مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

هل نحن مواطنون/ات في لبنان؟

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
16/03/202612:17 م

لم يولد مفهوم المواطنة كنظرية متكاملة، بل خضع لتطوّر مستمر ارتبط بتطوّر البنى الاجتماعية والمؤسسات التي ترعى مساحات من الأرض تعيش عليها مجموعات بشرية؛ لذلك فإن المواطنة هي علاقة نسبية تتطوّر تدريجيًا. ارتبط مفهوم المواطنة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، التي تطوّرت من حقوق الترشّح والانتخاب إلى سائر الحقوق الإنسانية الأخرى.

والمواطنة، حسب الموسوعة، هي علاقة بين فرد ودولة كما يحدّدها القانون الذي ينص على الحقوق والواجبات. وبتحديد أكثر، هي عيش إنسان في بقعة أرض يستقر بها بشكل ثابت ويحمل جنسيتها، له فيها حقوق وعليه واجبات. وعندما نتحدث عن علاقة الفرد بالدولة، نعني علاقة مباشرة بين أفراد أحرار مستقلين وبين دولة يتساوى فيها الأفراد في القانون وأمام القانون.

هذا الوصف لم يعشه لبنان منذ تأسيس الكيان اللبناني عام 1920، إذ ضمّ إلى جانب المجموعتين الطائفيتين اللتين سكنتا جبل لبنان، مجموعات طائفية أخرى من الأقضية الأربعة التي ضُمّت إلى جبل لبنان. تضم هذه المجموعات أفرادًا ينتمون إلى عشائر وطوائف، ولكل منها تاريخها وأساطيرها ورواياتها المنفصلة عن الأخرى، ما يعني أن الكيان اللبناني لم يكن ابن حركة نضالية قام بها مواطنون يسعون إلى بناء دولة واحدة على أرض محددة، بقدر ما كان كيانًا مولودًا كمساحة تعيش فيها مجموعات غير موحّدة، ولاؤها لبنىً متخلّفة عن دولة يعيش فيها شعب واحد. تشكّل الجنسية أساس التزام الدولة بالمواطنة، وتختلف شروط الحصول على الجنسية بين بلد وآخر.

في لبنان، يحصل الإنسان على الجنسية إذا كان من أب لبناني حسب قانون الجنسية الصادر عام 1925. وهذا القانون يمنع المرأة اللبنانية من إعطاء الجنسية لعائلتها في حال زواجها من أجنبي، ما يلغي مبدأ المساواة بين الأفراد الذي هو شرط بناء المواطنة. وتعاني الكثير من العائلات بسبب هذا القانون الجائر، الذي أرسى نتائج سلبية على حياة أكثر من سبعين ألف إنسان يعيشون في لبنان.

المواطنة والانتماء

إذا كانت المواطنة تعبّر عن علاقة الفرد بدولة ما، له حقوق فيها وعليه واجبات، فإن الانتماء يختلف تمامًا عن المواطنة. فالانتماء فكرة معنوية أصلًا ترتبط بالوعي والاختيار؛ فالإنسان حرّ في اختيار دين، فكرة، أو قضية ما، لكنه ليس حرًا في اختيار بقعة أرض وُلد عليها. لذلك فإن المواطنة لا تعني الانتماء للدولة التي يحمل مواطنتها أو جنسيتها.

والعلاقة بين المواطنة والانتماء لها أكثر من جانب، وأحيانًا يكون لها وجه إيجابي، وخصوصًا عندما يكون انتماء الفرد ذا طابع إنساني وله أبعاد نضالية إيجابية، كالدفاع عن حقوق الإنسان وغير ذلك. وأحيانًا يكون للانتماء جانب سلبي يتعارض مع المواطنة، وخصوصًا عندما يتبنّى الفرد فكرة أو قضية تحمل في طياتها إقصاءً للآخر، والوهم بأنه يملك الحقيقة التي يحاول فرضها على الآخرين. وهذا ما نلحظه في مناطق مختلفة من لبنان حين تحاول مجموعات فرض ثقافتها وسلطتها ليس على جمهورها فحسب، بل حتى على المحيطين بها.

