في صباح يوم 22 سبتمبر/أيلول 2025، تفاجأ الجميع بخبر العفو الرئاسي عن علاء عبد الفتاح. وفي مساء ذلك اليوم، عمّت فرحة عارمة مع انتشار صور عودته إلى أحضان والدته وأخواته، بعد خمس سنوات قضاها في السجن. كانت المعاناة أكبر بعد الخبر الذي نزل عليهم كالصاعقة: وهو عدم احتساب السنوات التي قضاها في الحبس الاحتياطي. كان هذا يعني أن علاء سيمضي سنتين إضافيتين في السجن، وبالفعل كان قد أمضى منهما ثمانية أشهر تقريبًا قبل قرار العفو الرئاسي عنه.
لمن لا يعرف قصة علاء ووالدته، يمكن تلخيصها في كونها سنوات من الإضرابات، والمناشدات، والمفاوضات، والمظاهرات، وطلبات العفو، والمحاولات المستميتة للإفراج عنه، حتى أن الأمر وصل إلى تدخل شخصي من رئيس وزراء بريطانيا الذي طلب من الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيًا النظر في أمر علاء. ولكن حتى مثل هذا التفاوض الدبلوماسي لم يغير شيئًا من الواقع. لم يتغير إلا بحق الرئيس الدستوري في العفو عنه حينما أراد هو ذلك.
في كل قضية تخص النساء، يصرخ الحق محاولًا جذب الانتباه لنفسه،
لكن العيون لا تلتفت إلا إلى الباطل والظلم
تتباين الأقاويل حول صحة سجن علاء من الأساس، ولكنه سُجِن بأمر. وخروج علاء بعد ثمانية أشهر من السجن ظلمًا لم يتم إلا بأمر. وهكذا هو الحال، ليس في بلادنا نحن فقط، ولكن في كل بلد تشبعت بالقهر، وإهدار الكرامة، ومعاملة الشعوب كقطيع يُجر، ويأكل بأمر، ويشرب بأمر، وينام بأمر.
“أصل الشعب ده ما ينفعوش غير الحكم العسكري، غير كده الدنيا تبوظ”. جملة من المؤكد أنك سمعتها ولو لمرة واحدة في حياتك. لكنني أدركت مؤخرًا أن الأمر لا يقتصر على مصر وحدها؛ فمنذ فترة، أخبرني صديق من السودان أن تلك الجملة تتردد عندهم أيضًا. وهكذا هو حال كل بلدٍ تربّى أبناؤه على تذوق البيادة العسكرية، حتى وصلنا إلى مراحل الاستمتاع بها والتسليم باستحالة الاستغناء عنها. غير أن ما يغفله كثيرون هو أن من عاش مقهورًا سيمارس القهر في أول فرصة تتاح له.
فالذي سجن وأفرج عن علاء بأمر، دون أي اعتبار أو احترام لسيادة قانون أو نصوص دستورية، لا يختلف كثيرًا عن أمين الشرطة الذي يبتزك ويقهرك من غير وجه حق، ولا عن الموظف الحكومي الذي يتلذذ بتعطيل معاملاتك حتى من دون انتظار رشوة، فقط لمتعته الشخصية أو لقناعته بعدم استحقاقك لإنهائها بسرعة. وهؤلاء أشبه بالمدرّس المتسلّط على تلاميذه في المدرسة، يمارس العنف لا التعليم، لأنه يعلم أن لا قانون يردعه ولا رقيب يحاسبه؛ فهو وحده صاحب القرار والتنفيذ.
الذي سجن وأفرج عن علاء بأمر، دون أي اعتبار لسيادة قانون، لا يختلف كثيرًا عن أمين الشرطة الذي يقهرك من غير وجه حق
للقهر سيرة خاصة حين يأتي الحديث عن النساء، غير أن الالتفات إليها صعب، لأن قهر النساء أمر يوافق مزاج الأغلبية. فلا نتذمّر منه، ولا نكتفي بالتعود عليه في صمت، بل نبرره وندافع عنه. ندافع عن قاتلٍ لامرأة لم تفعل سوى أنها رفضت الارتباط به، وندافع عن زوجٍ قتل زوجته لأنه تشكّك في سلوكها من غير أي دليل، بل وحتى لو وُجد الدليل، سندافع عنه أيضًا. في كل قضية تخص النساء، يصرخ الحق محاولًا جذب الانتباه لنفسه، لكن العيون لا تلتفت إلا إلى الباطل والظلم.
والقهر لا يستثني أحدًا؛ فإن فكرتَ في تقديم محتوى يضم بعض الألفاظ التي اعتاد المجتمع تصنيفها بأنها “خادشة”، حتى لو لم تُوجَّه لشخص بعينه، فقد تجد نفسك متهَمًا بالتشهير، ومهددًا بالحبس بقرار فردي. وأمامنا مثال حي في صانع المحتوى المصري محمد عبد العاطي، الذي ما يزال حتى لحظة كتابة هذا المقال محبوسًا من دون إدانة واضحة، سوى أنه صدر أمر بحبسه، وكان ذلك كافيًا.
لا يكتفي الظالم بممارسة ظلمه ولكنه يرى أن رفعه، بابا من أبواب العفو
في كل شارعٍ من شوارع وطننا الحبيب، يُمارَس القهر بمختلف أشكاله وألوانه. ولو تتبعنا أصوله، لوجدنا الانفلات وغياب سيادة القانون بعدلٍ وحسم، ولوجدنا سوء الأخلاق وميل بعض النفوس البشرية إلى الانحراف. لكن إن أردنا الوصول إلى الجذور، لا بد أن نعترف بأن القهر الممارَس اليوم ليس سوى صدى لذلك القهر الذي وُلد الشعب في كنفه منذ أول لحظة.
ولكن ليت الأمر ينتهي بنا هنا، دكر برتولد بريشت على لسان النازية في إحدى أعماله أنه بإمكانك جعل قطة تأكل معلقة مسطردة بشراهة بعد غرسها في مؤخرتها. وهكذا يُنتظر منك بعد هذا السلسال من القهر، الشكر والثناء على فيض كرمه في العفو عنك بعد إذلالك، فلا يكتفي الظالم بممارسة ظلمه ولكنه يرى أن رفعه بابا، من أبواب العفو.














ننتظر الكثير من الرائع سامي منذر❤️👏