بمنطقٍ بعيد عن النهضة، يحاكي “طبائع الاستبداد” للكواكبي، وذهنية “ولي الأمر” الصارم الذي يخشى انفلات السيطرة، استقبلت الحكومة اللبنانية الكوميدي ماريو مبارك في مطار رفيق الحريري. لم يكن استقبالاً، بل “صفعة تأديبية” على اليد: صودر هاتفه وجواز سفره، وصُرف إلى “غرفة الفئران”، ليدخل من هناك دوامة التحقيقات بتهمة “الخروج عن الطاعة”.
بدأت مشكلة ماريو بظهور مقطع قصير مجتزأ من عرض نشر بطوله الكامل سابقاً على منصة أوكوورد، منصة لبنانية للستاند اب كوميدي، ينطوي محتوى الفيديو على نكتة اعتبرها البعض تسخر من قيامة السيد المسيح. توافق ظهور الفيديو المجتزأ مع اقتراب زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان، ورافقه انتشار المقطع ظهور الأب عبدو أبو كسم مدير المركز الكاثوليكي للإعلام على التلفزيون مطالباً بمحاسبة ماريو وأمثاله، ومتهماً أن إلقاء النكتة في هكذا توقيت مقصود. ساهم ذلك في تحفيز النشيطين على وسائل التواصل الاجتماعي وتكاثرت منشورات التحريض والتهديد لحياة الكوميدي الشاب بالإضافة إلى تسريب رقم هاتفه. ولكن بما أن الفيديو الأصلي قد نشر قبل أكثر من ستة أشهر من المشكلة، فمن المستفيد من إعادة نشر الفيديو المقتطف في هذا التوقيت؟
يبدو أن التوقيت كان مناسبًا لتحويل ماريو إلى كبش فداء، ليس بسبب ما فعله تحديدًا، بل بسبب ما يمثّله جندريًا. فقد جرى تصديره كـ«شيطان شعبي» لإنتاج ذعر الأخلاقي موجَّه وهو مصطلح صاغه عالم الاجتماع الأمريكي ستانلي كوهين، يُستخدم لإعادة تأديب الجسد الخارج عن الأدوار الجندرية المرسومة، ومعاقبة أي انزياح عن نموذج الطاعة والامتثال الذي يفرضه النظام الأبوي.
لا يكون «الذعر الأخلاقي» مجرد رد فعل اجتماعي،
بل أداة سلطة جندرية تُفَعِّل الخوف لضبط السلوك
في هذا السياق، لا يكون «الذعر الأخلاقي» مجرد رد فعل اجتماعي، بل أداة سلطة جندرية تُفَعِّل الخوف لضبط السلوك، وترسيم الحدود بين ما يُسمح به وما يُجرَّم، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأجساد يُنظر إليها على أنها متمرّدة أو غير منضبطة أو قابلة للعدوى الرمزية.
يحدث الذعر الأخلاقي حين يُقدَّم فرد أو جماعة بوصفهم خطرًا يهدد القيم السائدة، لا بسبب الفعل ذاته بقدر ما بسبب خروجه عن المعايير المقبولة. في هذا السياق، يتقاطع الذعر الأخلاقي مع مفهوم الذكورة المهيمنة كما تطرحه عالمة الاجتماع رايوين كونيل، حيث يُعاد ضبط السلوك والأجساد وفق نموذج ذكوري معياري يُقدَّم بوصفه الطبيعي والمشروع. ومع انحسار الذعر، تبقى الوصمة والتنميط، خصوصًا تجاه من لا ينسجمون مع هذا النموذج، وتستمر آليات الإخضاع الرمزي حتى بعد انتهاء الحملة.
يرى عمار احمد، المحامي والناشط الحقوقي، أن ما جرى مع ماريو وشادن لا يمكن فصله عن بنية أوسع من القمع المقنّع بالقانون، موضحاً أن «السلطات في لبنان لا تُعاقب الفعل بقدر ما تُعاقب الإزعاج. فالنكتة تصبح جريمة فقط عندما تُربك توازنات القوة أو تُحرج السلطة الدينية أو السياسية في لحظة حساسة». ويضيف أن غموض مواد “التجديف” و“إثارة الفتنة” يتيح استخدامها كأدوات انتقائية، تُستدعى عند الحاجة لتأديب الصوت الخارج عن الطاعة، لا لحماية السلم الأهلي كما يُدّعى.
