مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

قانون اللجوء في مصر: حماية أم قيد جديد على اللاجئات واللاجئين؟

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
09/11/20252:13 م

بعد عقود من غياب التشريع الوطني الذي ينظم أوضاع اللاجئين، أقر البرلمان المصري في ديسمبر 2024 أول قانون للجوء في تاريخ البلاد. خطوة وُصفت رسميًا بأنها “تنظيم ضروري لوضع ملايين الأجانب المقيمين في مصر”، ورحب بها أعضاء في مجلس النواب باعتبار القانون ينقل مصر إلى مصاف الدول المنظمة للجوء، بينما اعتبرتها منظمات حقوقية بداية لتقييد جديد يهدد منظومة الحماية الدولية. الصياغات الفضفاضة فيه، خصوصًا المتعلقة بـ”الأمن القومي والنظام العام”،  التي تفتح الباب أمام تقييد حرية اللاجئين أو ترحيلهم بشكل تعسفي.

تتبنى الحكومة المصرية في خطابها الرسمي موقفًا واضحًا من قانون اللجوء الجديد، يعتبر فيه أن التشريع “خطوة لتنظيم أوضاع اللاجئين بما يحفظ السيادة الوطنية ويخفف الأعباء عن الدولة.” وخلال مناقشات البرلمان، عرض ممثلو الحكومة أبرز أهداف القانون، مؤكدين أن اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين ستعمل تحت إشراف مجلس الوزراء، وأن قراراتها ستكون خاضعة للمراجعة القضائية.

أقر البرلمان المصري في ديسمبر 2024 أول قانون للجوء في تاريخ البلاد


ويرى عدد من النواب أن القانون ينسجم مع الدستور والاتفاقيات الدولية، إذ يمنح اللاجئين حقوقًا أساسية في التعليم والعمل والرعاية الصحية، مقابل التزامهم بعدم ممارسة أي نشاط سياسي أو حزبي داخل البلاد. وأوضح المستشار محمود فوزي، وزير الشؤون النيابية والقانونية، خلال جلسة مناقشة القانون في البرلمان، أن اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين “ستكون خاضعة للمراجعة القضائية، ولن يُسمح بأي شكل من الأشكال بتسليم اللاجئين إلى دولهم الأصلية”.وأكد أن القانون “يمنح اللاجئين الحق في التعليم والعمل والرعاية الصحية، بما يتسق مع الدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها الدولة”.

وتبرّر الحكومة هذا التوجه بحجم الأعباء المالية التي تتحملها نتيجة استضافة ملايين اللاجئين والمهاجرين، مشيرةً إلى أن تكلفة الخدمات المقدمة لهم في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية تُقدر بمليارات الدولارات سنويًا، بحسب بيانات برلمانية.

في المقابل، ترى منظمات حقوقية عاملة في ملف اللجوء أن القانون الجديد يفتح الباب لتسييس قضايا الحماية، بعد أن نقل صلاحية تحديد صفة اللاجئ من مفوضية الأمم المتحدة إلى لجنة حكومية خاضعة لمجلس الوزراء.

ترى منظمات حقوقية عاملة في ملف اللجوء أن القانون الجديد يفتح الباب لتسييس قضايا الحماية

وتشير الورقة التحليلية الصادرة عن منصة اللاجئين في مصر إلى أن تشكيل اللجنة “يُفرغ مبدأ الاستقلالية من مضمونه” لكونها تضم ممثلين عن وزارات وأجهزة أمنية فقط، دون إشراك جهات مدنية مستقلة أو منظمات ذات خبرة فنية في شؤون اللجوء.

ويحذر التحليل من أن منح اللجنة سلطة إبعاد طالبي اللجوء في حال رفض الطلب  وفق المادة السابعة  يُعد مخالفة صريحة لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية عام 1951، كما أن القانون يكرر استخدام مصطلحات فضفاضة مثل “الأمن القومي” و”النظام العام” دون تعريف محدد، ما قد يسمح باستخدامها لتقييد الحقوق أو تبرير قرارات تعسفية.

وتلفت الورقة كذلك إلى غياب آليات واضحة للطعن في قرارات اللجنة أو تمكين اللاجئين من الحصول على تمثيل قانوني فعّال، إذ يشترط القانون وجود إقامة رسمية لتوكيل المحامين، وهو ما لا يتوافر فعليًا لمعظم طالبي اللجوء.