المواطنة ليست وصفة جاهزة يحققها نص دستوري أو قانوني، ولا منحة من حاكم أو سلطة، بل هدف يرتبط بحركة الإنسان على أرض الواقع، من خلال نضاله وممارسته من أجل الوصول إلى حقوقه، وإلى مساواته مع الآخرين، واندماجه في الوطن، والحصول على نصيبه من الموارد العامة والمشاركة في الشأن العام.

أعمدة المواطنة

عندما نتحدث عن المواطنة فإننا نسلّط الضوء على الحقوق الواجب الحصول عليها لنكون مواطنين فعليين، وهي الحقوق المدنية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية.

تتضمن الحقوق المدنية الحق في حرية التعبير قولًا وكتابة، والحق في الحرية التي لا تخالف القوانين ولا تتعارض مع حرية الآخرين. وهذا الأمر نفتقده خصوصًا في مناطق جنوبية مختلفة، إذ يتعرّض العديد من المواطنين لسياسة قمعية تمنعهم من التعبير عن آرائهم أو الإعلان عنها في مناسبات مختلفة. وخير مثال ما حدث في مناطق جنوبية خلال انتفاضة 17 تشرين، حيث تعرّض العديد من المواطنين للضرب والتهديد، إلى جانب سياسة “السحسوح”، أي إجبار المواطن على تغيير رأي كان قد أدلى به. ويمكن القول إن سبب ذلك يعود إلى غياب مؤسسات الدولة الديمقراطية عن الحياة اليومية للمواطنين. ومن الحقوق المدنية أيضًا حرية التنقّل داخل الوطن وخارجه، واختيار مكان السكن، والمساواة في القانون وأمام القانون، والحق في الحياة والهوية والانتماء.

ونحن نفتقد هذه الحقوق في عدد من المناطق، إذ تعمد بعض السلطات المحلية إلى منع تملّك لبنانيين من طوائف أخرى في مناطقها، أي منعهم من اختيار مكان السكن، وهو حق كرّسه الدستور والقوانين. لكن طبيعة السلطات الموجودة أتاحت لها الفرصة لتحديد نوعية الساكنين وشروط سكنهم. وقد نشرت وسائل الإعلام خلال حزيران 2025 إعلانًا لإحدى بلديات الجنوب يمنع تملّك وسكن آخرين في النطاق الجغرافي للبلدة، وهو أمر يتعارض مع المواطنة الفعلية.

أما الحقوق السياسية، فتعني حق المواطن في الانتساب إلى أحزاب وجمعيات مختلفة، وإلى مجموعات ضغط من أجل التغيير، والحق في الترشّح والانتخاب، والمشاركة في نشاط سياسي متنوّع مثل التظاهر والاعتصام.

وفي هذا المجال، تبسط أطراف سياسية سلطتها على مناطق نفوذها وتمنع أي معارضة قد تنشأ، أو أي محاولة للضغط من أجل التغيير أو كشف الفساد المستشري بحماية سياسية، وتمنع تنظيم أي نشاط سياسي يتعارض مع سياساتها.

أما الحقوق الاجتماعية، فتعني الحق في الحصول على مستوى معيشي كريم، وعلى ضمانات اجتماعية ورعاية صحية ذات مستوى إنساني، وعلى خدمات اجتماعية ضرورية وبيئة نظيفة.

تبسط أطراف سياسية سلطتها على مناطق نفوذها وتمنع أي معارضة قد تنشأ،
أو أي محاولة للضغط من أجل التغيير

في الواقع، يعاني المواطنون والمقيمون في مناطق مختلفة من الجنوب من أوضاع اجتماعية متردّية، وخصوصًا بعد الحرب الأخيرة عام 2024، وعدم قيام الدولة ومؤسساتها بتأمين الأرضية اللازمة لعيش كريم، وغياب أي تخطيط استراتيجي لتنمية مستدامة تؤمّن حياة كريمة. بل تسعى مؤسسات دولية ومحلية إلى تحويل المواطنين إلى أفراد يتوسّلون ضمانة اجتماعية من هنا أو هناك، حتى إن برامج وزارة الشؤون الاجتماعية يستفيد منها أصحاب الزبائنية السياسية.

