مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

الأرشفة في زمن الإبادة: محاربة المحو واستعادة السردية

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
11/03/202611:33 م

لم تكن نكبة عام 1948 حدثًا عسكريًا عابرا، بل كانت أيضًا عملية إبادة للشعب الفلسطيني وإعادة تشكيل قسرية للجغرافيا والذاكرة معًا. لم تُدمَّر القرى الفلسطينية فقط، بل دُمِّرت معها خرائطها، سجلاتها، وأرشيفاتها العائلية. ولم يُقتلع السكان وحدهم، بل اقتُلعت الوثيقة. ومنذ ذلك التاريخ، باتت الذاكرة الفلسطينية تتحرك في فراغ أرشيفي جزئي، يُملأ بالرواية الشفوية، وبمحاولات متأخرة لاستعادة ما أمكن من الأثر.

اليوم، في حرب الإبادة على غزة والحرب على جنوب لبنان، ضاحية بيروت والبقاع، يعود السؤال ذاته بصيغة مختلفة “كيف يمكن حماية الذاكرة في زمن الإبادة؟ وكيف يتحول التوثيق من فعل حفظ إلى أداة مواجهة؟”

الخرائط كاستعادة للوجود

بالنسبة إلى المؤرخ والباحث في الخرائط الفلسطينية ومؤسس ورئيس هيئة أرض فلسطين في لندن الدكتور سلمان أبو ستة، لم تكن الخرائط يومًا أدوات محايدة، لذلك يوضح في  أن الكارتوغرافيا أو علم رسم الخرائط، استُخدمت تاريخيًا كأداة سلطة استعمارية لإعادة تشكيل المكان وفق سردية المنتصر. 

ويقول أبو ستة أنه في مواجهة هذا الاستخدام، جاء مشروعه في “أطلس فلسطين 1917- 1966” ليقلب المعادلة من خلال إعادة رسم أكثر من 1300 قرية فلسطينية، وتوثيق آلاف المعالم والأسماء التي حاولت النكبة طمسها. يشير إلى أن “رسم خرائط فلسطين ليس مجرد مسألة جغرافيا؛ بل هو مسألة بقاء ونضال ضدّ المحو”، فاستعادة أسماء القرى والحقول والينابيع بالنسبة له ليست تمرينًا أكاديميًا، بل تثبيتًا للوجود في وجه الرواية الإسرائيلية التي حاولت تكريس أسطورة “أرض بلا شعب”.

لا يمكن المساومة على حقوق الإنسان،
وحق العودة يبقى حقًا قانونيًا وتاريخيًا لا يُلغيه الزمن

ويعتبر هذا التصور أنه ليس ذاكرة جامدة، بل أداة استرداد للحق، لأن “لا يمكن المساومة على حقوق الإنسان”، وحق العودة يبقى حقًا قانونيًا وتاريخيًا لا يُلغيه الزمن ولا محاولات المحو. لذلك يمثل عمل أبو ستة “نموذج الأرشفة بعد الكارثة”، أي محاولة إعادة بناء ما مُحي بالفعل، لنتحدث هنا عن نوع آخر من الأرشفة فرضته اللحظة الراهنة وهو “أرشفة تُبنى أثناء الحدث، لا بعده”.

ليس ضياعًا.. بل محو

من جهتها، ترفض غادة دمشق أرشيفية وباحثة في التوثيق الرقمي من فريق مشروع محاربة المحو في الجامعة الأمريكية في بيروت، استخدام مفهوم “الضياع” لوصف ما يحدث للأرشيف الفلسطيني اليوم. الضياع، كما تقول، يعني أن الشيء ما زال موجودًا في مكان ما، ويمكن استعادته. أما ما يجري فهو “محو متعمّد للأثر” يتجلى بحذف لأدلة تُشكّل البنية المعرفية للرواية الفلسطينية.

وترى دمشق أن مفهوم المحو لم يتغير منذ 1948 حتى حرب الإبادة عام 2023، فالسياسة ذاتها تتكرر، لكن على نطاق أوسع، معتبرة أنه في النكبة كان التدمير ماديًا من خلال قرى تُهدم وأرشيفات تُحرق، أما اليوم يتكرر المنطق ذاته عبر التدمير المادي والحذف الرقمي معًا. فيما السؤال برأيها اليوم ليس أيهما أخطر، بل كيف يصبّ الاثنان في الهدف نفسه وهو محو الأثر، ومحو ارتباط الشعب بأرضه ومحو الرواية من المجال العام. 