وتخلص إلى أن هذه الثغرات، مع غياب اللائحة التنفيذية، قد تجعل من القانون “أداة لتقييد الحماية بدلًا من تعزيزها”، مؤكدة الحاجة إلى نقاش مجتمعي موسع وإلى مشاركة منظمات اللاجئين في أي عملية مراجعة أو تعديل مستقبلي.

ورغم أن هذه المخاوف بدت في ظاهرها قانونية أو فنية، فإنها انعكست سريعًا على مشاعر اللاجئين أنفسهم، الذين وجدوا أنفسهم أمام قانون جديد لا يعرفون بعد كيف سيُطبق عليهم.

غياب آليات واضحة للطعن في قرارات اللجنة أو تمكين اللاجئين من الحصول على تمثيل قانوني فعّال

فبينما تؤكد المنظمات أن غياب اللائحة التنفيذية يترك ثغرات واسعة في آليات الحماية، يقول لاجئون يعيشون في مصر إنهم لم يتلقوا أي توضيح رسمي حول القانون أو ما يمنحه من حقوق ويلزمه من التزامات.

وتظهر الشهادات التي رصدها هذا التحقيق، تتنوع مشاعر اللاجئين بين الأمل في تحسين أوضاعهم، والقلق من أن تتحول النصوص القانونية إلى قيود جديدة على حريتهم في التنقل والعمل والعيش بأمان.

وتُعد الجالية السودانية أكبر تجمع للاجئين وطالبي اللجوء في مصر  فقد سجلت المفوضية نحو 672 930 لاجئًا سودانيًا حتى مارس 2025، بينما تشير بيانات حكومية إلى دخول أكثر من 1.2 مليون سوداني منذ اندلاع النزاع في السودان. أمام هذا الحجم، تقول الناشطة السودانية سلوى سعيد إن القانون الجديد يُمثل سيفًا ذو حدين”.إذ ترى أنه يحمل في طياته بعض الحقوق التي افتقدها اللاجئون في السابق، لكنه في الوقت ذاته ينتزع منهم حقوقًا أخرى.


تقول: “القانون يمنح اللاجئين الاعتراف بشهاداتهم داخل مصر، ويقر بحقهم في التعليم الأساسي وممارسة المهن الحرة إذا كانت شهاداتهم معترفًا بها، وهي خطوة إيجابية بالتأكيد. لكن في المقابل، تنص مواده على أن من اكتسب صفة اللاجئ قبل صدور القانون سيخضع أيضًا لأحكامه، وهو ما يثير القلق”.

وتضيف أن أكثر ما يقلقها هو استخدام تعبيرات فضفاضة مثل “الخوف الجدي” لتحديد من يستحق الحماية، لأن هذا المفهوم “غير منضبط قانونيًا ويترك مساحة واسعة لتقدير السلطات”.
وترى أن بعض المواد تتعارض مع ثقافات مجتمعية لدى اللاجئين، موضحة: “القانون يجرم من يؤوي طالب لجوء دون إخطار الشرطة، لكن من الصعب أن أبلغ عن قريب لي لمجرد أنه لجأ إلي”.

وتشير سلوى إلى أن أغلب اللاجئين لم يكونوا على علم بالقانون وقت صدوره، ولم تُطلق السلطات أي حملات توعية رسمية به، قائلة: “عرفت به عن طريق مبادرة مدد، التي نظمت لقاءات توعوية وشرحت لنا مسودته وحقوقنا بموجبه”.

وتختم بقولها إن، القانون ما زال في حكم المعطل إلى حين صدور لائحته التنفيذية، وأن نقل صلاحيات المفوضية إلى لجنة حكومية “يثير مخاوف حقيقية، لأن التعامل مع جهة تنفيذية مثل وزارة الداخلية لا يمنح اللاجئين الشعور بالأمان أو الثقة.

يعتبر المحامي والخبير في شؤون الهجرة واللجوء٬ مصطفى الحسن٬ أن القانون بصيغته الحالية يمنح اللجنة الحكومية سلطات واسعة من دون وجود ضوابط أو آليات رقابية فعالة.

ويقول الحسن إن “اللجنة بتشكيلها الحالي تملك صلاحية تقرير من يستحق صفة اللاجئ أو لا، وهو أمر يحمل خطر التسييس، خاصة مع غياب تعريف دقيق لمفاهيم مثل الاضطهاد أو الأمن القومي”.

