كيف تهدد سياسات التقشف صمود اللاجئين في جنوب لبنان؟
لم يكن محمد المقدّح يبحث عن علاجٍ إضافي، ولا عن رفاهٍ مؤجّل. كان يبحث فقط عن جهازٍ يُبقي جسده في دائرة الحياة. فشلٌ كلويٌّ حادّ وضعه في مواجهة مع رقمٍ قاسٍ: ثلاثة آلاف دولار ثمن جهاز غسيل الكلى. رقمٌ يبدو عابرًا في حسابات المؤسسات، لكنه في المخيم يتحول إلى جدارٍ أصمّ يفصل بين الحياة واستمرارها.
محمد، اللاجئ الفلسطيني في مخيم عين الحلوة في جنوب لبنان، لم يطرق باب الأونروا طلبًا للكرم، بل طالبًا لحقٍّ اعتاد أن يكون مضمونًا. غير أن الباب هذه المرة لم يُفتح. لم تُغطِّ الوكالة ثمن الجهاز، لا كليًا ولا جزئيًا. هكذا، وجد جسد محمد نفسه خارج جداول التغطية، كأنه تفصيلٌ فائض عن الحاجة في ميزانيةٍ مضغوطة.
لم يكن أمام عائلته سوى الاحتماء بالمبادرات الشعبية: حملات تبرّع، نداءات عبر وسائل التواصل، واستجداء تضامنٍ بات هشًّا هو الآخر. جُمِع المبلغ، لكن السؤال الأثقل ظلّ معلّقًا: ماذا عن الغد؟ وماذا عن آلاف الأجساد الأخرى التي لا تملك رفاه الانتظار ولا شبكة علاقات تُنقذها في اللحظة الأخيرة؟
من الحالة الفردية إلى الحلقة المستنزفة
يقول المدير السابق لمدرسة القدس المتوسط للبنين ونائب رئيس اتحاد المعلمين، حسّان السّيّد، أن الموظف اللاجئ كان عماد تقديم الخدمة داخل المخيمات، لكنه اليوم يجد نفسه محاصرًا بين تقليص الرواتب وضغط المعيشة: “الموظف لم يعد قادرًا على تغطية التزاماته العائلية، من أقساط جامعية إلى احتياجات صحية، والأمر تجاوز 20% ليصل أحيانًا إلى 50% من الخدمات الأساسية.”
السيد، الذي فُصل بعد عشرين عامًا من الخدمة في الأونروا مع عبارة “لم نستطع إثبات إدانتك لكن قرّرنا فصلك”، هو ناشط اجتماعي ونقابي ملتزم بالدفاع عن حقوق الموظفين واللاجئين الفلسطينيين داخل المخيمات في لبنان.
يضيف السيد أن أي خصم من الراتب، مهما كان بسيطًا، يُترجم إلى أزمة مباشرة بسبب الغلاء الفاحش الذي يعانيه المخيم. الموظف الذي كان يجد صعوبة في تغطية احتياجات أسرته، أصبح اليوم تحت ضغط مضاعف؛ انخفاض الرواتب لا يقلل فقط من دخله، بل يخلق شعورًا عميقًا بالظلم وانعدام الأمان الوظيفي. كما يشير إلى أن الضغط المالي يفاقم أزمات الموظفين على صعيد الصحة النفسية والاجتماعية، ويجعلهم عرضة للإرهاق المستمر والتوتر النفسي، ما ينعكس سلبًا على أدائهم المهني وحياتهم العائلية.
أي خصم من الراتب، مهما كان بسيطًا،
يُترجم إلى أزمة مباشرة بسبب الغلاء الفاحش الذي يعانيه المخيم
تتضح انعكاسات هذه السياسات بشكل أكبر في القطاع الطبي، حيث يأكّد أحد موظفو الأونروا (فضل عدم ذكر اسمه) لمنصة صلة وصل:
“خفض ساعات العمل وتقليص الأيام من خمسة إلى أربعة يؤدي إلى ضغط شديد على المرضى والموظفين معًا. المرضى لا يحصلون على الوقت الكافي للعلاج والمتابعة، كما أن كمية الأدوية قد تنفد أسرع مما كان متوقعًا، ما يزيد من المخاوف من فقدان الخدمة نهائيًا.”
