 800 دولار فقط، تشمل التأشيرة وإقامة أسبوع في فندق. ورغم ذلك، تُواجه العاملات بعبارة شائعة: «لقد قمنا بشرائكِ بـ2000 دولار، وإذا أردتِ العودة إلى بلدكِ عليكِ إعادة المال». هنا، لا تُعامل العاملة كإنسانة لها حقوق، بل كملكية، خارج أي حماية قانونية، إذ إن العاملات المنزليات غير مشمولات بالقوانين اللبنانية، تضيف فياني.
عملت فياني في منازل كانت تعتني فيها بسبعة، تسعة، وأحياناً أربعة عشر شخصاً. في أحدها، اهتمت برجل من ذوي الاعاقة الحركية، من دون أن يُسمح لها بالجلوس حتى على كرسي.«كنت أُعامل بالقوة والتهديد، وكنت أرى حياتي تذهب من أمام عيني أما التغيير لم يأتِ فجأة بل جاء بالتدرّج. من منزل إلى آخر، إلى لحظة استطعت فيها قول كلمة “لا”، ثم اشتريت أول ماكينة خياطة، لتبدأ رحلة انتقالي من عاملة منزلية إلى مصمّمة أزياء”.
الخياطة: حماية شخصية لا قانونية
لم يوفّر الانتقال إلى تصميم الأزياء حماية قانونية لفياني، فهي، كغيرها من العاملات المهاجرات، ما زالت مهددة بمواجهة الأمن العام، وتعتمد حريتها على قرار شخص آخر بإعطائها جواز السفر. لكن الخياطة منحتها حماية من نوع آخر: حماية الصحة، والحياة، والصوت. «أنا اليوم أحلم بالسفر وبيع تصاميمي والخروج من لبنان»، وتستشهد بقول للفنانة العالمية بيونسي: «أنا أرحل دون ندم»،
مشددة على أن عملها كمصممة أزياء هو، أولاً وأخيراً، لحماية نفسها.
تؤكد فياني أن عملها كعاملة منزلية لم يكن مجرد تنظيف فقد علّمت أطفالاً القراءة والكتابة، ودرّست أحدهم اللغة الفرنسية حتى أتقنها، وربّت أطفالاً كأنهم أبناؤها. لكن مقابل ذلك، كان الصراخ، الحرمان من النوم، والنوم على الشرفة. في كانون الأول 2018، اتخذت قرار الرحيل.
عادت إلى الخياطة، مهنتها في بلدها الأم، لتصبح علاجاً قبل أن تكون عملاً وهي التي ترفض اختزال قصتها في “تغيير سردية”، مؤكدة أن المشكلة أعمق وهي: تمييز قائم ليس فقط على طبيعة العمل، بل على لون البشرة. وتذكّر بأن العاملات يكبرن في السن، يصبحن جدّات، وهذا أمر طبيعي، لكن النظام لا يعترف بحقهن في تغيير أدوارهن أو رفض العمل المنزلي.
لم يوفّر الانتقال إلى تصميم الأزياء حماية قانونية لفياني،
فهي، كغيرها من العاملات المهاجرات، ما زالت مهددة بمواجهة الأمن العام
في هذا السياق، تشير المعالجة النفسية الإكلينيكية/السريرية رأفت محسن، التي تعمل مع عاملات مهاجرات في لبنان، إلى أن نظام الكفالة لا يخلّف آثاراً جسدية واقتصادية فقط، بل يترك ندوباً عميقة على الصحة النفسية. وتصف محسن الوضع وتقول:”تعيش العديد من العاملات في حالة خوف دائم، ناتجة عن فقدان السيطرة على الجسد والوقت والقرار، ما يؤدي إلى أعراض قلق مزمن، واكتئاب، واضطرابات نوم، وشعور مستمر بانعدام الأمان”.
وتوضح أن مصادرة جواز السفر، والعزلة داخل المنازل، ومنع الحركة أو التواصل، تُنتج ما يُعرف نفسياً بـ«الاحتجاز القسري غير المعلن»، حيث تعيش العاملة في حالة تأهّب دائم، حتى في غياب العنف المباشر. وتؤكد محسن أن استعادة أي مساحة من الاستقلالية، كامتلاك وثيقة الهوية، أو القدرة على قول “لا”، أو ممارسة عمل اختياري تشكّل خطوة أساسية في ترميم الصحة النفسية، لأن الحرية هنا ليست مفهوماً قانونياً فحسب، بل شرطاً أساسياً للتعافي والاتزان النفسي.
إلغاء الكفالة: حرية على الورق وفي الحياة
أن تعديل نظام الكفالة كفيل بجعل الحياة في لبنان “مذهلة”. فامتلاك جواز السفر والإقامة يمنح العاملة القدرة على الدخول إلى الأمن العام من دون خوف، والمطالبة بحقوقها فالحرية ليست مجرد قرار، بل قدرة فعلية على الحركة، حتى عندما تمطر السماء.
اليوم، تصارع فياني لبيع تصاميمها خارج بيروت، إلى دبي، ابوظبي، السعودية، وفرنسا، لكن حريتها المنقوصة تعيق ذلك. وتتساءل بمرارة: “إذا كان اللبنانيون يريدون فعلاً إلغاء نظام الكفالة، فلماذا لا يفعلون؟”













