في اليوم الثاني للنزوح الجديد من الجنوب إلى مدينة صيدا، أي يوم الثلاثاء الواقع فيه الثالث من آذار ٢٠٢٦، ما زالت الشوارع الرئيسة في المدينة تعاني من ازدحام السيارات المتجهة نحو بيروت، فيما أمضت مئات العائلات ليلتها في السيارات المتوقفة على جانبي الطرق الرئيسة في صيدا.
وصباح اليوم، وأين تسير، تجد عائلات تجلس على أطراف الأرصفة أو في وسطيات الطرق لقضاء أطول وقت ممكن علّ “الكارثة” تمضي.
عدد كبير من العائلات يفتش عن شقق للإيجار، لكن ذلك صعب المنال، وإذا وجد أحدهم شقة ما فإن الإيجار المطلوب غير مقبول حتى في بلد ذي اقتصاد “حر” يعتمد على العرض والطلب، من دون الالتزام الأخلاقي بمن أصيب بكارثة عدوانية.
أما من وصل إلى مراكز إيواء، وهي مدارس رسمية بمعظمها، فيقول البيان الصادر مساء اليوم عن لجنة الأزمات والكوارث في بلدية صيدا إنه تم اعتماد ٢٤ مركزًا للإيواء، وأن القدرة الاستيعابية تصل إلى ٩٠٠٠ شخص، وهو عدد يفوق القدرة اللوجستية المتوفرة، وأن لجنة الأزمات تستكمل عملية التسكين وتأمين المستلزمات الأساسية للوافدين من وجبات غذائية ومياه شرب، وتأمين الفرش والحرامات والمخدات، كذلك تأمين الرعاية الصحية بالتعاون مع الهيئات الطبية، وأن هذه العملية شارفت على الوصول إلى حدها الأقصى مساحةً وموارد.
عدد كبير من العائلات يفتش عن شقق للإيجار، لكن ذلك صعب المنال،
وإذا وجد أحدهم شقة ما فإن الإيجار المطلوب غير مقبول
وفي زيارة طالت بعض المراكز تبين أن هناك تباينًا في بعض أرقام لجنة الأزمات وأرقام مراكز الإيواء، ويمكن أن يعود السبب إلى دخول بعض العائلات أو خروجها من المراكز.
أفادت إدارة بعض المراكز أنها استلمت عددًا من الفرشات لا يصل إلى نصف عدد النازحين، ولم تستلم حرامات أو مخدات.
وأجمعت مراكز الإيواء التي تمت زيارتها أن هناك نقصًا في المياه المطلوبة، وأنها بحاجة إلى مازوت للمولدات الكهربائية لتأمين التيار الكهربائي.
كما أن معظم مراكز الإيواء لا تصلها وجبات غذائية بشكل منتظم، وبعضها لم يصلها شيء. تؤمّن جمعيات تشرف على مركزين وجبات إفطار وسحور، وهي بحاجة إلى وجبات أخرى للأطفال والمسنين.
ويصف أحد المتطوعين في أحد مراكز الإيواء الوضع بالقول: “في غياب مساعدات جدية، تحولنا إلى نواطير للمراكز، وما علينا إلا أن نقول ذلك لأهلنا النازحين كي لا نتحمل أي مسؤولية”.
أما في الجانب الصحي فإن وزارة الصحة، قررت منع أي جهة صحية من دخول مراكز الإيواء وتقديم خدمات صحية باستثناء مراكز الرعاية الصحية الأولية العاملة في المدينة، وتجدر الإشارة إلى أن هذه المراكز تتبع لقوى سياسية محلية، ولم تُعرف الأسباب الفعلية التي دفعت وزارة الصحة إلى منع المستوصفات من تقديم خدماتها للنازحين. وكان الأجدى بالوزارة المعنية أن تهتم بتنظيم أمور وخدمات المؤسسات الصحية العامة التي تملك سلطة الوصاية عليها ومنع الفساد المستشري فيها، والذي يمنع النازحين من اللجوء إليها كما حصل إبان الحرب الماضية. وأشار أحد المعنيين في لجنة الأزمات إلى غياب أي مساعدات فعلية، ولم يصل للبلدية شيء من ذلك.
وزارة الصحة، قررت منع أي جهة صحية من دخول مراكز الإيواء وتقديم خدمات صحية باستثناء مراكز الرعاية الصحية الأولية العاملة في المدينة
وبعد ظهر اليوم زار رئيس الحكومة القاضي نواف سلام مدينة صيدا، والتقى رئيس بلديتها المهندس مصطفى حجازي الذي وضعه في أجواء الضغط الهائل التي تواجه أجهزة البلدية وفرق الطوارئ والجمعيات الأهلية التي تساعد البلدية في الإغاثة، وطالب حجازي الحكومة بتأمين الاعتمادات والمساعدات.
يقف المرء مستغربًا أمام ما يحصل، وكأن النزوح حصل فجأة، وكأن السلطات المركزية والمحلية لم تكن تتابع ما يجري خلال الأشهر الماضية وتحضّر احتياجات أي نزوح قد يحصل.
كانت وسائل الإعلام تنقل أخبار اجتماعات متتالية للسلطات المعنية، لكنها يبدو أن الاجتماعات كانت للنقاش وليس لتأمين الاحتياجات التي تقف مراكز الإيواء عاجزة عن تأمينها لأهلنا النازحين. بهذه المناسبة يُفضّل عدم الحديث عن تشاركية مع المجتمع المحلي، بل يمكن الحديث عن تشاركية استنسابية، ولهذا الموضوع حديث آخر.
أهلنا النازحون بحاجة إلى أمن وأمان وغذاء وراحة واهتمام صحي إلى حين عودتهم إلى بيوتهم، إنها مسؤولية الدولة والسلطات المحلية، وبالشراكة الحقيقية مع قوى المجتمع المحلي، وليس تحضيرًا للانتخابات النيابية إذا حصلت.













