مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

كيف قضت الحرب على آمال القطاع السياحي في لبنان؟

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
15/09/202511:45 م

لبنان، هذا الشريط الجبلي والساحلي في قلب الشرق الأوسط، لم يكن يوماً مجرد فضاء جغرافي عادي أو عابر في الشام، بل شكّل دائماً بتلك الجغرافيا المميزة نقطة التقاء الحضارات والتاريخ والثقافات. يبرز القطاع السياحي كأحد أبرز مظاهر هذه المكانة الحضارية، ليس فقط كمصدر دخل اقتصادي، بل أيضاً كدليل على قدرة الدولة والمجتمع على تحويل مواردهم كأداة للتنمية.

وفي صيف 2025، بدا هذا الدور على وشك أن يستعيد مكانته؛ ففي منتصف يونيو، سجلت فنادق بيروت معدلات إشغال بلغت 80% عقب عيد الأضحى، فيما استقبل مطار رفيق الحريري الدولي أعداداً قياسية من السياح؛ ما كان يُبشّر بانفراجة اقتصادية محتملة، ويعكس ثقة جزئية في قدرة لبنان على مواجهة أزماته البينية. 

بيدَ أن هذه التوقعات اصطدمت سريعاً بواقع جيوسياسي هش؛ لا سيّما عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية-الإيرانية التي استمرت 12 يوماً؛ لتكشف هشاشة القطاع السياحي اللبناني أمام الصدمات الأمنية، وتُبرز في الوقت نفسه أزمة أعمق تُمثِّل جوهر مأزق الدولة اللبنانية؛ مثل غياب القدرة على فرض السيادة، وازدواجية القرار بين الدولة وحزب الله خارج المؤسسات الرسمية حول مسألة حصر السلاح؛ ما يجعل أي انتعاش اقتصادي رهينة واقع سياسي غير مستقر، ويُحوّل التحدي السياحي إلى اختبار وجودي للسيادة اللبنانية نفسها.

مؤشرات كاشفة

قبل اندلاع الصراع الإيراني الاسرائيلي، كانت كل المعطيات تشير إلى أن صيف 2025 مُهيأ ليكون نقطة تحول إيجابية للقطاع السياحي اللبناني؛ معتمدةً على أسس تاريخية و انفراجات دبلوماسية وأرقام ميدانية مبشّرة كانت تبعث الأمل في تعافي الاقتصاد. ويتضح ذلك في النقاط التالية:

١- استعادة دور القطاع السياحي كمحرك أساسي للاقتصاد اللبناني: شكّلت السياحة تاريخياً أكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان قبل أزمة 2019، وفقاً لتقرير موقع  This is Beirut. وفي عام 2019، بلغ إجمالي إيرادات السياحة 954,6 تريليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل حوالي 8,3 مليار دولار أمريكي؛ مما يؤكد الدور الحيوي الذي لعبه القطاع في دعم الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل وقتذاك.

في منتصف يونيو، سجلت فنادق بيروت معدلات إشغال بلغت 80% عقب عيد الأضحى،
فيما استقبل مطار رفيق الحريري الدولي أعداداً قياسية من السياح

ومع بداية الأزمة الاقتصادية في لبنان، شهد القطاع السياحي تراجعاً كبيراً، حيث انخفضت الإيرادات إلى 2,35 مليار دولار أمريكي في عام 2020، نتيجة جائحة كوفيد-19 والأزمة المالية المتفاقمة. ومع ذلك، بدأت الإيرادات في التعافي تدريجياً، لتصل إلى 6,11 مليار دولار أمريكي في عام 2023؛ ما يعكس قدرة القطاع على التكيف ومواجهة الصدمات الاقتصادية. 

وفي عام 2024، شهد القطاع السياحي انتعاشاً ملحوظاً، إذ ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 19,8% مقارنة بـ 8,4% في العام 2023، ودعم أكثر من 315 ألف وظيفة؛ مما يؤكد دوره الحيوي كمحرك اقتصادي رئيسي ومصدر رئيسي للعمالة.

غير أن التحديات الأمنية ظلت تلقي بظلالها على القطاع السياحي، حيث تأثرت السياحة سلباً بسبب النزاع المسلح بين اسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان في عام 2024، وتوقعت الأمم المتحدة أن تنخفض مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5,5% في ذلك العام.

