مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

خطاب الكراهية المقدّس

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
27/09/20259:07 م

“تخلّت النساء عن دورهن الأساسي في تربية الأبناء وخرجن للعمل، مما أنجب أجيالاً من المجرمين الذين تربوا في دور الحضانة بدلًا من رعاية أمهاتهم”. هذا ما قاله الشيخ الطاهر ضروي، خلال خطبة ألقاها في الجزائر، انتشرت عبر مقطع فيديو خلال الشهرين الماضيين من عام 2025، وأثارت جدلاً واسعاً عندما ربط بشكل مباشر بين عمل النساء خارج المنزل وارتفاع معدلات الجريمة. هذا التصريح، الذي حمل اتهاماً صريحاً للأمهات العاملات، لم يمر دون ردود أفعال.

وبينما أثار المقطع استياء شريحة كبيرة من الناشطين والناشطات في حقوق المرأة، تبيّن أنه انتشر على نطاق واسع في أوساط من يعتبرون ذكوريين، والذين رأوا في خطاب الشيخ فرصة لتأكيد أفكارهم. فقد بدت كلمات الشيخ بمثابة تبرير ديني لتجريد النساء من أبسط حقوقهن، وهو ما انعكس في العديد من التعليقات التي توافقت مع رأيه، مؤكدة أن “مكان المرأة هو البيت” ومطالبة الأمهات بالبقاء في منازلهن.

أصوات نسائية في مواجهة الخطاب

في المقابل، كانت الإعلامية كنزة موسوس من أبرز الأصوات التي تصدت لهذا الخطاب. ففي ردها على صفحتها الرسمية، عبّرت عن استيائها الشديد، مؤكدة أن هذا النوع من الخطاب يُعتبر “خطاب كراهية” يجب أن يتوقف فوراً. وتساءلت موسوس: “لماذا يتم دائماً التركيز على النساء، ولماذا يُستعمل خطاب رجال الدين الذكوري لاستعبادهن وتجريدهن من حقوقهن؟”.

“هذا الخطاب لا يقتصر على اتهام الأمهات العاملات بالتقصير فحسب، بل يمارس ضغطاً نفسياً هائلاً علينا، يهدد أحلامنا ويزرع في نفوسنا الخوف من المجتمع، مما قد يدفع الكثيرات للتضحية بمسيرتهن المهنية مقابل القبول الاجتماعي.” هذا ما تقوله نجوى راهم، الصحفية والناشطة النسوية.

ترى نجوى أن هذا الخطاب ليس مجرد رأي فردي أو زلة لسان، بل هو انعكاس لـ “ذهنية رجعية راسخة” لدى فئة واسعة في المجتمعات العربية، وفي الجزائر بشكل خاص. هذه الذهنية تحصر دور المرأة في المنزل فقط، وتعتبر أن أدوارها خارج هذا النطاق هي خروج عن المألوف، وهو ما يقصيها ويحرمها من حقها الطبيعي في الجمع بين الأمومة والعمل.

هذا الخطاب ليس مجرد رأي فردي أو زلة لسان،
بل هو انعكاس لـ "ذهنية رجعية راسخة"

وتوافقها كاميليا بكوش، وهي أم وعاملة في مجال العقارات، فتقول: “بصراحة، هذا الخطاب صادم ومحبط. أن يُقال إن الأمهات العاملات مسؤولات عن ‘تدمير الأجيال’ هو اتهام يقلل من كل التضحيات التي يقدمنها، ويولّد شعوراً عميقاً بالظلم والحزن. أنا شخصياً أشعر بهذا الألم لأنني أدرك صعوبة الموازنة بين العمل والمسؤوليات العائلية.”

وترى بكوش أنه بالرغم من أن هذا الخطاب يشعرها بالإحباط، إلا أنه يدفعها أيضاً للفخر بقوة وشجاعة الأمهات اللاتي يواصلن العطاء رغم كل شيء، ويزيدها إصراراً على إثبات أن العمل لا يعني التخلي عن أطفالهن، بل هو وسيلة لتكون قدوة لهم في المثابرة والمرونة.  

محرضون باسم الدين

إن ما تواجهه المرأة من خطاب كراهية على أيدي بعض رجال الدين في الجزائر هو مجرد فصل من قصة أوسع تنتشر في المنطقة العربية بأسرها، حيث يتكرر نفس النهج والأسلوب. ففي المغرب مثلاً، انتشرت خطب الشيخ فريد الأنصاري التي كانت تحطّ من قدر المرأة وتجعل من جسدها ملكاً مشتركاً للرجل، من الأب إلى الأخ فالزوج. لقد ربط الأنصاري شرف المرأة بغشاء البكارة، مجرّداً إياها من حريتها ومسؤوليتها عن ذاتها.