ويضيف أن القانون لم يضع ضمانات حقيقية للطعن على قرارات اللجنة أو لإعادة النظر فيها، إذ يكتفي بعبارة عامة حول المراجعة القضائية دون تحديد إجراءات واضحة، ما قد يحد من قدرة طالبي اللجوء على الدفاع عن أنفسهم قانونيًا.كما ينتقد غياب النص على حق اللاجئ في التواصل مع محامٍ أثناء نظر طلبه، موضحًا أن الإجراءات الحالية تجعل من المستحيل تقريبًا توكيل محامٍ ما لم يكن لطالب اللجوء إقامة قانونية سارية.

ويحذّر الحسن من أن المواد التي تخول اللجنة اتخاذ “تدابير ضد اللاجئ” بذريعة الأمن القومي تمنحها سلطة واسعة قد تُستخدم للاحتجاز أو الإبعاد، خاصة في ظل غياب تعريف واضح لهذه التدابير أو آلية لمراجعتها قضائيًا. ويضيف أن هذه الصياغات الفضفاضة تجعل القانون عرضة لسوء التطبيق، وتفتح الباب أمام استخدام استثناءات الأمن العام لتقييد الحريات.

بعد الانتقادات الحقوقية التي طالت القانون من خبراء ومحامين، تتجاوز الأسئلة الطابع القانوني البحت لتصل إلى حياة اللاجئين اليومية، حيث تظهر مخاوف أوسع من مجرد النصوص أو الصلاحيات. فبينما يرى الحقوقيون أن بعض مواد القانون تفتح الباب أمام تفسيرات أمنية قد تُستخدم لتقييد الحقوق، يعيش اللاجئون حالة من الارتباك والضبابية في فهم ما تعنيه تلك التشريعات الجديدة بالنسبة إليهم. في هذا السياق، تنقل شهادات منظمات تعمل ميدانيًا مع اللاجئين صورةً أكثر قربًا للواقع.

تقول شيماء سامي، مديرة مبادرة مدد لدعم اللاجئين، إن القانون الجديد أُقر من دون أن يُصاحبه أي جهد رسمي لتوعية اللاجئين أو المنظمات العاملة معهم، مما ترك فراغًا كبيرًا في الفهم والخطاب.
توضح أن المبادرة، إلى جانب عدد من المنظمات المستقلة، حاولت سد هذا الفراغ من خلال عقد ورش تعريفية وشرح المسودة القانونية، لكنها لاحظت أن “اللاجئين ما زالوا يشعرون بالارتباك وعدم الثقة في ما إذا كانت هذه القوانين ستُطبّق لصالحهم أم ضدهم”.

القانون يحتوي على بعض النقاط الإيجابية، 
لكنه في الوقت نفسه مليء بمناطق رمادية قد تُستخدم لتقييد الحقوق

وتضيف شيماء أن القانون يحتوي على بعض النقاط الإيجابية، لكنه في الوقت نفسه مليء بمناطق رمادية قد تُستخدم لتقييد الحقوق. اللاجئون الذين نتعامل معهم يسألون عن تفاصيل حياتهم اليومية  من الحق في التعليم والعمل إلى الرعاية الصحية والدفن  ولا يجدون إجابات واضحة حتى الآن.

وتشير إلى أن غياب اللائحة التنفيذية بعد مرور أشهر على صدور القانون يضاعف هذا الغموض، إذ تقول:”الكثير من اللاجئين ما زالوا لا يعرفون ما الذي سيحدث لاحقًا، فهم معتادون على التعامل مع المفوضية السامية رغم ما يواجهونه من صعوبات في ذلك، ولا أحد أوضح لهم بعد كيف سيتغيّر وضعهم أو من ستكون الجهة المسؤولة عنهم في المرحلة المقبلة”.

وتتابع: “بدأنا في مدد نشرح القانون من منظور حقوقي، ونوضح بنوده للفئات المستهدفة، لكننا نحتاج إلى دور أكبر من الدولة نفسها في التواصل مع اللاجئين بلغة يفهمونها ويثقون بها”.
وتختم بقولها إن أكثر ما يقلقها هو نقل العلاقة بين اللاجئ والدولة من الإطار الإنساني إلى الأمني، مشيرة إلى أن التعامل مع جهة مثل وزارة الداخلية لا يمنح اللاجئين الشعور بالأمان أو الشفافية.

في النهاية، يظل قانون اللجوء الجديد في مصر خطوة فارقة بين مسارين متناقضين:

مسار الدولة الباحثة عن التنظيم والسيطرة على أوضاع ملايين المقيمين على أرضها، ومسار اللاجئين الباحثين عن الحماية دون خوف. وحتى صدور لائحته التنفيذية، سيبقى القانون معلقًا بين الوعود بالحماية ومخاوف التقييد.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x