مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

ساعة الغلق.. للطالبات فقط

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
20/11/20258:32 م

 هل يسقط الرشد عند باب الإقامة؟

أصعب التجارب التي عشتها كطالبة جامعية مقيمة في الجزائر لم تكن في قاعات الامتحان، بل كانت عند بوابة الإقامة الجامعية التي تغلق بعد الثامنة مساءً. في كل مرة كنت أعود فيها مسرعة، بعد إنهاك يوم طويل بين الدراسة والعمل الجانبي، لم يكن قلبي يخفق من التعب، بل من الخوف. رغم أنني تجاوزت العشرين، كنت أجد نفسي في مواجهة تحقيق مُهين أمام حارس البوابة: أين كنتِ؟ ولماذا تأخرتِ؟ توبيخ ينتهي بتهديد صريح بالطرد، وبأنني لن أجد سقفاً يحميني من ظلمات الليل. هذا الخوف الدائم كان يكلفني كثيراً.

ما زلت أتذكر كيف اختفت ابتسامتي عندما قُبلت في تدريب أحلامي، لأكتشف أن فريق العمل ينهي مهامه بعد الثامنة مساءً، وهذا التوقيت يضرب قوانين الإقامة الجامعية بعرض الحائط. لكن السؤال الذي يلاحقني دائماً هو: لماذا يستطيع زميلي الذكر أن يعمل ويدرس ويعود إلى إقامته فرحاً في أي وقت، بينما أنا أعيش في ضغط وترهيب مستمر؟ هنا تحديداً تتجسد المفارقة المرّة: في الإقامة الجامعية، يُمنح الطالب حق الرشد، بينما تُفرض على الطالبة البالغة وصاية وعقاب لا مبرر لهما. هذه ليست تجربتي الفردية وحدي، بل هي قصة الكثير من الطالبات الجامعيات في الجزائر.

لماذا يستطيع زميلي الذكر أن يعمل ويدرس ويعود إلى إقامته فرحاً في أي وقت،
بينما أنا أعيش في ضغط وترهيب مستمر؟

الطالبة هبة، تخصص هندسة طيران، مقيمة بإقامة “معيزة فاطمة الزهراء” (في منطقة أولاد يعيش، ولاية البليدة الجزائرية)، تلخص هذا العبء وتقول: “يصبح أي طموح مهني عبئاً مضاعفاً. عندما كنت أرغب بممارسة تدريب مهني في مطار الجزائر العاصمة، كان التنقل يصبح شبه مستحيل ابتداءً من الساعة الرابعة مساءً، مما يجبرني على الوصول متأخرة كل يوم.
هذا التأخر غير مقبول بالنسبة لإدارة الجامعة التي قد تتغاضى عن تأخر فردي أحياناً، إلا أن جعله عادةً يومية يعرضني لعقوبات تبدأ بالإنذار والمجالس التأديبية، وقد تصل حتى إلى الطرد، غير مراعين لظروفي المادية الصعبة. لهذا السبب، أحياناً أضطر إلى تجنب التقديم بطلب تربص (تدريب مهني لاكتساب الخبرة المهنية الميدانية)، وتضطر زميلاتي للتخلي عن فرص عمل كثيرة بدوام جزئي، لأن أي طلب ترخيص للدخول متأخراً بسبب العمل يُقابل بالرفض القاطع من المديرة”.

تؤكد هذه الشهادات أن العواقب تتجاوز التوبيخ لتصل إلى التهديد بأمن الطالبة ذاتها. تقول غفران، طالبة جامعية تخصص علوم تسيير ميزانية الدولة، والمقيمة بإقامة “البوني” بولاية عنابة: “عدم الالتزام بهذا التوقيت يعرض الكثير من الطالبات لإجراءات صارمة، من بينها إرسال استدعاءات للأولياء بصيغة رسمية، مما يعرضهن في حالات عديدة إلى العنف الأسري والحرمان من الدراسة بسبب هذا القرار”.

أقف أمام نفس الباب، وفي نفس التوقيت،
لكن القوانين تُطبّق بشكل مختلف تماماً بناءً على الجنس


وتضيف: “هذا التهديد المستمر يجعلني أفكر مراراً في خيارات خطيرة وغير آمنة؛ بالطرد وحرماني من الإقامة يدفعني للتفكير في الكثير من المرات في المبيت عند أشخاص غير موثوقين أو غرباء كبديل، وهو خيار ينطوي على خطر كبير، لكنني أراه في لحظة اليأس أفضل من أن أُطرد وأبقى بلا مأوى حتى تخرّجي”.