ويُضاف إلى ذلك أن معدلات التضخم المرتفعة خلال السنوات السابقة، والتي بلغت ذروتها في مايو 2023 عند أكثر من 260%، قد هدأت نسبياً في 2025 لتصل إلى حوالي 14% مايو 2025، مما يتيح فرصة سانحة للقطاع السياحي لاستعادة دوره كمحرك أساسي للاقتصاد، عبر جذب السياح ورفع القدرة الشرائية للسكان المحليين، شريطة استمرار الاستقرار السياسي والأمني.

٢- انفراج دبلوماسي يفتح أبواب السياحة الخليجية: بعد سنوات من الفراغ الرئاسي في بيروت، شكّل قرار دولة الإمارات العربية المتحدة في مايو 2025 رفع حظر السفر عن مواطنيها إلى لبنان خطوة إيجابية وبادرة أمل حقيقية للقطاع السياحي اللبناني. 

توقعت الأمم المتحدة أن تنخفض مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5,5% في العام 2024.

فقد أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية في 4 مايو 2025 أن الحظر سيُرفَع اعتباراً من 7 مايو، وذلك بعد زيارة رسمية للرئيس اللبناني ميشال عون إلى أبو ظبي؛ حيث التقى بنظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وتم الاتفاق على تسهيل حركة السفر وتعزيز العلاقات الثنائية.

يُعَد هذا القرار مؤشراً جوهرياً لاستعادة الحركة السياحية من دول الخليج، خاصةً السياح ذوي القدرة الشرائية العالية الذين يشكلون بدورهم العمود الفقري للموسم السياحي الصيفي في لبنان، ويعكس أهمية تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي بين الدولتين،  ويدفع من ناحية أخرى نحو توجيه الاستثمارات الخليجية إلى لبنان خاصة والشام عامة لا سيّما بعد سقوط نظام بشار الأسد بسوريا أواخر 2024.

٣- تسجيل معدلات إشغال قياسية تبشر بصيف استثنائي:  كانت الأرقام الميدانية هي الدليل الأكثر وضوحاً على موسم واعد؛ فمع وصول معدلات إشغال الفنادق في بيروت إلى 80% مباشرة بعد عيد الأضحى، واستقبال مطار رفيق الحريري الدولي ما بين 12 و13 ألف وافد يومياً، كانت كل المؤشرات تؤكد أن القطاع يتجه نحو تحقيق أرقام لم يشهدها منذ سنوات.

تداعيات كارثية

جاءت الحرب الإسرائيلية-الإيرانية لتقلب كل التوقعات الإيجابية رأساً على عقب، وتكشف أن هشاشة القطاع السياحي أمام الصدمات الأمنية ليست سوى عرضٍ لمرض أعمق، يتمثل في أزمة سيادة الدولة وقدرتها على اتخاذ قرارات السلم والحرب. وتتمثّل تلك التداعيات فيما يلي:

١- انهيار فوري في حجوزات السفر وإلغاء الرحلات الدولية: أدى حرب الاثني عشرة يوماً إلى انخفاض فوري وحاد في حجوزات السياحة اللبنانية بنسبة تزيد عن 60%، حسب ما أورده تقرير موقع Travel and Tour تصريحات نقيب وكالات السفر جان عبود. وفي ضربة قاصمة للقطاع، قامت أكثر من 50 شركة طيران بتعليق رحلاتها إلى بيروت؛ مما قلص الوصول الدولي بشكل شبه كامل.

٢- تكبد خسائر مالية مباشرة تُهدد وجود القطاع السياحي:  تُشير التقديرات الأولية إلى أن الخسائر المباشرة للقطاع السياحي تتراوح بين 300 و500 مليون دولار. هذا الرقم يُضاف إلى الخسائر الأوسع التي قدرها البنك الدولي في مارس 2025، حيث بلغت خسائر لبنان نحو 3,4 مليار دولار في قطاعات التجارة والصناعة والسياحة؛ مما يضع هذه القطاعات أمام تحدٍ حقيقي للبقاء واستعادة النشاط.

