مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

الديمقراطية كمرآة.. ماذا لو لم نكن جاهزين لسورية الجديدة؟

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
26/12/20251:54 م

الديمقراطية ليست ضمانة لحكمة الشعب، بل مرآة لوعيه ونتائجها قد تكون قاسية إذا مُورست بلا تأهيل معرفي ومؤسّسي. في سورية الجديدة ليس كافياً إقامة انتخابات أو مؤسسات شكلية؛ بل المطلوب مشروع ثقافي سياسي طويل الأمد يشمل تعليماً مدنياً، مؤسسات مستقلة، مشاركة حقيقية، ومسؤولية جماعية. هذا النجاح يتطلب وعياً مجتمعياً، مؤسسات رشيدة، ونخبة تدرك أنّ إعادة بناء الوطن ليست شعاراً بل فعلاً مستداماً.

في عالم ما بعد الحرب وانتصار الثورة السورية، حيث تلوح فكرة سورية الجديدة كأفق متجدد للمستقبل، يطرح السؤال نفسه بقوة: ما نوع الديمقراطية التي نريدها؟ وما نوع الشعب الذي سيُؤتمن على هذا البناء؟ الاقتباس الشهير للصحفي والناقد الأمريكي هنري لويس منكن حين قال: “إنّ الديمقراطية هي النظرية التي تقول إنّ الشعب يعرف ما يريد ويستحق أن يناله”، ليس شعاراً فارغاً بل منبّهاً جدّياً يُعيد النظر في علاقة الإرادة الجماعية بالنتائج الواقعية.

ما نوع الديمقراطية التي نريدها؟
وما نوع الشعب الذي سيُؤتمن على هذا البناء؟

الديمقراطية بهذا الفهم ليست ضمانة لأنّ الشعب سيختار الحكمة دائماً، بل هي مرآة لما في داخله من نزعات، مخاوف، رغبات، وهواجس. ما نطمح إليه من افتراض أن الشعب دائماً “على حق” إذا حكم نفسه ليس مسلّمة بديهية؛ بل مقولة تحمل في طياتها احتمالًا مريراً: أن يختار الشعب ما يضره إذا لم يملك الأدوات الضرورية للاختيار الرشيد. هذا ليس تشاؤماً فلسفياً، بل قراءة لمآلات تجارب معاصرة دفعت دولًا إلى ثمنٍ باهظ حين غاب عن التحول البِنيةُ المؤسّسية أو العدالة أو الوعي المدني.

حين نضع هذه الفكرة في سياق سورية الجديدة، نجد أنفسنا أمام معضلة مزدوجة. أولًا، الشعب السوري بعد سنوات الحرب ليس جمهوراً موحداً أو سليماً تماماً. هو نسيج من جراح، خوف، خيبات تاريخية، انقسام هوياتي، وضغوط أمنية وسياسية. اختياراته، إن أُجريت الآن، لن تكون فوق طاولة نظيفة؛ بل وسط رواسب الحرب، ندوب العنف، شحنات المنافع والمخاوف، وذكريات مكلّلة بالخوف والمأساة وقد عبّر أحد ناشطي المجتمع المدني خلال حلقة نقاش على قناة الجزيرة في دمشق: “لا يمكن أن نتحدث عن انتخابات في ظل الانقسام النفسي والاجتماعي”.


ثانياً، إعادة البناء لا تقتصر على ترميم البنية التحتية؛ إنما تتطلب بناء جسم الدولة بمعناه الأخلاقي والسياسي: مؤسسات عدالة، حكم قانون، ثقة متبادلة، وتعزيز مشاركة حقيقية. إذا مُنحت السلطة كاملة للشعب قبل أن يُهيّأ ثقافياً ومعرفياً، فسنمنحه مفاتيح مصيرنا قبل أن يكون الجسم السياسي الاجتماعي جاهزاً لتحمّل تبعاتها. وقد أكدت دراسة محلية حديثة أن “المجتمع المدني كان المصدر الوحيد للتماسك خلال السنوات السبع الماضية وسيلعب دوراً جذرياً في إعادة بناء الدولة”. هذا يوضح عملياً أنَّ المجتمع المدني ليس زخرفاً في الديمقراطية، بل هو محور أساسي لتقوية المشاركة والمساءلة.

المجتمع المدني كان المصدر الوحيد للتماسك خلال السنوات السبع الماضية
وسيلعب دوراً جذرياً في إعادة بناء الدولة

قبل أشهر، جلستُ مع امرأة في بلدة خرجت من النزاع، أمٌ في أوائل الخمسينيات، سألتها عن الانتخابات فأجابت ببساطة مؤلمة: “سأصوّت لمن يعيد لي ابني، حتى لو لم يعد.” هذه العبارة تكثّف كل مخاطرنا؛ صوتٌ محمولٌ على ألمٍ شخصي لا على قناعة ببرنامج أو رؤية. إن أحداً لا يعود إلى صناديق الاقتراع وهو يحمل فقط رغبة في تعويض فوري؛ مثل هذه الرغبة بلا آليات لربطها بقيم عامة قد تُنتج سياسات قصيرة النظر أو منحى انتقامي لا يخدم إعادة البناء العام.