لا تبدو قضايا ماريو وشادن استثناءات فردية،
بل فصولاً متكررة في علاقة ملتبسة بين السلطة والفكاهة
في لحظات التوتر السياسي أو الاقتصادي، تُظهر تجارب متعددة كيف تتحوّل قضايا ثقافية أو فنية إلى محور جدل عام واسع، غالبًا على حساب نقاشات أكثر إلحاحًا تتعلّق بالسياسات الاقتصادية أو الحقوق الاجتماعية. في لبنان، برز هذا النمط بوضوح عام 2019، حين تزامنت الحملة التي استهدفت فرقة مشروع ليلى مع ذروة الأزمة الاقتصادية، وانتهت بمنع الفرقة من إقامة حفلاتها داخل البلاد.
هكذا هم بعض الأباء في مجتمعاتنا، يشمون رائحة الدخان عند مرور أبناءهم بجانبهم، يرونهم مع أصدقاء لا يعجبهم، ولا يتكلمون. ولكن عندما يجدون انفسهم محاصرين أو متهمين بشيء يفرغون نوبات غضبهم بالذي تغاضوا عنه. يخرج دفتر الحسابات ويستعرض الأرشيف موضحاً للأبناء لم هم سبب كل بلاء. ولكن العقاب يختلف من ابن لآخر، بحسب ترتيبه على سلم الأبوية.
أما مايا عواضة، الباحثة في دراسات الجندر والثقافة، فتربط بين قمع الفكاهة والتراتبية الأبوية، معتبرة أن «السخرية، خصوصاً حين تصدر عن نساء أو أشخاص كويريين، تُهدد النظام الرمزي أكثر من أي خطاب سياسي مباشر، لأنها تنزع عنه قدسيته وتكشف هشاشته». وتشير ميكداشي إلى أن ردّ الفعل العنيف لا ينبع من “الإساءة للمقدسات” بحد ذاتها، بل من كسر التراتب: من يحق له الكلام، ومن يُفترض به الصمت، ومن يُسمح له بالضحر خارج المنزل.
بهذا المعنى، لا تبدو قضايا ماريو وشادن استثناءات فردية، بل فصولاً متكررة في علاقة ملتبسة بين السلطة والفكاهة. فالأب، كما النظام، قد يحتمل الخطأ، وقد يتغاضى عن الزلّة، لكنه لا يغفر الضحك عليه. لأن الضحك -كما يقول ميخائيل باختين في كتابه- لا يهاجم القوّة مباشرة، بل يفرّغها من هيبتها، ويحوّلها إلى مادة للسخرية. وعندما يضحك “الابن” أو “الابنة” خارج النص، لا يعود العقاب خياراً، بل ضرورة لإعادة تثبيت النظام.
يختلف تعامل الأب مع الابن الذي يعتبره خارج عن طاعته، فما يمكن تجاوزه بـ”فركة اذن” للشاب الذي زلق مرة قد يتطور لقطيعة تامة وطرد للابنة التي تمردت على الأبوية وهاجمتها بشكل مستمر. سبق ماريو في سلسلة الشيطنات الكوميدية اللبنانية الكويرية شادن فقيه، والتي ظهر لها مقطع على الانترنت بنكتة تتضمن تعليقاً على صلاة الجمعة. بنفس الطريقة انتشرت حملات التحريض وهدر الدماء بحق شادن وفرضت الحكومة منعاً من السفر بحقها وهي في جولة كوميدية في كندا، فما كان من الكوميدية إلا اختيار المنفى الاختياري في فرنسا نتيجة تفاقم الحملات ضدها بتغاضي ومساعدة من الحكومة.