تشير دمشق إلى أن الأرشفة الرقمية هنا تتحرك في سباق مع الزمن، تقول :”قد نجمع 300 منشور من أصل 500، ولا نعرف بالضبط ما الذي سقط في الطريق، لكن ما نجمعه أفضل من لا شيء”. 

 الأرشفة الرقمية اليوم تؤدي الدور نفسه في الزمن الفوري

وتعتبر أن الأدوات مفتوحة المصدر، الإنترنت غير مستقر والفريق محدود، متحدثة عن حالات عديدة، استُشهد فيها صحافيون/ت وأُغلقت صفحاتهم/ن بالكامل قبل أن يُؤرشف محتواها، ما يعني فقدان الأصل إلى الأبد. 

ورغم تطوير أدوات أكثر تقدمًا لاسترجاع البيانات والحفاظ على الـ ميتاداتا والوصف الكامل، تعترف دمشق أن المعركة غير متكافئة إذ لا يمكن إيقاف المحو كليًا لأن جزءاً سنخسره حتمًا.. لكن يمكن إنقاذ جزء آخر.

إذاً إن كانت خرائط أبو ستة قد أعادت تثبيت القرى على الورق بعد عقود من محوها، فإن الأرشفة الرقمية اليوم تؤدي الدور نفسه في الزمن الفوري، فالخرائط واجهت محوًا جغرافيًا بعد وقوعه، إلا أن الأرشفة الرقمية تواجه محوًا يحدث في اللحظة نفسها.

الأرشيف الشفهي كسيادة معرفية

في الجنوب اللبناني، تأخذ الأرشفة شكلًا مختلفًا. أماني رمال، الشريكة المؤسسة لمشروع “وثائقية“، تنظر إلى السرد الشفهي بوصفه بنية أرشيفية قائمة بذاتها، شرط إخضاعه لمعايير علمية واضحة. فالأرشيف الشفهي، كما تقول، يُنتج معرفة “من الأسفل”، ويعيد توزيع سلطة السرد، مانحًا الفاعلين الاجتماعيين حق تمثيل ذواتهم داخل الذاكرة العامة. 

وتتحدث عن السياق اللبناني، حيث تعرّض الجنوب لاعتداءات متكررة منذ 1948 وصولًا إلى الحرب اليوم 2026، لافتة إلى أنه لم يُوثّق تاريخيًا المشهد اليومي لتجارب الجنوبيين مع الاحتلال والنزوح المتعاقب. وترى أن الهشاشة البنيوية للمؤسسات، وتكرار تدمير المنازل بما تحمله من أرشيفات عائلية، جعلا الذاكرة عرضة لفقدان متكرر، مؤكدة أنه في هذا السياق، يصبح التوثيق “ممارسة سيادية” أي فعل مقاومة ضد الإبادة الأرشيفية وضد تفكك الاستمرارية التاريخي. 

وتضيف رمال أن جمع الروايات الشفوية يسهم في بناء “بنية سردية مشتركة” تعيد وصل الحاضر بالماضي، خاصة لدى الأجيال التي لم تعش فترة الاحتلال. الهوية الجماعية، في نظرها، ليست معطى ثابتًا، بل عملية تفاوض مستمرة حول معنى الصمود والخسارة والبقاء. 

أما الروايات الشفوية تنقل التجربة من مستوى الحدث العام إلى مستوى العيش اليومي كتفاصيل المعابر، أنماط العمل تحت الاحتلال وشبكات التضامن المحلي. لكن تحويل السرد إلى أرشيف يتطلب منهجية دقيقة، توصيفًا سياقيًا، سياسات إتاحة واضحة، حماية أخلاقية للشهود، وبنية حفظ تضمن الاستدامة، ودون هذه الشروط، يبقى السرد معرضًا للتبديد أو الاستخدام الانتقائي.