منكن ربط بين الديمقراطية وتحمّل النتائج؛ فالاختيار حق لكنه مسؤولية، وقد يكون ثمنه قاسياً إذا أُسيء. وفي سورية الجديدة يجب أن يكون هذا المبدأ في صميم أي مشروع ديمقراطي. إذ لا يكفي أن نطالب بإجراء انتخابات أو تداول رموز، ولا أن نرفع شعارات التمثيل والمشاركة؛ بل يجب أن ندرك أن القرارات التي ستُتخذ اليوم، سواء من قبل الناخبين أو مؤسسات مدنية أو نخبة سياسية، ستحدد مستقبل البلاد لعقود. 

هنا تبرز الحاجة إلى وعي جماعي مصحوب بتعليم سياسي ومدني حقيقي يكشف أن خيارات اليوم هي مسار إعادة بناء طويل: ما أولويات الدولة؟ كيف نصوغ دستوراً عادلاً؟ ما دور القضاء، الإعلام، المجتمع المدني؟ كيف نوفر ضمانات استقلال مؤسسات؟ بدون هذا الوعي، يظل التصويت مجرد فعل شكلي، وربما انعكاساً لخيارات انفعالية.

التجارب الموازية تعلّمنا الكثير، رواندا بعد الإبادة لم تذهب فوراً إلى صناديق الاقتراع؛ اتخذت الدولة مساراً معقداً للعدالة الانتقالية، بما في ذلك محاكم “غاتشاكا” المجتمعية التي صمّمت لإخراج الحقيقة ولتقديم نوع من الحساب المحلي للانتهاكات، وهو مسار أثار كثيراً من الجدل لكنه ظهر كأحد محاولات نزع فتيل الكراهية الجماعية وبناء آليات محلية للعدالة. جنوب أفريقيا بعد نظام الفصل العنصري اختارت طريق مواجهة الحقائق عبر “لجنة الحقيقة والمصالحة” التي لم تكن مجرد تقرير تقني بل فعلاً سياسياً واجتماعياً أسّس لسردٍ مشترك يستطيع المجتمع البناء عليه فيما بعد. 

لا ديمقراطية بدون إعلام مستقلّ،
ولا تحول مستقرّ دون مجتمع مدني فاعل

أمّا البوسنة فدخلت الانتخابات بسرعة بعد اتفاق دايتون، لكن غياب معالجة حقيقية للجراح والغياب النسقي للعدالة الانتقالية سجّلا انقساماً سياسياً طويل الأمد، رغم الاتفاقيات الدولية التي حاولت تثبيت السلام.
هذه التجارب ليست ترفاً أكاديمياً؛ إنها دليل عملي أنه عندما تُعطى الديمقراطية قبل معالجة الجراح، فإنها غالباً ما تعكس الضعف لا تعالجه. لذلك تشير دراسات التحول السياسي بوضوح إلى أنّ الانتقال إلى ديمقراطية مستدامة يرتبط بقوة المؤسسات قبل أو خلال التحول.

جدلياً، ولكي نكون منصفين لكاتب مثل منكن، هو لا يقدم تشاؤماً نهائياً بل قراءة واقعية؛ الديمقراطية مرآة!! والمرآة لا تكذب، لكنها تسمح لنا برؤية مواطن الضعف التي تستوجب معالجتها. قراءة منكن ليست نفياً للديمقراطية، بل دعوة للتأهيل؛ إن الشعب قد يعرف ما يريد، لكن إن لم يكن مسلّحاً بالمؤسسات والوعي، فستكون النتائج قاسية. وأنا أستشهد بهذا الطرح لأنَّ تجارب عالمية ومحلية تُبرّره؛ شعوب اختارت ودفعت الثمن!! وفي السياسة لا توجد قيمة معفاة من تكلفة.

إذا أردنا أن تكون سورية الجديدة مشروعاً حقيقياً، فهناك أمور يجب أن تكون في صميمه ولا مكان للتهاون فيها. أهمها المشروع الثقافي السياسي، والذي لا يقتصر على شعارات أو بيانات، بل هو تعليم مدني يبدأ من المدارس والجامعات، لكنه لا يقف هناك؛ يدخل البيوت والجامع والأسرة عبر برامج حوارية مبنية على حقوق المواطنة. 

