في مؤتمر “الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية” الأخير المنعقد في كوالالمبور، شكّلت الكلمة الافتتاحية للصحافية الفلبينية ماريا ريسا، الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2021، لحظة مشحونة بالالهام. مسيرةٌ إعلامية استثنائية في أثرها، ومحفوفة بالمخاطر بطبيعة الحال، تخلّلتها ملاحقات قضائية وحملات إلكترونية منظّمة قادتها لوبيّات موالية للرئيس الفلبيني دوتيرتي، مدفوعة بأشكال متعدّدة من التشويه السيبراني والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بعضها يفوق ما يمكن تخيّله. ومع ذلك، اختتمت ريسا سردها بنصيحةٍ نوعيّة، بدت كنداءٍ حاسم لأكثر من 1500 صحافي كانوا ينصتون بترقّب: “لقد حان وقت التعاون الراديكاليّ!”.
جاءت الأيام الأربعة اللاحقة بمثابة تأكيد على أهميّة هذا النداء. توالت عشرات الجلسات وورش العمل ولقاءات التشبيك، وكلّها تقريبًا قامت على شراكات عابرة للحدود. اللافت، ولا يمكن ألا يستوقف صحافيين/ات عرب مشاركين/ات، هو أنّ المنطقة العربية بدت بالكاد حاضرة على خريطة هذه التعاونات الصحافيّة. توجد فجوة غير مستغربة مع التجارب العابرة للحدود في أوروبا والولايات المتحدة، لكنّ المفارقة الأهمّ تظهر عند مقارنتها بدول أميركا اللاتينية، التي لا تتمتّع هي الأخرى بمناخات ديمقراطية مثالية. ومع ذلك، يتطوّر التعاون العابر للحدود هناك بشكل ملحوظ في المشاريع الاستقصائيّة.
ليس التعاون العابر للحدود في الصحافة منهجًا جديدًا في العالم، لكنه أصبح أكثر سهولة وفاعلية بفضل العولمة الرقمية وتطوّر أدوات التواصل وتبادل البيانات. تبلور بصورته الحديثة منذ التسعينيات مع ظهور شبكات تحقيق دولية مثل “الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين”، ثم تسارع بقوة منذ 2010 مع التسريبات الرقمية الكبرى مثل “وثائق ويكيليكس” تبعتها “وثائق باندورا” في العام 2021، وشكّلت منجمًا لمئات التحقيقات الاستقصائية العابرة للحدود.
ومع ذلك، لا تزال التجربة العربية في هذا المجال ضعيفة، ومشتّتة، وتستحق تقييمًا معمّقًا لفهم أسباب ضآلتها وكيفية تفعيلها.
غياب الموارد والسياق
“يتطلّب الأمر شبكة لمحاربة شبكة”، بهذا الاقتباس عن “مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظّمة والفساد” (OCCRP)، تعبّر الصحافيّة اللبنانية ورئيسة وحدة الصحافة الاستقصائية في موقع “درج” هلا نصر الدّين، عن جدوى وتأثير التعاونات العابرة للحدود، والّتي خاضت آخرها في مشروع “الإبادة البيئيّة” الأخير، الذي نشرت تحقيقاته في شهر كانون الثاني/يناير الفائت، بجهود صحافيّين وشركاء عرب ودولييّن، الأمر الّذي جعلها تلمس بوضوح تفاوتات في قلب التجربة نفسها.
تقيّم الصحافيّة اللبنانيّة غياب التوازن على مستوى الموارد، فـ”المنصات والشبكات الدوليّة ترصد فريقًا واسعًا من الصحفيين/ات والخبراء للعمل على ملفّ واحد، فيما غرفنا الاخباريّة لا تتجاوز قدراتها رصد شخص أو شخصين. كما تتمتّع الفرق بإمكانات مسهّلة في التنقّل والسفر، على عكس عوائق السفر التي يواجهها الصحافيّون في منطقتنا”.
بحسب مؤسسة شبكة “صحفيّات من أجل المناخ”، الصحافيّة العراقيّة خلود العامري، يلقي ضعف الموارد أعباء إضافيّة على كاهل المحرّر/ة العربي/ة ضمن المشاريع العابرة للحدود، وذلك بسبب اختلاف السياقات بين البلدان، وحتى اللهجات، الأمر الذي يتطلب مجهودًا ووقتًا مضاعفًا لإنجاز القصّة.
