كيف دمرت صورة واحدة حياتي؟
في مجتمعات لا تزال في طور النضال لضمان العدالة الجندرية والكرامة الإنسانية لكل أفرادها، يبرز العنف الرقمي داخل العلاقات الزوجية كأحد أكثر أشكال الانتهاك تعقيدًا وهدوءًا في آن. عنف لا يحمل آثارًا جسدية ظاهرة، لكنه يُمعن في اقتحام المساحات الأكثر خصوصية في حياة النساء، ويحوّل العلاقة الزوجية، التي يُفترض أن تكون مأمنًا، إلى بيئة طاردة، مشحونة بالخوف والتجريد من الذات.
قصة الراقصة دينا في عام 2005 لم تكن حالة استثنائية، بل نموذج أولي لما يمكن أن تواجهه نساء كثيرات عندما يُستخدم الجسد كوسيلة للابتزاز، وتُحوَّل الخصوصية الزوجية إلى مادة تُسلب منها الوكالة ويُعاد تدويرها على منصات التشهير.
مع اتساع نطاق الانتهاكات الرقمية داخل البيوت، تتكاثر القصص التي تحكي عن نساء وجدن أنفسهن في قلب العاصفة: صور وفيديوهات جُمعت دون علمهن، ثم استُخدمت لاحقًا كأدوات ضغط، سواء للابتزاز، أو للسيطرة، أو للانتقام. تحقيقنا هذا يفتح نافذة على هذه الجرائم، ويعيد رسم خريطتها انطلاقًا من شهادات نساء اخترن ألا يلتزمن الصمت.
حين يُكسر الأمان من داخل الفراش
في عام 2022، بدأت ولاء عماد (اسم مستعار) لسيدة ثلاثينية، تلاحظ تغيرات مقلقة في سلوك زوجها. اعتادت أن تراه ينهض من جوارها بعد نومها، ليقضي ساعات طويلة في محادثات على “فيسبوك”. لم يكن يغلق هاتفه إلا مع شروق الشمس. بدأت الشكوك تراودها: “ربما يخونني؟”، لكنها لم تكن مستعدة أبدًا لحقيقة أشد وطأة بكثير.
“كنت متأكدة إنه بيخوني، بس اللي لقيته كان أكبر بكتير من خيانة.”
في إحدى الليالي، وفي غمرة من القلق، قررت أن تفتش هاتفه. تجاوزت تغيير كلمة المرور، ونجحت في الدخول. لم تجد المحادثات الرومانسية التي توقعتها، بل اكتشفت حسابًا غريب الاسم، لم يكن ضمن قائمة أصدقائه. فتحت المحادثة، وهناك بدأت الصدمة تتكشف.
الزوج لم يكن يخونها مع امرأة أخرى، بل كان يتبادل أحاديث جنسية مع حساب مجهول ويتحدث عن جسدها هي
الزوج لم يكن يخونها مع امرأة أخرى، بل كان يتبادل أحاديث جنسية مع حساب مجهول – على الأرجح يديره رجل متخفي – ويتحدث عن جسدها هي، وعن تفاصيل علاقتهما الحميمية، بلغة تسلخ عنها إنسانيتها.
“كان بيتكلم كأني مش مراته، كأني جسد سايب، بيتكلم عني كسلعة.”
مع مرور الوقت، بدأ الحساب يطلب منه صورًا لها، بادعاء تعزيز العلاقة الإلكترونية. ومن دون أي استشارة أو احترام لحقها في الخصوصية، أرسل الزوج صورًا لها، بينها صورًا حميمية التُقطت دون علمها.
“أنا مراته، وبيبعث صوري كأني شيء قابل للاستهلاك.”
لم تقتصر الانتهاكات على الصور، بل أرفقها بوصف دقيق وحميم لطبيعة علاقتهما، وأدق تفاصيل جسدها، في تجاوز كامل للحدود الإنسانية والأخلاقية. هذا التصرف لم يكن مجرد خيانة، بل عنف رمزي وجسدي يتغلغل حتى أعمق مستويات الأمان الشخصي.
“أنا كنت نايمة جنبه، وهو بيبيعني، وأنا مش عارفة.”
بين الهلع والصمت والمواجهة
سيطر عليها الخوف، ليس فقط مما اكتشفته، ولكن من الشخص الذي تشاركه السكن. خافت أن ينتقم منها، أن يعاود التصوير، أن يستخدم ما لديه لاحقًا لتخويفها. لم تصرخ. لم تواجهه على الفور. اكتفت بنسخ المحادثات، واحتفظت بها كدليل.
