اضطر النازحون والنازحات إلى بيع مواشيهم بأسعار متدنية، وصلت إلى نحو 20% فقط من قيمتها الحقيقية، وذلك لتأمين تكاليف المعيشة من إيجار ومسكن واحتياجات يومية، إضافة إلى الرأفة بالحيوانات التي تُركت في القرى دون غذاء أو رعاية، معرضةً للموت بسبب القصف أو الجوع، كما يقول محمد سعادة، وهو مربّي أبقار في الجنوب.
هاجم الجيش الإسرائيلي كل ما في الجنوب، وهو بذلك يترجم توجهًا يقوم على القضاء على الحياة بشكل مباشر في هذه المنطقة، كما يلاحظه كل زائر من مشاهد الدمار.
وقد أثرت الحرب على لبنان عبر الارتدادات التي أحدثتها، وكان أبرزها تفاقم الأزمة الاقتصادية التي طالت مستويات ومجالات عديدة، ومنها الثروة الحيوانية باعتبارها جزءًا أساسيًا من الثروة الزراعية. وهنا يطرح السؤال: كيف أثرت الحرب على هذه الثروة، وكيف انعكس ذلك على الاقتصاد اللبناني؟
تكبد القطاع الزراعي في لبنان خسائر تُقدر بنحو 586 مليون دولار خلال الحرب، في حين بلغت الأضرار المباشرة نحو 118 مليون دولار، وفقًا لتقييم مشترك أجرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة بالتعاون مع وزارة الزراعة اللبنانية والمجلس الوطني للبحوث العلمية.
تكبد القطاع الزراعي في لبنان خسائر تُقدر بنحو 586 مليون دولار خلال الحرب
يُعد القطاع الزراعي أحد أهم القطاعات الاقتصادية في لبنان، وتُشكل الثروة الحيوانية جزءًا أساسيًا منه لما توفره من فرص عمل ومنتجات للمواطن اللبناني، إضافة إلى دورها في دعم قطاعات أخرى مثل الأعلاف وصناعة المنتجات الغذائية. فهي تُسهم بما يقارب 27% من إجمالي الناتج المحلي الزراعي، وتوفر النسبة ذاتها تقريبًا من الصادرات الزراعية، مما يجعل أي أزمة في هذا المجال أزمةً اقتصاديةً وطنيةً.
لكن الحرب دفعت معظم سكان الجنوب، لا سيما القرى الحدودية، إلى النزوح منذ بدء القصف المتبادل في 8 تشرين الثاني 2024، ما أجبر كثيرين على ترك أبقارهم ودواجنهم دون رعاية.
وبالعودة إلى سعادة، يشير إلى أن أصحاب المزارع الكبيرة الذين يملكون عشرات أو مئات رؤوس الأبقار، تمكن قلة منهم من الصمود رغم الخسائر الناجمة عن القصف ونقص الأعلاف والرعاية الصحية.
ويوضح أنهم بحاجة إلى عام كامل منذ انتهاء الحرب لإعادة أبقارهم إلى حالتها الصحية والإنتاجية السابقة والانطلاق مجددًا، خاصة بعد أن انخفض حجم إنتاج الحليب إلى حوالي 80 كيلوجرامًا بعد أن بلغ ألفًا وثلاثمئة وخمسين كيلوجرامًا قبل بدء الحرب في أيلول 2024، كما أنهم خسروا 13 رأسًا من الأبقار لديهم وعددًا من العجول خلال الحرب.
تُشكل الثروة الحيوانية جزءًا أساسيًا منه لما توفره من فرص عمل ومنتجات للمواطن اللبناني
لكنه يلفت إلى أن الضرر الأكبر أصاب المزارع الصغيرة التي يمتلك أصحابها بضع رؤوس من الأبقار أو المواشي والدواجن، إذ لم يكن لديهم رأس المال الكافي لتعويض الخسائر، فكان البيع خيارهم الوحيد. هؤلاء لم يتمكنوا من إعادة إحياء تجارتهم بعد عودتهم إلى قراهم المدمرة، بعد أن أنفقوا ما لديهم من مال خلال فترة النزوح.
القرى الجنوبية كانت تعتمد على المزارع الصغيرة في توفير المنتجات الغذائية كاللحوم والأجبان والألبان، وفرص العمل، ما خلق دورةً اقتصادية تُنعش المنطقة. لكن الحرب حطمت هذه الدورة، وزادت الأزمة بسبب نزوح السكان الذي حرم أصحاب المعامل من العمال المدربين.
وبحسب علي فرحات، صاحب معمل للأجبان والألبان، فإن كل هذه العوامل أدت إلى إقفال العديد من المزارع والمعامل، ما وضع القرى أمام أزمة في تأمين المنتجات الغذائية، فقد اضطر فرحات إلى إتلاف جميع المنتجات في المعمل الخاص به بعد أن تعرض لأضرار كبيرة نتيجة قصف موقع مجاور ما أدى إلى تحطم البرادات فيه. إلى جانب ذلك، تعاني هذه المناطق من ارتفاع البطالة، وتراجع المؤشرات الاقتصادية جراء الحرب.
تقول مريم ملك، وهي مديرة معمل للأجبان والألبان، إن إنتاج المعمل انخفض بنسبة كبيرة بسبب عدم توفر مادة الحليب، إضافة إلى أن بنية أجساد الأبقار لم تعد تسمح بإنتاج كميات حليب كبيرة، مما اضطرهم إلى اللجوء إلى مزارع البقاع لجلب الحليب. وتضيف أن نتائج الحرب كانت كارثية على أصحاب المعامل، وقد أدى ذلك إلى الاستدانة كمحاولة لتعويض بعض الخسائر في ظل كمية الإنتاج القليلة.