المنصات والشبكات الدوليّة ترصد فريقًا واسعًا من الصحفيين/ت والخبراء للعمل على ملفّ واحد، فيما غرفنا الاخباريّة لا تتجاوز قدراتها رصد شخص أو شخصين
في حين تخصّص مؤسسات إعلامية عالمية وشبكات دولية فرقًا كاملة وخبراء لتدقيق المعلومات، تصبح هذه المرحلة الحاسمة أكثر تعقيدًا وإرهاقًا للمحرّر/ة العربي/ة عند العمل على تحقيق عابر للحدود داخل المنطقة، إذ لا تزال معظم المؤسسات تفتقر إلى الكفاءات المتخصصة والأقسام المعنية بهذه المهمّة.
تقول العامري:”يترتّب عليّ كمحرّرة من العراق تدقيق المعلومات أيضًا، وهي تردني من بلدان عربيّة أخرى، أضيفي أنّ الكثير من الصحافيّين يعاملون المادّة كتغطية محلية، ويكتبونها بنفس محلّيّ من دون توضيح سياقات بلدانهم. وينتج عن هذا النقص في الوضوح خوضٌ في الأخذ والرد، واستفسارات طويلة، ويصبح الصحافيّ/ة مطالبًا بإعادة الصياغة وإضافة معلومات تعكس سياق البلد”.
التحدّي المشترك: الوصول إلى المعلومات
من ناحيته، يعتبر مدير تحرير شبكة “مواطن”، الصحافي المصري محمّد هلال، أنّ “غياب أو تعطيل حق الحصول على المعلومة، يشكّل تحدّيًا مشتركًا يواجه جميع الصحفيين تقريبًا في بلداننا العربيّة.”
استنادًا إلى التجربة اللبنانيّة، تلاحظ هلا نصر الدين “أنّه وعلى الرغم من إقرار الحق بالوصول إلى المعلومات، لكن لا تصلنا ردود من الإدارات والمؤسسات الحكوميّة، ولا تُحاسَب هذه الجهات على تقصيرها وتراخيها. وفي الكلام عن المحاسبة، يلاحظ أنّ التعاونات العابرة للحدود خارج المنطقة العربيّة أفضت إلى محاسبة الفاعلين/ات، وغيّرت في سياسات البلدان. بينما في منطقتنا، لا تحدث التعاونات الاستقصائية فارقًا، أو بالكاد تحدث، ما بات يؤثّر على معنويّات /ات واندفاع الصحافيين”.
تؤكّد هذا التحدّي خلود العامري، إذ تقول أنّ “البلدان العربية تواجه مشكلة عميقة في صعوبة الحصول على المعلومات، بسبب بيروقراطية معقّدة، كما أنّ الجهات الحكومية تحجب المعلومات عن الصحافيين/ات أو لا تعطي معلومات دقيقة. لا تتاح لصحافيينا مصادر مفتوحة بالقدر اللازم، وخاصة حين نطلب التقارير الحكوميّة، التي ينبغي أن تخضع للنشر التلقائي”.
وتورد مثالاً من العراق:”يعاني البلد أزمة تصحّر واضحة المعالم، لكن لا نجد في الوزارات المعنيّة معلومات، وهذا نمط ترسّخ أكثر بعد اضطرابات العام 2003. وحتّى معلومات وزارتي البيئة والزراعة، نجدها مأخوذة عن تقارير الأمم المتحدة، ولا توفّر مصادر أوّليّة”.
الاتهامات بالخيانة والعنف القانوني
تلاحظ العامري أنّ وزارات عراقيّة تلجأ إلى تصنيفات حساسة للمعلومات التي يطلبها الصحافي/ة، فتضع الأخير في خانة التخوين:”مثلا، تصنّف وزارة الموارد المائية المياه على أنّها “أمن وطني” وبالتالي تحجب معلوماتها. وهذا يقع تلقائيًا حين يعمل الصحفي/ة مع جهة دولة أو إقليمية، فيتّهم بأنه جاسوس وينقل المعلومة إلى منظمات غربية. تمتنع الوزارة عن كشف المعلومات تحت عنوان “الحفاظ على صورة العراق”.