إنه استقلال مؤسسات، قضاء لا يُهدَّد ولا يُستدرَج، ووسائط إعلام لا تحتكر الخطاب العام لصالح فصيل أو جهة. إنه بناء ثقة عبر مصارحات محلية، آليات جبر ضرر حقيقية، ولجان حقيقة تُوثق الأحداث وتعلّم المجتمع كيفية العيش مع ذاكرته بدلاً من دفنها أو استغلالها سياسياً. العدالة الانتقالية هنا ليست شعاراً بل مساراً شاملاً: كشف، محاسبة حيث يلزم، تعويض، وإجراءات لضمان عدم تكرار الانتهاكات؛ إجراءات مُعادِلة، شفافة، ومتصلة ببناء مؤسسات قانونية مستقلة.

وإنهاءً للحديث عن مؤسسات المجتمع المدني والإعلام؛ لا ديمقراطية بدون إعلام مستقلّ، ولا تحول مستقرّ دون مجتمع مدني فاعل. الإعلام ليس مجرد ناقل خبر، بل منصة لصياغة الحوار؛ والمجتمع المدني ليس منظّمات إنسانية فقط، بل مدارس صغيرة للسياسة تُعلّم الناس كيف يعبرون عن مصالحهم بوسائل سلمية، كيف يمارسون المساءلة، وكيف يتفاوضون على الموارد. الدراسات والتجارب تُظهر أن مجتمعات مدنية قوية تقلل من احتمال انهيار التحول الديمقراطي؛ ولذلك يجب احتضانها وتمكينها من دون أن تُخضع لشروط سياسية متقلّبة.

أدرك أن بعض النقاشات ستقول إننا لا نملك الوقت؛ وأن الناس تريد حلولًا سريعة. نعم، الناس تريد أن يُعاد حقها وعيشها؛ لكن من ذا الذي يعتقد أنَّ صندوق اقتراع سيُعيد بيتاً أو كرامة أو ذاكرة؟ الحلول السريعة قد تُعطي راحة لحظية لكنها تُنجب مشاكل أعمق. إنّ العمل على بناء شروط الانتقال الديمقراطي عملية متشعبة: إصلاح قضائي، استقلال إعلامي، برامج تعليم مدني، آليات مصالحة محلية، حوكمة شفافة، وبرامج اقتصادية لتخفيف الضغط المعيشي. كلها معاً تشكّل نسيجاً يُمكّن المواطن السوري من اختيار رشيد يُنتج بناءً لا هدماً.

سيسأل القارئ هنا: هل أستطيع أن ألمّح ببراهين؟ أُجيبه بـ”نعم”. فهناك دراسات عن التحول السياسي تُظهر أن الدول التي دخلت انتخابات قبل أن تُبنى مؤسساتها الأساسية انتهت في كثير من الحالات إلى أنماط حكم هشّة أو إلى تجدد النزاع. الأمر لا يخلو من استثناءات، لكن القاعدة ثابتة: الانتقال المستعجل من دون مؤسسات قويّة يُضاعف المخاطر. كذلك الأمثلة السابقة عن رواندا، جنوب أفريقيا، والبوسنة، ليست قصص نجاح أو فشل مُطلَقين، بل دروس عملية: العدالة الانتقالية تعمل كمدخل لتهيئة المجتمع؛ لجنة الحقيقة تُعيد سردية مشتركة، واتفاقات سلام دون مصالحة تُبقي جروحاً مفتوحة تُغذي الانقسام.

اتفاقات السلام دون مصالحة تُبقي جروحاً مفتوحة تُغذي الانقسام

الخلاصة، ليست دعوة لتأجيل الديمقراطية إلى ما لا نهاية، إنما هي دعوة لتوسيع معناها، الديمقراطية ليست فقط إجراءً سياسياً يُنجز في يوم التصويت؛ هي عملية ثقافية طويلة. وسورية الجديدة لا تحتاج فقط إلى انتخابات ورموز جديدة، بل إلى مشروع وطني ثقافي سياسي طويل: برامج تعليم مدني، مؤسسات مستقلة، آليات عدالة انتقالية، إعلام حرّ، ومجتمع مدني معافى. بدون ذلك سنحصل على صناديق اقتراع تعكس جراحنا لا تُعالِجها.

لذا نصل في نهاية المطاف إلى أنّ اقتباس منكن ليسَ مجرد وصف أو سخرية محض؛ إنه تحذير وإرشاد في آن. الديمقراطية مرآة، المرآة لا تكذب. فإن أردنا أن نرى فيها وجه الوطن الذي نحب، علينا أن نُعِدّ أنفسنا قبل أن نطلبها، وأن نُعِدّ مؤسساتنا قبل أن نحمل الصناديق آمالاً جارفة. وإذا لم نستعدّ، فقد تمنحنا الديمقراطية ما نريد.. وبقسوة.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x