أما دنيا، خريجة إدارة مشاريع وريادة أعمال، ومقيمة سابقاً بإقامة “القليعة”، فتتحدث عن الأثر النفسي: “بصراحة، الشعور صعب ومُحبِط للغاية. أقف أمام نفس الباب، وفي نفس التوقيت، لكن القوانين تُطبّق بشكل مختلف تماماً بناءً على الجنس. هذا يخلق إحساساً عميقاً بأنني أقل حرية وكأنني تحت وصاية مستمرة فقط لأنني أنثى. الأمر رسالة غير مباشرة بأننا غير موثوقات أو غير قادرات على تحمل المسؤولية مثل زملائنا الذكور، وهذا يولّد شعوراً بالظلم والتمييز الإداري الواضح. فالقوانين تُفرض بطريقة ‘هذا هو النظام ولازم تتقبليه’ بدون نقاش، وهذا يقلّل من إحساسنا بالاستقلالية والأهلية”.

“قانون الوصاية”: اجتهاد إداري يلغي الرشد

لا يقف التمييز الذي تواجهه الطالبات المقيمات عند حدود الضغط النفسي، بل يمتد إلى غياب أي سند قانوني لإجراء متمثل في “ساعة الغلق”. عند العودة إلى القرار الوزاري رقم 42 المؤرخ في 25 جوان 1998، لم يتم العثور على أية مادة واحدة خصّت الإناث دون الذكور بنظام توقيت محدد، ولم يُذكر أي تفاصيل بخصوص هذا القيد على الإطلاق.

وفي محاولة لفهم هذا الواقع وأسبابه، تواصلنا مع الإدارات المسؤولة لكن لم يكن هناك أي رد.

هذا الغياب الصريح يعني أن “ساعة الغلق” ليست قانوناً، بل هي اجتهاد تمييزي وتجاوز إداري. هذا التناقض يفسر فوضى التطبيق الجغرافي؛ القاعدة تتغير بشكل عشوائي وحسب “المزاج الإداري”، حيث تغلق الإقامات في ولاية داخلية مثل تبسة على الساعة السادسة مساءً، بينما تصل في إقامة بن عكنون في العاصمة إلى العاشرة مساءً. هذا التباين يؤكد أن القاعدة تنبع من نظرة وصائية للمرأة المقيمة، وليس من نص قانوني يُلزم الجميع.

في هذا الصدد، تشير المنسقة بإحدى المنظمات الحقوقية، بولصنام صوفيا، إلى أن التحدي القانوني يكمن في معرفة ما إذا كانت الإدارة الجامعية، المتمثلة في الديوان الوطني للخدمات الجامعية، تملك الحق في فرض وصاية تحدّ من الاستقلالية الشخصية للطالبات. وتؤكد الخبيرة أن قانونياً الطالبات اللواتي تجاوزن سن 18 هنّ راشدات ويتمتعن بالأهلية الكاملة وفقاً للمادة 40 من القانون المدني، ولا يجوز لأي سلطة أن تفرض عليهن وصاية إلا بنص قانوني صريح غير موجود في التشريع الحالي.

الطالبات اللواتي تجاوزن سن 18 هنّ راشدات ويتمتعن بالأهلية الكاملة وفقاً للمادة 40 من القانون المدني

وتشرح صوفيا أن الأنظمة الداخلية للإقامات، كونها قرارات تنظيمية وإدارية، يجب أن تكون خاضعة لمبدأ تدرج القواعد القانونية، أي أن تحترم الدستور والقوانين الأعلى. بالتالي، لا يجوز لنظام داخلي أن يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية، مثل الحرية الفردية والأهلية القانونية. ورغم أن الإدارات تملك سلطة الضبط الإداري لحفظ الأمن، فإن هذه السلطة لا تخوّلها تقييد الحرية الشخصية ولا فرض وصاية أخلاقية. وتشدد الخبيرة على أن أي تحديد للمواقيت يجب أن يراعي الحالات الشخصية للطالبة، والأهم أنه يجب أن يُطبق على الفرد الراشد من الجنسين دون تمييز.