من ناحيته، يؤكّد محمد هلال:”ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا مقارنة بمناطق أخرى هو حالة ارتياب الأنظمة العربيّة من العمل الصحافيّ عمومًا، ومن التعامل مع “جهات أجنبية” خصوصًا. هذا الارتياب قد يضع الصحافيين/ات أمام تهم لا ترتبط أو تتقاطع مع عملهم الصحفي”.
هناك صعوبة في حماية الصحافيين/ات غير النقابيين،
من تهمة "انتحال صفة صحافي/ة" في بعض البلدان
ويردّ قلّة انخارط الصحفيّين/ات في هذه التعاونات إلى أسباب أخرى مختلفة يلخصها بـ”تقييد حركة الصحافي في مناطق النزاع، أو صعوبة حماية الصحافيين/ات غير النقابيين من تهمة “انتحال صفة صحافي/ة” في بعض البلدان، إضافة إلى تحدّيات تختلف طبقًا للمنطقة الجغرافية، منها ندرة وجود صحافيين/ات في بعض الميادين العربيّة منفتحين على التعاون مع مؤسسات مستقلة أو غير حكوميّة”.
بالنسبة إلى خلود العامري، يشكّل اختلاف المناخ الديمقراطي والنص القانوني ضمن البلدان العربيّة تحدّيًا للمحرّرين/ات. عليهم التعامل مع كلّ صحافيّ/ة مشارك/ة، وفق سقف الحريات والقوانين مرعية الإجراء في بلده. وتورد مثالا “قد نضطر إلى حذف معلومات بعد نشرها لحماية الصحافي/ة والمصدر، وهذا حدث مع مزارعة من الجزائر حصلنا منها على مستندات قانونية تثبت ادعاءاتها، ثمّ طلبت منا الصحافية سحبها بسبب مخاطر قانونيّة وأمنيّة بدأت بالظهور”.
ديمقراطية الصحافة: من الأكثر قمعًا؟
تملي الخصوصيات في النظام السياسي والمناخ الديمقراطي ضمن البلدان والمناطق العربيّة، نتائج واضحة على قدرة الانخراط في المشروع الصحافيّ العابر للحدود.
تجد هلا نصر الدين أنّ لبنان، رغم حملات التضييق المتلاحقة التي يتعرّض لها الصحفيّون/ات والمدوّنون/ات والفنّانون/ات، والتصنيفات الأخيرة التي أشّرت إلى تراجع مساحة حرية الصحافة، واستدعاءات غير قانونيّة تطلب من الصحافيين/ات المثول أمام مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية عوضًا عن محكمة المطبوعات، لكن لبنان لا يزال يتمتّع بسقف عالٍ من الحريات مقارنة بجواره العربي.
وتضيف “كذلك لبنان يتمتّع بتجربة عريقة في الصحافة، مكّنت أجيالًا من الصحافيين/ات من ممارسات طويلة عزّزت قدرتنا على التعامل مع التحديات المنظومية، وزوّدت الصحافيين في لبنان بمستوى من المعرفة والمرونة في الملفات الاستقصائية والتعاونات العابرة للحدود”.
على المقلب الآخر، يجد محمد هلال أنّ الخليج العربي هو من أكثر الأماكن انغلاقًا على الصحافيين/ات عمومًا، وخاصة في تعاونات عابرة للحدود. خلاصة كوّنها من تكريس شبكة “مواطن” اهتمامًا مركّزًا في قضايا وملفّات الخليج العربي.
لبنان يتمتّع بتجربة عريقة في الصحافة،
مكّنت أجيالًا من الصحافيين/ات من ممارسات طويلة عزّزت قدرتنا على التعامل مع التحديات المنظومية
يقول:”بحكم تغطيتي منطقة الخليج العربي، أرى أنها من أصعب المناطق الجغرافية التي يمكن للصحافيين/ات العمل فيها، خاصة في تعاون عابر للحدود، وذلك للغياب شبه التام للصحافة الحرة والمستقلة عن السلطات في تلك البلدان. هذا الهامش شبه المنعدم للصحافة الحرة يجعل التعاون العابر للحدود في الخليج العربي في غاية الصعوبة”.
في الاتجاه نفسه، تلمس هلا نصر الدين أنّ الخليج العربيّ يطرح أكبر تحدًّ في التعاون العابر للحدود، وقد تضاهيه ليبيا.