لثلاثة أيام، ظلت في حالة تجمّد. تائهة بين خيار المواجهة أو كتمان الألم. كانت تحسب كل الاحتمالات: لو أخبرت أهلها، هل يُنصفونها؟ ولو واجهته، هل يؤذيها؟
“كنت محاصَرة من كل الجهات… اكتشفت إن الأمان اللي كنت فاكرة نفسي فيه، كان وهم كبير.”
قررت مواجهته في مكان عام، لتضمن بعض الحماية لنفسها. وعندما أظهرت له الأدلة، أنكر في البداية، ثم انهار. ادعى أن ما فعله “غلطة”، وأنه لم يقصد إيذاءها. تذرّع بأن الصور “عادية”، لكن الحقيقة كانت أوضح من أن تُنكر: كان يصوّرها، ويشارك جسدها، دون إذنها، في جريمة مكتملة الأركان.
العودة القسرية… تحت المراقبة والخوف
اختارت “ولاء” مغادرة المنزل، لكنها لم تكشف كل شيء لعائلتها. كانت تخشى من “وصمة الطلاق”، التي لا تزال تلاحق النساء أكثر من اعتداءات أزواجهن. ظل الزوج يلاحقها، يستعطفها، يطلب منها الصمت والعودة. وتحت ضغط اجتماعي ونفسي هائل، بدأت تتلقى دعمًا نفسيًا، بترشيح من صديق مشترك.
“ماقدرتش أطلق في اللحظة دي… كنت بخاف من كل حاجة.”
عادت إلى المنزل بعد وساطات من عائلته، الذين حمّلوا المخدرات مسؤولية فعله، وطالبوها بالصفح. قبلت العودة، لكنها فرضت مراقبة صارمة على هاتفه، وكلمات السر، وحركاته. رغم ذلك، لم تشعر بالأمان.
“أنا بكمل بس أنا مش عايشة… بقيت عايشة في رعب ومراقبة مستمرة.”
الطلاق.. لا ينهي الملاحقة
على مدى عامين، تابعت علاجها النفسي. العلاقة بينهما كانت قد انتهت فعليًا، لكنها كانت بحاجة للوقت كي تُعيد بناء ثقتها بنفسها. أدركت أن العلاقة فقدت معناها يوم انتهك شريكها حدود جسدها وخصوصيتها.
“هو افتكر إن الحظر على الأكاونتات هو نهاية الموضوع… بس ده كان بداية فقداني للنوم والأمان.”
انفصلت عنه رسميًا، لكنها دفعت ثمنًا باهظًا: صحتها النفسية، كرامتها، وحتى حقوقها القانونية، التي تنازلت عنها مقابل الطلاق. كان بيتها الذي غادرته أشبه بـ”ركام خشب”، لكنها تركته لتحفظ ما تبقى من نفسها.
“كنت بدور على أي شكل من أشكال الحرية، حتى لو منقوصة.”
كنت بدور على أي شكل من أشكال الحرية، حتى لو منقوصة
لكن حتى بعد الطلاق، لم تتوقف الملاحقة. أنشأ حسابات وهمية، أرسل من خلالها رسائل تتضمن ألفاظًا خادشة، وسرديات مشوّهة عنها. أراد الانتقام، وكأن قرارها بالخروج من العلاقة كان جريمة.
“رجع ينتقم مني بكلام قذر، بيحاول يفضحني… وكأني أنا المذنبة في الجريمة اللي هو ارتكبها.”
حاولت اللجوء للقانون، لكنها اصطدمت بتعقيدات تتعلق بإثبات الهوية الرقمية. الحسابات الوهمية، واستخدام أدوات إخفاء الهوية، جعلت القضية أصعب. رغم ذلك، اختارت أن تشارك شهادتها في هذا التحقيق، أملًا في أن تنير الطريق لنساء أخريات.
“أنا مشيت في التحقيق ده علشان أقول لأي بنت: اللي حصل لي ممكن يحصل لأي واحدة… بس السكوت بيقويهم.”
الانتهاك يتكرر بأشكال مختلفة
من محافظة الجيزة المصرية، تروي سيدة رفضت التصريح عن اسمها، تبلغ من العمر 31 عامًا تفاصيل صادمة عن انتهاك زوجها لخصوصيتها، بعد زواج استمر ثماني سنوات، وأثمر عن طفلين. في البداية، لم تدرِ أن ما ينتظرها أبعد من خيانة تقليدية، وأقرب إلى عنف رقمي مركّب يهدد كيانها النفسي والأسري.