وفي مواجهة هذا الخطاب المنتشر لبعض رجال الدين، تؤكد أمينة أفيناد، الناشطة الحقوقية المغربية والمتخصصة في مجال الإعلام والتواصل، أن بعض رجال الدين يستغلون الخطاب الديني بشكل متطرف ليصبح عائقاً أمام حقوق وحريات النساء. وتوضح أن هذا الخطاب يعيد إنتاج صورة دونية للمرأة، متجاهلاً قيم العدل والكرامة التي هي جوهر الدين.

بعض رجال الدين يستغلون الخطاب الديني بشكل متطرف ليصبح عائقاً أمام حقوق وحريات النساء

في نفس السياق، يواصل خطاب الكراهية انتشاره، متخذاً أشكالاً مختلفة. مروان الفجر، صحفي من محافظة ديالى في العراق، يقول: “في الآونة الأخيرة تزايد خطاب الكراهية ضد النساء في العراق، حيث يستغل بعض رجال الدين منابرهم للتحريض. وقد تجلى ذلك في فتاوى وتصريحات تقلل من شأن المرأة وتدعو لتقييد حريتها في العمل والتعليم، مما يبرر العنف ضدها ويعزز بيئة غير آمنة لهن”.

هذا الاستهداف الممنهج للنساء يجد صدى له في مصر، حيث يرى أحمد سيد فتحي، الكاتب والمدوّن المصري، أن تصريح الداعية مبروك عطية “تحجبي عشان تعيشي” بعد مقتل نيرة أشرف، ألقى باللوم على ملابسها بدلاً من إدانة القاتل، وكان له أثر خطير. فقد شجع هذا التصريح على انتشار العنف ضد النساء، حيث شهدت الفترة اللاحقة وقوع جرائم قتل مماثلة لفتيات أخريات مثل سلمى بهجت في مصر وحتى خارجها مثل مقتل إيمان الرشيد.

هذه الحوادث المتكررة، بالتزامن مع صمت بعض رجال الدين أو حتى تحريضهم، تُبرز كيف يمكن لتصريحات تبرر العنف أن تؤدي إلى موجة من الجرائم المشابهة.

هل الحل في الرقابة أم في التوعية؟

في ظل الانتشار الواسع للخطابات الدينية المتشددة والمضللة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بين الفئات الشابة، يؤكد عبد الرؤوف عبدي، الناشط الحقوقي وخريج الاتصال الصحي، أن الاستراتيجيات الفعالة للحد من تأثير هذه الخطابات لا يمكن أن تقتصر على الرقابة وحدها. بل يجب أن تقوم على مقاربة شمولية تجمع بين الأبعاد المؤسساتية والتوعوية والإعلامية والقانونية.

يؤكد عبدي أنه يتعين على المؤسسات الدينية الرسمية تعزيز حضورها الرقمي وإنتاج محتوى تفاعلي وجذاب يخاطب الشباب بلغتهم، مع ضرورة إدماج التكوين الإعلامي والرقمي في إعداد الأئمة ليكونوا قادرين على مجاراة تحولات المشهد الاتصالي. ومن جهة ثانية، يظل الاستثمار في التربية الإعلامية وتنمية التفكير النقدي لدى الناشئة ضرورياً، بما يمكّنهم من التمييز بين الخطاب الوسطي المؤسس والخطاب العاطفي أو المتطرف.

أما من الناحية الاتصالية، فيرى أن إنتاج بدائل رقمية مبتكرة مثل البودكاست والفيديوهات القصيرة، إلى جانب إشراك مؤثرين شباب في نشر خطاب ديني وسطي، عامل أساسي في منافسة الخطاب الهامشي. وأخيراً، يظل الجانب التشريعي والرقابي مكمّلاً لهذه الجهود من خلال تفعيل القوانين المتعلقة بخطاب الكراهية والتطرف، والتعاون مع المنصات الرقمية الكبرى لضبط المحتويات المسيئة. فالجمع بين هذه الأبعاد هو ما يضمن بناء حصانة فكرية لدى الشباب ويحدّ من جاذبية الخطابات المتطرفة في الفضاء الرقمي.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x