عامل آخر في القطاع الصحي (فضل عدم ذكر اسمه) في الأونروا، يضيف:
“التقليصات ستؤثر بشكل كبير على أداء الموظف في تقديم الرعاية الصحية، وستخلق توترًا وقلقًا دائمين، بالإضافة إلى شعور بانعدام الأمان الوظيفي، ما يضعف القدرة على زيادة الإنتاجية ويقلل جودة العمل.”
وبحسب شهادة الموظف، فإنّ خفض ساعات العمل وخصم الرواتب لا يضرب الموظف وحده، بل يمتد أثره إلى المجتمع: تراجع الخدمات الصحية يؤدي إلى انتشار الأمراض وسوء التغذية، وزيادة التسرب المدرسي، وتراجع خدمات المياه والكهرباء، وكل ذلك يترك آثارًا واضحة على الاستقرار النفسي للأهل ويغذي الإحباط والإهمال.
التقشف كخطر اجتماعي
بحسب الناشط الاجتماعي المهتمّ بقضايا اللاجئين الفلسطينيين إبراهيم الحاج:”المخيمات حاليًا مثل جمر تحت الرماد، أي شرارة صغيرة يمكن أن تولد حدثًا كبيرًا.”
كل تقليص في الخدمات، وكل خصم من الرواتب، هو شظية في جدار هشّ يحفظ التوازن الاجتماعي. الفقر هنا ليس مجرد حالة اقتصادية، بل بيئة تولد التوتر، والضيق يتحول إلى توترات قد تهدد الأمن الداخلي والخارجي. ويضيف الحاج أن استمرار السياسات الحالية يضع الموظفين في حالة خوف دائم من التقليصات القادمة أو فصلهم نهائيًا، ما يزيد من هشاشة المجتمع ككل.
توضح شهادات المصادر السابق أن التراجع في قدرة الأونروا على تغطية الخدمات الأساسية أدى إلى تفكك شبكات التضامن التقليدية. الحملات المحلية أصبحت الحل الأخير، فيما تزداد هشاشة المجتمع في مواجهة أي أزمة طارئة. كل هذا يحدث بينما تواصل الإدارة الرسمية للوكالة تفسير الإجراءات بأنها مجرد تقشف مالي، متجاهلة الأبعاد الإنسانية والسياسية التي تحاصر اللاجئين.
التراجع في قدرة الأونروا على تغطية الخدمات الأساسية أدى إلى تفكك شبكات التضامن التقليدية
رغم الإشارة الرسمية من إدارة الأونروا إلى أنها تواجه عجزًا وتمويلًا ناقصًا يهدد استمرار خدماتها الأساسية، يشكل خلفية سياسية بحتة حسب الحاج:”الأمر ليس اقتصاديًا، الأونروا حصلت على تمويل من 150-160 دولة لتغطية 3 سنوات، لكن هناك أجندة لإنهاء خدمات الأونروا كرمز صمود الفلسطينيين.”
الضغط السياسي ينعكس على أرض الواقع بتقليص الخدمات وفرض قيود مالية على الموظفين الذين هم جزء من المجتمع المستفيد، ما يزيد من تفكك شبكة الأمان ويحول المؤسسة نفسها من مورد حماية إلى عامل ضغط مباشر على حياة اللاجئين.
الميزانية كقيد على الحياة
ما يربط بين محمد، والموظف اللاجئ، والمخيم بأسره هو شبكة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتلاقى على جسد الفرد والمجتمع. هنا، تصبح الميزانية محددًا للحياة اليومية، والقرار المالي يتحول إلى تجربة وجودية، يُقاس بمدى بقاء الإنسان على قيد الحياة، لا بمقدار الأموال التي توفرها الأونروا.
إن خفض الموازنة في الأونروا ليس مجرد إجراء إداري، بل فعل يختبر قدرة اللاجئين على الصمود، ويضعف الاستقرار الاجتماعي في المخيمات. التحدي الآن أمام المجتمع الدولي والأونروا نفسها هو إعادة النظر في سياساتها المالية والسياسية بما يضمن استمرار تقديم الخدمات الأساسية وحماية حقوق اللاجئين، بعيدًا عن القرارات التي تحاصر صمودهم وتزيد معاناتهم اليومية.