تقول السيدة إنها اكتشفت مؤخرًا أن زوجها أنشأ حسابًا وهميًا على “فيسبوك” باسم فتاة، ويستخدمه للتواصل مع رجال آخرين، متقمصًا شخصية أنثوية بشكل جنسي صريح. الكارثة، كما وصفتها، لم تكن في ميوله أو تصرفاته فقط، بل في تحويل حياتهما الخاصة إلى مادة لهذا المحتوى الرقمي، حيث راح يختلق قصصًا جنسية عنها، ويروي تفاصيل حميمة من علاقتهما دون علمها أو موافقتها، بل ويشارك صورًا شخصية لها – وإن كانت بلا وجه – مع أطراف مجهولة.
“عمري ما تخيلت إنه ممكن يعرّيني بالطريقة دي… كأن الجواز بالنسبة له ملوش حرمة ولا حدود.”
في البداية، لم تعرف كيف تتصرّف. لم تتمكن من مصارحة أهلها خوفًا من الوصمة أو تحميلها المسؤولية. وبعد صراع طويل، قررت أن تواجه أهل زوجها، لكنها فوجئت برد فعل لم يُنصفها: “هو مش واعي، بيتعاطى مخدرات، ما تخلّيش بيتك ينهار بسبب غلطة.”
“قررت أكمّل علشان ولادي… بس الحقيقة أنا ما بكملش، أنا بعيش تحت تهديد دائم.”
القانون واضح.. لكن العوائق أكبر
في تعليقها على هذه الوقائع، توضح المحامية الحقوقية عزيزة الطويل أن هذه الأفعال لا يمكن اختزالها تحت مسمّى “خيانة الأمانة” أو “مشاكل زوجية”، بل هي جرائم رقمية مكتملة الأركان، منصوص عليها في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
“ما يحدث مش خيانة أمانة… دي جريمة معلوماتية كاملة الأركان.”
وتؤكد الطويل أن القانون المصري يُجرّم بشكل صريح مشاركة الصور أو الفيديوهات الخاصة بأي شخص دون موافقته، حتى إن كانت العلاقة قائمة، أو تم التقاط الصور في سياق زواج رسمي. فالعلاقة الزوجية، بحسب القانون، لا تعني منح الشريك الحق في التعدي على الخصوصية أو استخدام الجسد كأداة للسيطرة أو الانتقام.
“في أحكام صدرت فعلًا ضد أزواج شاركوا صور زوجاتهم، حتى لو العلاقة لسه قائمة. الأصل في العلاقة دي هو الأمان، مش إنها تدي حصانة لحد يصور مراته ويبتزها أو يهددها بيها.”
وترى الطويل أن الشكل الأخطر من هذه الجرائم هو الابتزاز الرقمي داخل العلاقات الأسرية، حيث يُستخدم المحتوى الحميمي لإجبار المرأة على التنازل عن حقوقها، أو للسيطرة عليها نفسيًا، تحت التهديد المستمر.
الكارثة، لم تكن في ميوله أو تصرفاته فقط، بل في تحويل حياتهما الخاصة إلى مادة لهذا المحتوى الرقمي
رغم وجود نصوص قانونية، إلا أن العقبة الكبرى تكمن في الجانب التقني. فغالبًا ما يستخدم الجناة حسابات وهمية، أو تطبيقات VPN وهي (برامج تُمكِّن المستخدم من تصفح الإنترنت بشكل آمن ومجهول، عن طريق تشفير الاتصال وتغيير عنوان الـIP لتجاوز الحجب الجغرافي والرقابة)، مما يعقّد عملية التتبع القانوني. وتوضح:
“الضحايا غالبًا بيواجهوا صعوبة في إثبات الجريمة، خصوصًا لما المعتدي يستخدم أدوات إلكترونية متقدمة.”
وتضيف الطويل أن تقديم البلاغ حق قانوني مكفول، سواء كانت العلاقة قائمة أم لا، وتؤكد أن مسؤولية إثبات الجريمة لا يجب أن تُلقى على عاتق الضحية وحدها:
“دي مش قضية زوج وزوجة، ولا خصومة خاصة… دي جريمة نشر بدون رضا، وانتهاك صارخ للحياة الخاصة. مش مطلوب من الضحية تثبت الجريمة لوحدها. عليها تحكي، والجهات الرسمية تتولى التحقق. السرد الصادق هو بداية الحماية، مش نهايتها.”