عندما يضحك “الابن” أو “الابنة” خارج النص،
لا يعود العقاب خياراً، بل ضرورة لإعادة تثبيت النظام
وبالتالي ما انتهى بإطلاق سراح شرطي بعد اعتذار علني في حالة ماريو، لم ينتهِ بنفس الحال بالنسبة لشادن. إذ رغم تشابه الحالة كانت التهم مختلفة. تلقى ماريو تهمة الإهانة والتجديف باسم المسيح والإساءة إلى المقدسات الدينية، بينما تلقت شادن بالإضافة إلى تهمة التجديف تهماً إضافية كإثارة الفتنة الطائفية والدينية وتقويض الوحدة الوطنية. يجدر التطرق إلى صياغة القانون الفضفاضة حول معنى التجديف وما يندرج تحت إثارة الفتنة وتهديد الوحدة الوطنية في بلد لا تحاسب فيه الجماعات المتطرفة على أقوال وأفعال شديدة العنصرية والإهانة للطرف الآخر، ولكن الضبابية في القانون هي وسيلة الأنظمة القمعية لمساءلة أي شخص في اللحظة التي تراها مناسبة.
لم تقتصر اتهامات شادن على التعرض للذات الإلهية، فالأبوية وككل مرة تنتقد فيها امرأة تنتقم منها بشرفها. اندفع “رجالة” مواقع التواصل بتعهير شادن أسوة بالآباء الذين يقودوهم، إذ وصفها الشيخ حسن مرعب من دار الفتوى اللبناني بالفحش والعصيان، ليردد الأبناء صدى كلامه. فشادن تمثل “انحرافاً مزدوجاً” بحسب نظرية عالمة الاجتماع فرانسيس هيدنسون، فالنساء عادة يتلقين عقوبات أقسى من الأنظمة القضائية، إذ أنهن مذنبات بانحرافهن عن التصرفات المقبولة اجتماعياً من الأفراد بالإضافة إلى انحراف إضافي عن المقبول جندرياً كتصرف من النساء. وهكذا ولتوسيع المفهوم، عند تحدي النظام يزداد عدد الاتهامات وثقلها بابتعاد المتهم عن رأس هرم تراتبية القوة.
يتغاضى ولي الأمر عن زلات أبنائه طالما يبدون الطاعة، ولكن السخرية البحتة منه ونظام القوة الذي يفرضه خط أحمر يستوجب العقاب لضمان عدم تفاقم التطاول.
يرى باختين في كتابه -رابليه وعالمه- أن الضحك الكرنفالي يحررنا لحظياً من النظام الراسخ، وتكمن قوته ليس بنسيان الموت فقط بل بهزيمة القوة والملوك والطبقات الاجتماعية العليا وكل أنواع القمع والقيود. لذلك أكثر ما يهز الأنظمة الأبوية هو هذه السخرية، فهي تجردها ولو لحظياً من مفهوم القوة الذي ترسخه يومياً. فكيف إذا كان من يسخر امرأة، تعري الأب من سلطته الوهمية وتهز عرش ذكورته؟
تكمن قوة الأب القامع بإيمانه بسيطرته على أبنائه، لذلك يتفاجأ عندما يخرج أحدهم عن الطاعة، يتشكل لديه جرح يشد من قبضته على الآخرين. لكن أين تذهب هذه القوة عندما يرفض الأبناء جميعهم المشاركة بهذه اللعبة؟ ربما عندها لا يتحقق وعدٌ ما، بل تنكشف حدود القوة نفسها؛ تلك المرتبطة بالذكورية المهيمنة التي تفترض الطاعة باعتبارها أمرًا بديهيًا. وحين ينسحب الجميع من اللعبة، تفقد هذه القوة شرطها الأساسي: وهو الاعتراف. عندها تتحول المزحة من أداة ضبطٍ ساخر إلى فعل كاشف، يُربك منطق الهيمنة ويعيد توزيع المعنى خارج شروطها، ليصبح الضحك نفسه مساحة مقاومة، لا تثبيتًا للسلطة بل تقويضًا لها.