سباق مفتوح

بين خرائط ما بعد النكبة، وأرشفة السوشيال ميديا في زمن الإبادة، والسرد الشفهي للجنوب اللبناني، يتضح أن الأرشيف لم يعد مجرد مستودع للذاكرة، بل ساحة مواجهة. ما يتغير هو الوسيط، وما يبقى هو منطق المحو. الفرق الجوهري بين 1948 و2026 ليس في طبيعة السياسة، بل في سرعة المعركة. في الماضي، كان المحو يتم عبر الجرافة والنار، اليوم يُضاف إليه خوارزمية الحذف وخفض الانتشار. لكن في المقابل، أصبح “الأرشيف المضاد” أكثر وعيًا بذاته. 

فيما الفلسطيني – كما يقتبس مشروع مقاومة المحو عن الأرشيفي فادي عصلي – “يولد مؤرشفًا بطبيعته”. هذه العبارة تختزل مسارًا طويلًا من إنتاج الأرشيف المضاد أي أرشيف يُنشأ في مواجهة الأرشيف الإستعماري المهيمن، ويهدف إلى حفظ الروايات والتجارب التي جرى تهميشها أو طمسها  ومواجهة محاولات السيطرة على الرواية. 

وردا على سؤال”هل يمكن كسر دورة المحو نهائيًا؟”، تشير دمشق إلى أن موازين القوة غير متكافئة. لكن المعادلة ليست صفرية بالكامل. كل خريطة تُستعاد، كل منشور يُحفَظ، كل شهادة تُسجَّل، يضيف طبقة جديدة من المقاومة المعرفية، لأنه في زمن الإبادة، لا يقتصر العنف على الجسد أو المكان، يمتد إلى الوثيقة، الاسم، والسردية. 

لا يقتصر العنف على الجسد أو المكان، 
بل يمتد إلى الوثيقة، الاسم، والسردية

الأرشفة، في هذا السياق، ليست ترفًا أكاديميًا، بل ممارسة دفاعية: دفاع عن الحق في الوجود، وفي التمثيل، وفي أن تُروى القصة من موقع صاحبها. بين الورق والبيكسل والصوت، تتشكل اليوم معركة من نوع آخر، معركة لا تُحسم بالسيطرة على الأرض وحدها، بل بالقدرة على تثبيت أثرها في الذاكرة.

في نهاية المطاف، لا تدور معركة الأرشفة حول الماضي فقط، بل حول شروط الحاضر وإمكانات المستقبل. فحين يُستهدف المكان بالقصف، وتُستهدف الوثيقة بالحرق أو الحذف، يصبح الصراع على السردية امتدادًا للصراع على الأرض. 

وما تكشفه تجارب الخرائط لدى الدكتور سلمان أبو ستة، والأرشفة الرقمية لدى غادة دمشق، والسرد الشفهي في مشروع “وثاقية”، هو أن المحو ليس حدثًا عابرًا، بل سياسة مستمرة تتبدل أدواتها وتبقى غايتها واحدة هي تفكيك العلاقة بين الشعب ومكانه وإعادة تشكيل الذاكرة وفق رواية الغالب. غير أن الأرشيف المضاد – سواء كان خريطة تعيد تثبيت قرية على الورق، أو ملفًا رقميًا يُنقذ من الحذف، أو شهادة تُسجَّل قبل أن يبتلعها النسيان – يشكّل بدوره سياسة مضادة، إذ إنه لا يمنع الخسارة بالكامل، لكنه يحدّ منها ولا يوقف المحو كليًا. في هذا المعنى، تصبح الأرشفة ممارسة بقاء، ومجالًا لإعادة توزيع السلطة على الذاكرة.

في زمن الإبادة، حيث تتسارع عمليات التدمير المادي والرقمي معًا، لم يعد السؤال كيف نحفظ الأرشيف فحسب، بل كيف نحفظ القدرة على السرد. فالرواية التي لا تُوثَّق تُختزل، والذاكرة التي لا تُؤرشف تُعاد كتابتها من خارجها. لذلك، فإن استعادة السردية ليست فعلًا رمزيًا، بل شرطًا من شروط العدالة التاريخية وعدالة الحاضر أيضًا.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x