وعلى الجانب الصحي، الذي هو حق من حقوق الإنسان، تحوّلت مستشفيات القطاع العام إلى دكاكين لا يستطيع الاستفادة منها سوى أزلام الزعامات السياسية، إلى جانب الفساد المستشري فيها. كما تحوّلت مجالس إدارتها إلى محاصصة بين الأطراف السياسية، التي يتم من خلالها الاستفادة ماديًا وسياسيًا.

وعند الحديث عن بيئة نظيفة، وهي حق للمواطن، فلا نجد سوى مراكز فرز النفايات ومعالجتها وقد تحوّلت إلى محارق ومطامر، مع تزايد الأمراض الناتجة عن ارتفاع نسبة التلوّث. أما الحقوق الاقتصادية، فتعني الحق في الحصول على فرص عمل بأجور عادلة، والحق في إنشاء نقابات مهنية للدفاع عن الحقوق، والحق في تنمية متوازنة.

في هذا المجال، يمكن الحسم بغياب مؤسسات اقتصادية إنتاجية جدّية تؤمّن فرص عمل خلال الـ25 عامًا الأخيرة، وإجهاض أي محاولة جدّية في هذا الخصوص، وفرض شروط على أي فرصة استثمارية مما يدفع أصحابها للانسحاب ليس من الجنوب فحسب بل من لبنان. هل ننسى محاولة “الساحلي” بناء معمل للحمضيات عند القاسمية، وكيف اضطر لإقفاله بسبب الشروط القاسية التي فُرضت عليه؟ كما أن أحد اللبنانيين المقيمين في الخارج حاول بناء معمل للأحذية في بنت جبيل وتأمين 400 فرصة عمل، لكنه اضطر لجمع أغراضه والسفر إلى الخارج وإلغاء خطته الاقتصادية بسبب الضغوط السياسية. أما النقابات المهنية فقد تحوّلت إلى مواقع لقوى سياسية تستخدمها وفق مصالحها.

أما الحقوق الثقافية، فتتضمن الحق في التعلّم بمستوى جيد، والحصول على اختصاصات تأخذ بعين الاعتبار حاجة السوق. لكن في السنوات الأخيرة تحوّل التعليم إلى تجارة رابحة، وخصوصًا بعد تراجع التعليم الرسمي، وعدم قدرة الكثيرين على تحمّل الأقساط المدرسية في القطاع الخاص. كما تحوّلت بعض المدارس الخاصة إلى مراكز ثقافية تنمّي نظرية الانتماء إلى أفكار تنكر المساواة والمواطنة، كل ذلك في ظل غياب كتب تاريخ موحّدة وتربية مدنية موحّدة.

المواطنة عملية دينامية الطابع، وهي مفهوم مركّب متعدّد الجوانب، تتبلور عناصره بصورة متفاوتة، فيمكن أن يتطوّر أحد أعمدة المواطنة بطريقة أسرع من عمود آخر، ليعودوا ويستأنفوا التطوّر بالتوازي. لكن في لبنان، وخصوصًا في الجنوب، يمكن الإشارة إلى أن هذا المفهوم المركّب للمواطنة يشهد مزيدًا من التحلّل والانهيار بسبب تحلّل مؤسسات الدولة وتراجعها لصالح مشاريع المجموعات التي ترى نفسها بديلًا عن الدولة، وخصوصًا في المناطق ذات الأغلبية الطائفية من نوع واحد.

