صمت أثقل من القذائف: الذكورة في مواجهة الصدمة بعد قصف الضاحية وجنوب لبنان 2024
في غرفة ضيّقة استأجرتها عائلة نازحة من الضاحية الجنوبية، يجلس محمد (اسم مستعار)، رجل في أواخر الأربعينيات، يُمسك مسبحته بين يديه المرتجفتين. يقول بعد صمتٍ طويل: “ما بكيت قدّام حدا. وقفت قدّام بيتي المهدوم متل الصخرة. بس لما ناموا ولادي… حسّيت رجلي ما عم تحملني”.
كان يتحدث وكأنّ الكلمات تُنتزع منه، يهرب من فكرة أن يُرى منهارًا أمام زوجته وأطفاله، رغم اعترافه بأنه لم يعد ينام أكثر من ساعتين منذ ليلة القصف.
أما حسن (اسم مستعار)، شاب في أوائل الثلاثينيات نازح من الجنوب، يجلس مقابلنا يشبّك أصابعه بعصبية واضحة. يقول بصوت خافت: “بحسّ أصوات الانفجارات بعدها عايشة براسي… ولو ما في شي برا. بفزّ من النوم مفكّر في قصف جديد… بس ما في شي. ما بدي روح عند أخصائي، بخاف يقولوا عني ما بتحمّل”.
كان يتحدث عن خوفه من “كلام الناس” أكثر مما يتحدث عن القصف نفسه، وكأنّ الجرح الأكبر ليس الحرب… بل الصورة التي يُفترض أن يحافظ عليها كرجل.
هاتان الشهادتان ليستا استثناءً، بل نمطًا يتكرر في روايات رجالٍ كثر خلال الأسابيع الأخيرة من قصف الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان. رجال ينهارون من الداخل بينما يُفترض بهم أن يقفوا كالركائز من الخارج.
وراء الركام… صدمات لا تظهر في الصور
خلال خريف 2024، كانت الضاحية الجنوبية وجنوب لبنان تحت وقع ضربات متلاحقة، نزوح جماعي، ومستشفيات تعمل فوق قدرتها. ونقلت رويترز عن منسّق الأمم المتحدة قوله إن الوضع الإنساني والنفسي أصبح “كارثيًا”، وإن السكان “يعيشون مستوى من الخوف لم نشهده منذ سنوات”.
لكن الأرقام لا تقول كل شيء. فخلف صور الركام والدخان، تكمن جروحٌ صامتة لا تُلتقط بالكاميرا: الخوف الذي ينام في صدور الرجال… ولا يُقال.
جراح لا تُرى: عندما تُقمع العواطف باسم “الرجولة”
في مجتمعاتنا العربية، يُنشأ الطفل الذكر على أنّ البكاء ضعف، وأنّ الحزن “لا يليق بالرجال”. ومع الحرب، يتحول هذا المعتقد من مجرّد توقع اجتماعي… إلى قيد خانق.
يشير تقرير “هيومن رايتس ووتش” لعام 2025 إلى أن آلاف المدنيين، رجالًا ونساءً، عانوا صدمات نفسية نتيجة استهداف المدارس والمستشفيات والبنى المدنية، لكن الرجال تحديدًا يميلون إلى كبت الألم بسبب الدور الاجتماعي المفروض عليهم.
آلاف المدنيين، رجالًا ونساءً، عانوا صدمات نفسية،
لكن الرجال تحديدًا يميلون إلى كبت الألم بسبب الدور الاجتماعي المفروض عليهم
وثّقت تقارير ميدانية من وكالات دولية مشاهد لرجال يسيرون بين الركام ممسكين بأيدي أطفالهم بقوة مبالغ فيها، وكأنهم يحاولون طمأنة أنفسهم قبل أطفالهم.
يشيحون بوجوههم كي لا يُكشف ارتجافها، ويبتلعون الدموع كي لا تُفسَّر ضعفًا.
لكن الثبات الظاهر لا يعني غياب الانهيار… بل إتقانه.
الغضب الصامت… حين تتحوّل الصدمة إلى لغة أخرى
حين يُمنع الرجل من البكاء، تبحث المشاعر عن منفذ آخر. قد يظهر ذلك في صورة توتر دائم، انفجارات غضب صغيرة، أو انسحاب كامل من الحياة.
في هذا السياق، تقول الدكتورة شهرزاد نبوه، المعالجة النفسية المتخصّصة في العلاج المعرفي السلوكي:
“في المجتمعات العربية، يُربّى الرجال على أن التعبير عن الحزن أو الخوف ضعف. ومع أحداث العنف الأخيرة، يصبح هذا المعتقد عاملًا مضاعِفًا للأذى. الرجل الذي لا يُسمح له بالبكاء يميل إلى تحويل الألم إلى غضب أو توتر أو انطواء”.
وتضيف: “الكبت لا يحمي الرجل، بل يضعف قدرته على التكيّف. السماح بالتنفيس العاطفي، بما فيه البكاء، يقلّل من احتمالات تطوّر اضطراب ما بعد الصدمة. القوة ليست في الصمت، بل في مواجهة الألم”. كما يؤكد علماء النفس: الفقد الذي لا يُبكى يتحوّل غضبًا يطول أثره.
أثر الصدمة على العائلة والمجتمع
الكبت النفسي لا ينحصر في جسد صاحبه؛ بل ينتشر كظلّ ثقيل في البيت. التوتر، الانفعال، الانسحاب، وصعوبة النوم… كلها آثار تنتقل من الأب إلى الزوجة والأطفال.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن تدهور الخدمات الأساسية زاد من الشعور العام بعدم الأمان، ما رفع مستويات القلق داخل العائلات. وطالما يُطلب من الرجل أن يكون “الركن الأقوى”، يعيش كثيرون صراعًا مريرًا بين ما يشعرون به وما يُتوقَّع منهم.
يُطلب من الرجل أن يكون "الركن الأقوى"،
يعيش كثيرون صراعًا مريرًا بين ما يشعرون به وما يُتوقَّع منهم
إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت. تقول الدكتورة نبوه: “اللجوء إلى الدعم النفسي ليس علامة ضعف… بل خطوة علاجية أساسية تمامًا كما يذهب الإنسان للطبيب حين يُصاب بأي جرح جسدي”.
هذا التصور الجديد للرجولة، المبني على الاعتراف بدل القمع، هو الخطوة الأولى لكسر الدائرة السوداء للصدمة.
خلف الواجهات المحطّمة، يعيش رجال يحاولون النجاة من جرحٍ لا يُرى. وإذا كان الدمار الخارجي واضحًا، فإنّ الدمار الداخلي لا يقلّ قسوة.
وما دام المجتمع يربط الرجولة بالصمت، سيبقى الألم يتكاثر في الظل.
آن الأوان لتغيير الصورة النمطية: البكاء ليس ضعفًا… بل بداية الشفاء.
والرجال الذين يسمحون لدموعهم أن تنزل، هم أول من يبدأ بإعادة بناء ما تهدّم… في الداخل قبل الخارج.