الصيد البحري في الجنوب
في المقابل، وعلى الرغم من أن قطاع صيد الأسماك تأثر بالعوامل ذاتها، إلا أن الأزمة فيه كانت مختلفة. فبينما نفق الكثير من الأبقار كما ذكر فرحات، فإن الأسماك لم تُقتل، لكنها بقيت في مياه الجنوب دون قدرة الصيادين على مزاولة عملهم.
من جهته، أحمد سليم، وهو صياد جنوبي، يقول: “إن الجيش الإسرائيلي لا يزال يمارس اعتداءاته علينا عبر إرسال دوريات اعتقال، حيث لا يزال هناك أسيران لدى الجيش الإسرائيلي إضافة إلى تهديدنا المستمر بالطائرات المسيرة التي تُلقي قنابل علينا”.
ويضيف سليم أن إسرائيل دمرت عددًا من القوارب خلال الحرب، بينما تعطلت أخرى بعدما بقيت فترة طويلة في المياه دون صيانة، نتيجة خطورة الوصول إليها. وقدر الصيادون خسائرهم بأكثر من 10 آلاف دولار للقارب الواحد بما فيه من أدوات.
اضطررت إلى العودة إلى وسائل بدائية في عملي بعد أن عطل الجيش الإسرائيلي نظام تحديد المواقع العالمي GPS، ما صعب عليَّ العثور على صناديق الصيد الموضوعة في البحر.
ويقول: “اضطررت إلى العودة إلى وسائل بدائية في عملي بعد أن عطل الجيش الإسرائيلي نظام تحديد المواقع العالمي GPS، ما صعب عليَّ العثور على صناديق الصيد الموضوعة في البحر. كما أن مساحة المياه المتاحة للصيد تقلصت كثيرًا؛ فقبل الحرب كنا نقترب من الحدود لمسافة تقل عن 10 أمتار، أما الآن، فرغم ابتعادنا عشرات الكيلومترات، لا نزال عرضةً للاعتداء”.
ويؤكد سليم على أن الحرب قد أثرت بشكل كبير على حركة التجارة المرتبطة بقطاع الصيد، إذ تقلص عدد الصيادين بشكل ملحوظ، وعجز كثيرون عن إصلاح مراكبهم أو شراء أدوات جديدة نظرًا لتكاليفها المرتفعة، إلى جانب مصاريف النزوح اليومية، ما زاد من حدة الأزمة المعيشية في الجنوب.
الآثار الاقتصادية
بلغت خسائر الاقتصاد اللبناني جراء الحرب ما بين سبعة وأحد عشر مليار دولار بشكل مباشر وغير مباشر، وكانت حصة القطاع الزراعي – قبل الحرب – منها ما بين 15% و20%. ويشير الخبير الاقتصادي أنيس بو ذياب إلى أن ذلك أثر بشكل كبير على الاقتصاد اللبناني، إذ إن حوالي 75% من العمال في الجنوب يعملون في القطاع الزراعي، ما يحد من القدرة الشرائية بعد فقدان هؤلاء لعملهم.
ويضيف أن ذلك ينعكس على الناتج المحلي أيضًا، إذ إن عدم توفر المنتجات الغذائية التي كانت تؤمنها المصانع يدفع الدولة إلى استيرادها من الخارج، مما يزيد الفجوة بين الواردات والصادرات، وبالتالي العجز في الميزان التجاري.
بلغت خسائر الاقتصاد اللبناني جراء الحرب ما بين سبعة وأحد عشر مليار دولار بشكل مباشر وغير مباشر
إضافةً إلى ما سبق، تؤمن الثروة الحيوانية دورةً اقتصادية تمتد إلى أسواق أخرى، فهي تساهم في إنعاش حركة النقل في الداخل من خلال توزيع المنتجات، وفي الخارج من خلال التصدير، كما أنها مرتبطة بمحال بيع اللحوم على مختلف أنواعها، إضافةً إلى منتجات الأجبان والألبان.
وبالتالي، فإن تأثر هذه الثروة ينعكس على كل ما سبق، ويؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ومن ثم انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين.
الحلول المقترحة
يؤكد مدير الثروة الحيوانية في وزارة الزراعة، الدكتور إلياس إبراهيم، أن الأزمة طالت قطاع الثروة الحيوانية في كل لبنان، وليس في الجنوب فقط، كما أن هذه الخسائر لا يمكن إحصاؤها بدقة نظرًا لصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.
لكنه يشير إلى أن القرى الحدودية تعرضت لأضرار كاملة على صعيد البنية التحتية، أما بالنسبة إلى الحيوانات فلا يمكن تقدير خسائرها بشكل نهائي، إذ قام بعض أصحاب المزارع بنقل ما يمتلكونه أو بيعه. وفي السياق نفسه، يؤكد على ضرورة توثيق المواطنين للأضرار.
أما بخصوص معالجة هذه الأزمة، فيشير إبراهيم إلى أن الحلول موجودة، ويمكن تقديمها على شكل دعم مادي ومعنوي للمواطنين الذين تكبدوا خسائر جراء الحرب، سواء عبر مساعدات مالية أو قروض. لكنه يلفت إلى أن ذلك مرتبط بمرحلة إعادة الإعمار، التي سيكون لوزارة الزراعة دور فيها.














👏🏻👏🏻👏🏻
رهيب ❤️👏