فزعُ الهجوم على الساحل وبدايةُ المأساة
الزمن لحظاتٌ متخمة بالألم، تتناثر فيها الأخبار العاجلة كشرارات لا تهدأ. يوم الخميس ٢/٧/٢٠٢٥ بدأ اقتحام عناصر تابعة لقوات الأمن الخاضعة لسلطة أحمد الشرع لمحافظتَي اللاذقية وطرطوس، وتحديدًا الهجوم على قرية “شير” في ريف اللاذقية الشمالي، بذريعة أنهم من فلول نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
يمرّ الوقت مثقلاً بقصص آلاف الضحايا، كبارًا وصغارًا، ولا حدث سوى ارتفاع أعداد الموتى لأنهم علويون، تحت ذريعة انتمائهم إلى طائفة الرئيس المخلوع. لا مجال للعزاء، ولا كفن يليق بجثامين المرمَيين، ولا قبر يحمل شاهدًا أو تاريخًا. الوجع وحده حاضر في الساحل السوري، ولا شيء يكسره سوى ضحكات الجلادين الساخرة، وقد باتت رمزًا للهلاك.
قصص الإعدام لأنهم علويون
يبدأ شريط الموت في الساحل السوري من قرية شير، حيث نفّذت عناصر مسلّحة مجهولة الهوية مجزرةً نُسبت إلى “مجهول”، وفق ما ترويه سعاد محمد من اللاذقية، إلى جانب شهود آخرين فضّلوا عدم ذكر أسمائهم حفاظًا على سلامتهم. وبعدها دخلت عناصر من إدلب وحلب تابعة للأمن العام، وقتلت ما يقارب ٦٩ مدنيًا أعزل فور اجتياحها ثلاثة أحياء، بحسب شهادتها.
تتحدث سعاد محمد (٣٥ عامًا) بعيون دامعة:
“يا ويلي عليك يا بابا.. قتلوك يا عمري، قتلوه لأنه علوي. القاتل معروف، قاتل أبي من بلدي. وجّه سلاحه على صدرو وخصره. صرخت بنت عمي: يا محمد قوصوا عمي! شالوه وحطّوه على الكنبة، وقالوا لبابا: اتشهد يا عمي. اتشهد بابا وتوفّى. ما تخيلت بيوم نموت بسلاح ابن بلدي.. يلي عانينا سوا من ظلم نفس نظام بشار”.
يمرّ الوقت مثقلاً بقصص آلاف الضحايا، كبارًا وصغارًا،
ولا حدث سوى ارتفاع أعداد الموتى لأنهم علويون
ارتكبت الفصائل التابعة للنظام السوري المؤقّت فظائع واسعة في الساحل، ووصل عدد الضحايا إلى ١٣٠٠ وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، وسط تكتم إعلامي مخيف وتحذيرات صارمة ضدّ التصوير أو التوثيق، باستثناء ما يُسمح به للموالين والإعلام الرسمي.
وتطوّرت الفوضى إلى نهبٍ واسع وحرقٍ للبيوت، وتسجيل حالات اختطاف مقابل فدية لا تقل عن خمسة آلاف دولار. ورغم حجم الجرائم، ما تزال الحكومة المؤقتة تنسب الانتهاكات إلى “أفعال فردية” لعناصر غير منضبطة.
في تقرير نُشر في 14 أغسطس 2025، كشفت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة أن أعمال العنف التي شهدتها المنطقة في شهر آذار/مارس كانت “منهجية وواسعة النطاق”، وتضمّنت انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب.
وتتابع سعاد، والدموع تقاطع كلامها:
“كانت آخر رسالة بيني وبين بابا وما رد. كان رمضان وصايم. لما ما رد تخيلته عم يقرأ قرآن متل عادته، بس ما توقعت يكون غرقان بدمّه بسلاح مجرمين بيدّعوا الإسلام بلحاهم وعماماتهم. بخجل أقول أنا سورية.. لأن إذا حدا من برّا سألني: مين قتل والدك؟ شو جاوبه؟ واحد من بلدي؟”
عبث التقارير الرئاسية
تؤكد الشاهدة سعاد أن الحكومة المؤقتة استولت على أراضٍ زراعية بحجة أنها أملاك دولة أو “حرم النهر”، وهي الأراضي المحاذية لنهر الكبير الشمالي.
عاشت الطائفة العلوية فقرًا طويلًا وظلمًا خلال حكم بشار الأسد، وتعتمد في معيشتها على مواسم الأراضي الزراعية. لكن مع دخول النظام الجديد، تضاعفت المعاناة، تقول سعاد بحرقة:
“استولوا على أراضينا يلي كان بابا يزرعها من ٦٠ سنة. سرقوا ذكرياتنا قبل ما يسرقوا أرضنا. الناس يلي ضلّت أغلبهم ختيارة، والكل يخاف يمرّ من حواجزهم بأول الضيعة. حتى صاروا يسبحوا بالنهر لأنهم بخافوا يقطعوا الحواجز”.
صدر قرار رئاسي بتشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق، لكن اللجنة اعتبرت أن الانتهاكات “أفعالًا فردية”، وهو ما ساهم عمليًا في توسيع دائرة الجرائم.
صدر قرار رئاسي بتشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق،
لكن اللجنة اعتبرت أن الانتهاكات "أفعالًا فردية"
تسأل سعاد بألم عميق:
“ربّينا على حب سوريا. ما علّقنا صورة بشار ولا شاركنا بمسيرات. بابا علّمنا الوطنية. بابا يلي انقتل بحجة إنو طائفتنا مشتركة مع بشار. يعني لازم ٦٠ ألف علوي يتحاسبوا من وراه؟ لما كنا نجوع ما حدا سأل عنا، وهلق صرنا واجهة للموت؟”
بلد الطوائف المتَّهمة
أصبحت سعاد أسيرة خوف دائم. تخشى ذكر عناصر النظام الجديد، وتخاف الخروج من بيتها. تقول بحسرة:
“أكره انتمائي لسوريا. صارت علامة قتل الإخوة. بكره لفظ الطائفة لأنه صار علامة موت. السنة والدروز والعلويين والمسيحيين… كلنا صرنا أهداف. بدي أهرب من هالبلد.. بلد الحكام المجرمين والطوائف المتناحرة”.
إلى متى ستبقى الحرب؟ ومتى سينعم الساحل بالسلام؟ لا صوت للضحايا. يطالب الأهالي بلجان تحقيق دولية للكشف عن مصير المختفين، ومحاسبة الفصائل التابعة لحكومة الشرع، والاعتراف بالجرائم. ويطالب ذوو الضحايا بتدخل دولي يضمن الأمن، ويوقف الاختطاف والنهب، ويوفّر آلية آمنة لدخول الصحفيين ولجان التحقيق، والأهم عودة آمنة للمدنيين الفارّين من العنف.