تعطي مثالًا:”في مشروعنا حول “الابادة البيئية” كنا نثبت تورّط شركة “آدنوك” النفطية الإماراتية في انتهاكات بيئيّة، ما يقتضي التعاون مع صحفيّ من الإمارات. لكن كان من بالغ الصعوبة الوصول إلى صحافيين/ات، وحتى إن تواصلنا معهم، فهم غير قادرين على التعاون، لأن الشركة النفطية تابعة للدولة. ولم يؤمّن وضع “بروتوكولات الحماية المتقدّمة” الضمانات الكافية للصحافيين/ات، فاضطر المشروع إلى صرف النظر عن الاستعانة بصحافيين/ات من الخليج”.
نصائح للصحفيين: كيف تعزّز تغطيتك العابرة للحدود؟
لمواجهة هذه العثرات، ثمة خطوات عملية مدروسة أثبتت نجاحها في التجارب العابرة للحدود التي خاضها المحرّرون/ات الثلاثة، وهم يشاركون اليوم خبراتهم مع الصحفيين/ات العرب الراغبين في مشاريع مماثلة.
تنصح الصحافيّة هالة نصر الدين:
-استثمر/ي وجود شركاء من دول أوروبية وأميركيّة في مرحلة المواجهة والحصول على المعلومات. مع أنّنا وضعنا أسئلة مشتركة، لكن مرحلة التواصل مع الشركات العالمية تولّاها شركاء دوليّون ومن أميركا وأوروبا، لأنّه عادة لا يتم تجاهلها، وقد أصبنا في الرهان.
-استفد/استفيدي من الحماية القانونية وتدابير السلامة الرقمية العالية التي تتمتّع بها شبكات الصحافيين الدولية، وعادة ما يتمّ توحيدها خلال العمل العبر للحدود، ما يجعلك أيضًا تتمتّع/ين بهذه الحماية العالية، ولا يتركك بمفردك في مواجهة الادانة والتهديد.
-نمّ/ي روح الفريق لديك، سواء في مشاركة المعلومات والموارد -وهذه أهم مزايا الصحفي المنخرط في تحقيق عابر للحدود- أو أيضًا في الكلام عن المشاكل أو النقص في المعلومات أو الخبرة عندك، واطلب/ي المساعدة.
-لا تتخلَّ/ي عن النزوع إلى التميز والمنافسة الايجابية ضمن الفريق، ولكن في حدود المصلحة الجماعية التي لا يجب أن طغى عليها مصلحتك الذاتية.
-تذكّر/ي أنّ وجودك ضمن فريق يعني قرارات تحريرية مشتركة، بما فيها التأنّي في خطوات لديها تبعات أمنية على نفسك وعلى غيرك من الصحفيين. تأكّد/ي من عدم اتّخاذ قرار يعرّض أحدكم للخطر.
أمّا الصحافية خلود العامري، فتوصي بـ:
-شكّل/ي فرقًا كبيرة من لا يقلّ أعضاؤها عن ثلاثة صحفيين. كلّما توسّع الفريق، زادت القدرة على مواجهة التحدّيات، وتنوّعت المهارات والتخصصية، مما يوزّع المهام بطريقة أكثر فعالية، بين صحافي/ة لجمع المعلومات، وآخرون للمقابلات الميدانية، وللكتابة، وصحافي/ة لتحليل البيانات، وللأعمال الغرافيكية، وغيرها.
-استعن/استعيني بالخبراء قدر الامكان، فهم عادة ما يشاركون في “تقارير الظل” التي يعدّها المجتمع المدنيّ وتشكل قاعدة وافرة للاستقصاء. وقد يكون هؤلاء عاملين في مؤسسات حكوميّة، ويمكنهم بأسماء مستعارة كشف معلومات ومعطيات محتجبة عنك.
ويختم الصحافيّ محمد هلال بنصيحة أساسيّة:”ستواجه/ين الصعوبات ولكن أبدًا لا تيأس/ي، وستصل/ين في النهاية إلى مبتغاك. لكن الأهمّ هو أمانك الشخصي؛ لا توجد قصّة تستحقّ أن تتعرّض/ي لمخاطر من أجلها، أو هكذا أعتقد”.