في الجنوب، يمكن الإشارة إلى أن هذا المفهوم المركّب للمواطنة يشهد مزيدًا من التحلّل والانهيار بسبب تحلّل مؤسسات الدولة

ويمكن الإشارة هنا إلى أن أعمدة المواطنة تشترط وجود قاعدة اقتصاد إنتاجي، إذ لا إمكانية للوصول إلى مواطنة حقيقية في بلد يعتمد على الاقتصاد الريعي أو على قطاعات هامشية غير منتجة؛ ففي هذه المجتمعات تنمو المشاعر الفئوية والعصبوية.

وفي هذا المجال، نرى تراجع القطاعات الإنتاجية في مناطق مختلفة من الجنوب، وخصوصًا بعد العام 1992. ففي القطاع الزراعي تراجعت زراعة التبغ والحمضيات، وغابت سياسات الحماية الزراعية. وفي المجال الصناعي، لم يبقَ من معامل الخياطة سوى أعداد لا تتخطى أصابع الكف بعد أن أُقفل معظمها.

إن النضال باتجاه المواطنة يؤشر إلى الحاجة لتطوّر اقتصادي يعيد الاعتبار للقطاعات المنتجة، وإلى مؤسسات دولة ديمقراطية حديثة. فلا مواطنة بدون ديمقراطية، ولا تطوّر بدون حقوق الإنسان، ولا وجود لمجتمع متجانس بشكل كامل. وبالتالي فإن فكرة المواطنة أيضًا تتضمن حقوق الأقليات، وخصوصًا أننا بلد يضم مجموعة من الأقليات على الصعيد الوطني.

جوانب المواطنة

في النضال من أجل حركة المواطنة لا بدّ من أخذ جوانبها الأربعة بعين الاعتبار:

  1. الجانب الشخصي: وهو ما يتعلق بالسلوك الشخصي لكل فرد ونضاله للوصول إلى المواطنة. وهذا الجانب يتعرّض للقمع في مناطق مختلفة من الجنوب، وعلى كل فرد أن يتصرّف كما تريد الجماعة الممسكة بالسلطة، وبالتالي تحويله إلى أداة متحرّكة.
  2. الجانب الخاص: وهو المتعلّق بارتباط الفرد بأسرته، والمجموعة الدينية أو النقابية التي ينتمي إليها ويناضل من خلالها من أجل المواطنة، شرط ألا تتعارض مع الجانب العام الذي يدير المؤسسات وفق قانون يأخذ بعين الاعتبار مصالح مجموع المكوّنات الاجتماعية، والحق في الاختلاف، وكيفية إدارة الاختلاف، وقبول الآخر، وإدارة التنوّع بالحوار. وهذا ما نفتقده، لأن كل مجموعة تسعى لتكون القوة الأساسية الممسكة بالسلطة واستخدام الآخرين بما يخدم مصالح زعماء المجموعة.
  3. الجانب الأهم (المشاركة): وهو الجانب الذي يسمح للمواطن بالضغط من أجل التغيير الإيجابي، وممارسة الرقابة والمساءلة. ويتعرض هذا الجانب لمزيد من الضغوط لمنعه من استخدام القوانين الموجودة، ومنع المواطنين من ممارسة المساءلة والمحاسبة، التي هي حق من حقوق المواطنة.

إن هذه الخطوات المطروحة لا بدّ أن تتوافر في مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، وهذا ما نفتقده في لبنان. فالبنى الاجتماعية متخلّفة، مما يؤشر إلى عقم إدارة الاختلاف والجنوح إلى التطرّف، وفي المقابل تبقى مؤسسات الدولة متخلّفة وتفتقر إلى رسم خطط مستقبلية تتولى بناء أعمدة المواطنة.

في معاينة عملية لواقع مناطقنا في الجنوب، تبدو لنا صعوبة بناء مواطنة، لكنها ليست مستحيلة. إن بناء المواطنة يستدعي جهدًا يبدأ بالذات ويكتمل ببناء مؤسسات الدولة التي لا تؤمّن قوانين مناسبة فحسب، بل تلتزم بتنفيذها. لذلك نسأل أنفسنا: هل نحن مواطنون/ات في لبنان؟ وكيف يبدأ كل فرد حركة النضال من أجل المواطنة؟

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x