 أن هشاشة القطاع السياحي أمام الصدمات الأمنية ليست سوى عرضٍ لمرض أعمق، 
يتمثل في أزمة سيادة الدولة

 وعلى الصعيد الجغرافي، كانت محافظتا النبطية والجنوب الأكثر تأثراً، تليها محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت. ويُضاف إلى ذلك أن الصراع المسلح الذي اندلع في 2024 بين حزب الله أبرز وكلاء إيران بالمنطقة وإسرائيل في جنوب لبنان كان من الأسباب الرئيسة لتلك الخسائر.

ولذا، أشارت التقديرات إلى أن احتياجات إعادة الإعمار والتعافي بعد هذا الصراع تصل إلى نحو 11 مليار دولار أمريكي؛ ما يعكس حجم التحديات الاقتصادية واللوجستية التي تواجه بيروت على مستوى كافة القطاعات والمناطق والتي فاقمتها حرب يونيو 2025 من جديد.

 ٣– معضلة حصر السلاح كسبب جذري لانهيار الثقة الدولية: إن الانهيار السياحي ليس مجرد رد فعل على حرب عابرة، بل هو نتيجة مباشرة لمعضلة هيكلية أعمق تتمثل في وجود سلاح خارج سيطرة الدولة في الأساس. فمنذ اتفاق الطائف عام 1989 الذي نص على حصرية السلاح بيد الدولة، تحوّل الاستثناء الذي مُنِحَ لحزب الله إلى بنية دائمة تقوض الدستور اللبناني. 

ومع تشكيل حكومة جديدة مطلع 2025 تعهدت بحصرية السلاح، جاء الرد حاسماً من أمين عام الحزب نعيم قاسم في يوليو 2025 بأن “السلاح شأن داخلي”؛ مؤكداً على قرار استراتيجي باحتكار القوة خارج مؤسسات الدولة. هذا الواقع يضع لبنان في حالة ازدواجية في السلطة، حيث تحتكر جماعة حزبية قرار السلم والحرب؛ مما يجعل أي استثمار سياحي أو ثقة دولية رهينة قرار لا تملكه الحكومة.

٤- تفاقُم العزلة بفعل تحذيرات السفر الدولية: إن تحذيرات السفر المشددة، وعلى رأسها تحذير وزارة الخارجية الأمريكية من “خطر الصراع المسلح”، ليست مجرد إجراء روتيني، بل هي قراءة دقيقة للواقع الراهن بمنطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

فالمعادلة الدولية لم تعُد تتسامح مع جماعات مسلحة تفرض أمراً واقعاً يُهدد إسرائيل أو المواطنين الأمريكيين الموجودين بلبنان أو الخليج عامة، والضغط على بيروت اليوم بشأن حصر السلاح جزء من تلك المعادلة؛ فلا يتعلق بتنازلات سيادية فحسب، بل بإجابات ضرورية حول مستقبل الدولة اللبنانية نفسها في النظام الدولي..

٥- تآكل الثقة الاستثمارية وترسيخ مناخ من عدم اليقين:  تجاوزت التداعيات الناجمة عن الحرب بين طهران وتل أبيب الأرقام المباشرة لتضرب ثقة المستثمرين في الصميم. فالصراع لم يردع السياح الحاليين فقط، بل جمّد خططاً استثمارية واعدة مثل إعادة افتتاح فندق “لو غراي” وكذا “فور سيزونز”. فالمستثمر المحلي أو الدولي يرى بوضوح أن استثماره قد يتحوّل إلى رماد بقرار يتخذ خارج الأطر الدستورية؛ مما يجعل “مناخ عدم اليقين” الذي وصفه تقرير Travel and Tour World حالة دائمة وليست مؤقتة.

إجمالاً، يقف قطاع السياحة اللبناني اليوم على حافة الهاوية. فالأرقام ترسم صورة محبطة لمستقبل قطاع كان الأمل الأخير لإنقاذ اقتصاد منهار بعد أن تم ملء الفراغ الرئاسي مطلع 2025. لكن الأزمة تتجاوز كونها أزمة قطاع، لتكشف عن مأزق وجودي للدولة اللبنانية ذاتها؛ فاستمرار وجود سلاح حزب الله لم يَعُد يُقرأ إلا كتهديد مباشر لسيادة الدولة داخلياً وأمنها خارجياً لا سيّما في ضوء التحوّلات الإقليمية والدولية المتسارعة وبالأخص بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x