“سوبر وومن”: حين يتحوّل الحب أو الزواج إلى فخ رقمـي
داخل مؤسسة “سوبر وومن”، وهي منصة نسوية تقدم الدعم للنساء الناجيات من العنف الرقمي، رصدت المديرة التنفيذية آية منير ازديادًا كبيرًا في عدد الحالات التي يتم فيها تسريب صور النساء على الإنترنت من قبل شركاء حاليين أو سابقين.
تروي آية حالة من بين عشرات: امرأة تسرب زوجها السابق صورها لمواقع إباحية بعد الطلاق، رغم أن الزواج كان عرفيًا بهدف الحفاظ على المعاش. وعندما تزوجت برجل آخر، عاد ليبتزها مجددًا بالمحتوى ذاته.
“ولما راحت للقانون، ما عرفتش تثبت الجريمة، لأن الصور اتسربت من موبايلها هي، بعد ما خدوه منها قبل الطلاق.”
تشير آية إلى أن غالبية المعتدين هم “الإكس”: سواء أزواج، أو خطّاب، أو شركاء عاطفيين سابقين. وتلفت إلى أن السياق القانوني أو الديني للعلاقة يؤثر بشكل كبير على رد فعل المجتمع، وعلى قدرة الضحية في نيل التضامن والدعم.
“لو الضحية كانت متجوزة، الناس أحيانًا بتتعاطف معاها. لكن لو العلاقة كانت عرفي أو خطوبة، نفس الجهات اللي المفروض تحميها ممكن تلومها، وتعتبرها شريكة في الخطأ.”
وتحذر آية من خطورة تصاعد الابتزاز الرقمي إلى عنف مادي قد يهدد الحياة نفسها، كما في حالة آية عادل، التي قُتلت على يد زوجها بعد أن حاولت التبليغ عنه.
“في كتير من الحالات، المعتدي بيبدأ بعزل الضحية عن الإنترنت، عن أهلها، عن أصحابها، لدرجة إن البنات بتختفي من السوشيال، وإحنا نفسنا مش بنقدر نوصلهم.”
ومن هذا السياق المؤلم نشأ مشروعهم الجديد “دليلة”، وهو برنامج توعوي يهدف إلى تعريف النساء بحقوقهن الرقمية، وتقديم أدوات لحمايتهن من العنف الرقمي القائم على النوع.
العلاقة الحميمة.. حين تُصبح سلاحًا ضد المرأة
تشرح هالة حمادة، الأخصائية النفسية الإكلينيكية ومديرة وحدة الدعم النفسي في مؤسسة “مؤنث سالم”، أن العلاقة الزوجية، في أصلها النفسي، يجب أن تكون مساحة آمنة تتأسس على الرضا والتكافؤ والخصوصية. لكنها تحذر من أن انتهاك هذه المساحة عبر المشاركة القسرية للمحتوى الحميمي يحوّلها إلى مصدر دائم للاضطراب والتهديد.
“لما زوج يشارك صور مراته، أو يحكي عن علاقتهم في مجموعات خاصة، ده مش بس تعدي، ده شكل من أشكال العنف الرمزي والفعلي… بيكسر شعور المرأة بالأمان والثقة في جسدها وفي نفسها.”
لو الضحية كانت متجوزة، الناس أحيانًا بتتعاطف معاها. لكن لو العلاقة كانت عرفي أو خطوبة، نفس الجهات اللي المفروض تحميها ممكن تلومها، وتعتبرها شريكة في الخطأ
تضيف هالة أن الكثير من النساء اللاتي تعرضن لهذا النوع من العنف يُصبن بأعراض اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD)، ونوبات هلع مزمنة، واضطرابات في صورة الذات، وقد تصل الأمور إلى أفكار انتحارية.
“حتى لو ما نُشرتش الصور علنًا، مجرد المعرفة إنك اتكلم عنك، أو إنك اتصورت، كفيلة تخلي الست تعيش في قلق دائم، وتهديد مستمر.”
وتلفت إلى أن العار المجتمعي غالبًا ما يُسلط على النساء، لا على المعتدين، ما يضاعف من شعورهن بالذنب والوحدة.
“اللوم دايمًا بيروح للمرأة، مهما كان الوضع. هي اللي تلام، حتى لو ما كانش ليها يد. ده بيرجع لأننا مجتمع لسه شايف المرأة كمسؤولة عن شرف العيلة، مش كإنسانة كاملة الاستحقاق في الخصوصية والسلام النفسي.”













