“اضطررنا نترك البيت بلا أي شي. أنا وجيراني نيمنا الولاد بالأرض لأن ما في فرش، بس المهم السلامة.”
بهذه الكلمات تصف ريم، ربة منزل وأم لثلاثة أطفال من بلدة العديسة، لحظة نزوحها في أكتوبر 2023 مع تصاعد القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان.
وفي صور، تشاطرها هناء حسين المعاناة، وهي معلمة مدرسة. ساهمت في إدارة مركز إيواء داخل فندق مونتانا في المروانية، جنوب صيدا، الذي أُعيد تهيئته لاستقبال العائلات النازحة الذي بلغ عددهم/ن 40 يوميًا، مستخدمة صفوف المدرسة بعد إقفالها. تقول: “ما حدا سألنا شو منحتاج، لا الإعلام ولا البلديات”.
رغم أن هذا المشهد تكرر في أكثر من بلدة جنوبية، ورغم أن المرأة اللبنانية كانت حاضرة في خضم كل ذلك وبقوة، إلا أنه لم يسلط الضوء على حضورها واهميته في التغطيات الإعلامية خلال فترة التوترات (من أكتوبر حتى ديسمبر 2023) وبقي مهمشا.
في مراجعة لمحتوى النشرات والبرامج السياسية في هذه الفترة، أجرتها منصة “عين على الإعلام” التابعة لـ”المفكرة القانونية“، تبيّن أن نسبة النساء اللواتي ظهرن كمصادر أو محللات لم تتجاوز 8% من إجمالي الضيوف، وغالبًا ما كنّ ناطقات باسم أحزاب أو منظمات دولية (المفكرة القانونية، 2024).
فهل يعقل أن يُختزل وجود النساء، كما فعلت بعض القنوات العربية على سبيل المثال وليس الحصر مثل “العربية”
و”الميادين” و”الجزيرة” في صور لأمهات باكيات أو جثث تحت الأنقاض، دون منحهن مساحة للتحليل أو حتى الشهادة؟
رغم أن المرأة اللبنانية كانت حاضرة وبقوة، إلا أنه لم يسلط الضوء على حضورها واهميته في التغطيات الإعلامية خلال فترة التوترات
هذه التغطية الخجولة لا ترتبط فقط بتغييب النساء عن مواقع القرار، بل يُظهر إقصاءً منهجيًا لتجاربهن اليومية التي تُعتبر “غير خبرية”. في خضم انشغال التغطيات بالبيانات العسكرية وردود الفعل السياسية، تغيب معارك النساء الصامتة: تأمين الحليب، علاج الأطفال، إدارة وتنظيم الحياة في مراكز الإيواء، وتقديم الدعم النفسي لأسر مدمّرة. والأهم من كل ذلك استضافتهن في البرامج السياسية والتحليلية كما أي رجل خبير من مجاله.
في أحد المقاطع القصيرة المتداولة على فيسبوك، تحدّثت الناشطة الجنوبية (رفضت التصريح عن اسمها) عن إدارتها لمركز إيواء غير رسمي في صور، استقبل يوميًا أكثر من 30 نازحًا، وفّر لهم طعامًا ودواءً ومكانًا للنوم. رغم أن شهادتها تمثل تجربة غنية وقيادية عن المقاومة المدنية في ظل الحرب، لم تُدعَ لأي وسيلة إعلام كمتحدثة، كما دعي باقي الرجال الذين كانوا على الارض مما يعكس الفجوة والتمييز بين الواقع الميداني وتمثيله في الخطاب الإعلامي.
وفي هذا السياق، تقول الصحفية اللبنانية ندى الأسعد، وهي مراسلة ميدانية عملت في الجنوب خلال التصعيد الأخير: “كنا نشهد يوميًا أدوارًا بطولية لنساء يدِرن مراكز إيواء، يوزعن الطعام، يقدمن الدعم النفسي، بل وينسّقن عمليات الإغاثة. لكن حين كنت أتابع النشرات أو أشارك في إعدادها، كان من الصعب تمرير قصص هؤلاء النساء، لأن الخط التحريري يركّز على المعطيات العسكرية والسياسية. الإعلام لا يتعمّد إقصاء النساء دائمًا، لكنه ببساطة لا يراهن كجزء من ‘القصة الكبيرة’ التي يريد سردها”.
الإعلام لا يتعمّد إقصاء النساء دائمًا، لكنه ببساطة لا يراهن كجزء من 'القصة الكبيرة' التي يريد سردها".
وفي دراسة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للمرأة UN Women عام 2023 حول “المرأة والسلام والأمن في لبنان” تبين أن النساء يشكّلن نحو 60% من العاملين في قطاع الرعاية أثناء الأزمات، لكن لا تتجاوز نسبتهن 12% في لجان إدارة الكوارث المحلية، وغالبًا ما يتم استبعادهن من صوغ سياسات الطوارئ أو من التغطيات الإعلامية (UN Women, 2023).
حتى وكالات الأنباء العالمية، التي تتبنى شعار “الإنسان أولًا”، لم تخرج عن الصورة النمطية للمرأة اللبنانية كضحية أو لاجئة. أين صور الممرضات، المسعفات، المفاوضات، والمبادِرات؟ أين المقابلات مع النساء اللواتي أسّسن شبكات دعم محلية، أو قدمن الإغاثة أو التوثيق؟
هذا التحيّز لا يقتصر على “كم” تمثيل النساء، بل على “كيف” يُمثَّلن. وكما تؤكد الباحثة جوان سكوت، المؤرخة الأميركية البارزة وأحد أعمدة دراسات الجندر، فإن تغييب النساء لا يعني فقط غياب صورتهن، بل الأهم غياب وجهة نظرهن. ففي مقالتها الشهيرة “الجندر: فئة مفيدة في التحليل التاريخي” (1986)، شددت سكوت على أن التمثيل ليس محايدًا، بل يعكس بنى القوة والمعرفة، وأن إقصاء النساء من السرد يعني إقصاء تفسير مختلف للعالم، يُعبّر عن تجاربهن وموقعهن الاجتماعي. (Scott, 1986).
الاختزال المستمر للنساء إلى هوامش إنسانية أو صور بكائية، يعكس بنية إعلامية ذكورية تختزل الحرب إلى مشهد عسكري يهم فقط الرجال
فالاختزال المستمر للنساء إلى هوامش إنسانية أو صور بكائية، يعكس بنية إعلامية ذكورية تختزل الحرب إلى مشهد عسكري يهم فقط الرجال، لكن في الواقع هناك ايضا الكثير من النساء المتخصصات في هذا الشأن أيضا. وبالتالي إن الحرب، في جوهرها، هي أيضًا فقدان المنزل، وانهيار المدارس، وتفكك النظام الصحي، وساحات تتحرك فيها النساء يوميًا.
ووفق تقرير حملة المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي بعنوان “هي ليست خلفية” (2022)، فإن النساء في الإعلام الحربي غالبًا ما يُنظر إليهن كخلفية للحدث، لا كفاعلات في صلبه. وهذا يكرّس طمسًا مزدوجًا: غياب التمثيل، وتشويه السرد.
ما نحتاجه ليس فقط مشاركة النساء كضيوف أساسيات، بل إعادة صياغة شروط السرد. نحتاج تغطية تُروى بلغات النساء، من زوايا تجاربهن، لا أن يُكتفى بنقلهن كتعليق إنساني. نحتاج إعلامًا يعكس صوت الناجية، لا صورتها فقط. إعلامًا يستضيف المعيلة، لا المُحللين الرسميين فقط، ويصغي إلى الجنوب لا من فوقه، بل من بين أهله.