تؤكد صوفيا أن هذا القيد يمثل مخالفة جسيمة لمبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة 54 من الدستور، الذي يحظر أي تمييز بسبب الجنس في القانون أو الممارسات الإدارية. وتوضح أن فرض قيود مختلفة على الطالبات دون الطلبة الذكور يشكل تمييزاً مبنياً على الجنس، حتى لو تذرعت الإدارة بدوافع أخلاقية أو اجتماعية.
هذا التمييز لا يُعتدّ به قانوناً، لأنه ينطوي على نظرة تنتقص من أهلية المرأة القانونية وتتعامل معها كقاصر رغم بلوغها سن الرشد. وبناءً عليه، يمكن تكييف هذا الإجراء كعمل إداري مخالف للدستور ومبدأ المساواة، وهو قرار إداري يجوز الطعن فيه لسببين رئيسيين: مخالفته للقواعد الدستورية، وإساءة استعمال السلطة لفرض رقابة اجتماعية بدل الحفاظ على النظام.

دعوة لرفع الوصاية: متى تسقط قضبان العرف؟

لقد بات جلياً أن فرض “ساعة الغلق” على الطالبات المقيمات، يمثل اجتهاداً إدارياً متعسفاً وتمييزاً صريحاً على أساس الجنس، وهو ما يضع هذه الممارسة في خانة المخالفة الجسيمة لمبدأ المساواة الدستورية التي تكفلها الدولة لكل مواطنيها. هذا الإجراء، الذي يُقدَّم على أنه عرف قديم يهدف إلى حفظ الأمن، يُثبت واقعياً أنه نظام مصمم لنزع حقوق المرأة الراشدة ومصادرة إرادتها الحرة.

ولتحقيق تحول جذري ينهي هذه الوصاية، يقدم خريج الحقوق عماد مراح حزمة توصيات قانونية تبدأ بضرورة قيام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والديوان الوطني للخدمات الجامعية بإصدار تعليمة وزارية صريحة تُلغي كل الإجراءات المحلية التي تحدد ساعة غلق تمييزية.

وتتركز رؤيته على توحيد النظام الداخلي للإقامات الجامعية على المستوى الوطني، بحيث يحترم هذا النظام مبدأ المساواة الكاملة بين الطلبة والطالبات، وحرية التنقل المكفولة دستورياً، مع التأكيد على احترام رشد الطالبة الجامعية باعتبارها شخصاً بالغاً ومسؤولاً قانونياً. وفي حال وجود مبررات أمنية، يجب معالجتها عبر إجراءات وقائية موضوعية (مثل تدعيم الحراسة والإنارة والمراقبة بالكاميرات)، بدل فرض قيود زمنية على أساس الجنس، مع إدماج ممثلي الطلبة في صياغة الأنظمة الداخلية لضمان التوافق مع الحقوق والحريات الأساسية.

إن فرض "ساعة الغلق" على الطالبات المقيمات، يمثل اجتهاداً إدارياً متعسفاً وتمييزاً صريحاً على أساس الجنس

إن توفير الأمن للجميع هو واجب الدولة والوزارة غير القابل للتنازل أو الذرائع، وليس مسوغاً لإلغاء أهلية المواطنة للطالبة المقيمة. لذلك، لا مجال للتسويف أو الحلول الوسط! لتسقط قضبان العرف التي تحاصر طالباتنا وتجرّدهن من أهليتهن المدنية! حان وقت التمكين، حان وقت المساواة، حان الوقت لكي تُصبح الطالبة المقيمة مواطنة كاملة الأهلية داخل أسوار حرمها الجامعي وخارجه.

المطلب الأساسي يكمن في التوحيد الفوري والكامل للوائح الإيواء بين الجنسين، والإلغاء النهائي وغير المشروط للقيد الزمني المفروض على الطالبات. يجب أن تتحول جامعاتنا من فضاءات للوصاية الإدارية إلى قلاع للتمكين والشراكة. لتكن هذه اللحظة هي اللحظة التاريخية التي تُعلن فيها الإدارة انتصارها لمبدأ الدستور، ولترفع فيها قضبان العرف الظالمة، وتؤكد أن الطالبة المقيمة هي مواطنة كاملة الأهلية، تستحق الأمن دون التضحية بحريتها. هذا هو رهان اليوم، فهل تستجيب جامعاتنا لنداء العدالة وتُعلي كلمة القانون؟

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x