بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول /ديسمبر 2024، بات السوريون/ات في مرحلة انتقالية حساسة لإعادة بناء سوريا من جديد بعد الحقبة الاستبدادية تلك والتي استمرت على مدار 54 عاماً، وتعد هذه المرحلة فرصة لإرساء مبادئ الديمقراطية والعدالة الجامعة والشاملة ضمن الإطار القانوني لنظام سياسي جديد يتمتع بشرعية جماهيرية بمنأىً عن أسس النظام السابق، بحيث يكون للنساء السوريات دور فاعل في المرحلة الانتقالية الأولى بما فيها هيئة الحكم الانتقالي و صياغة الدستور السوري الجديد.
واقع النساء السوريات
كانت ولا تزال النساء تشكلن النسبة الأقل في تمثيل أدوارهن الحقيقية على كافة الصعد في سوريا، الأمر الذي أضعف من قدرتهن على التعبير عن وجودهن بالشكل الأمثل وعلى الأرض السورية بشكل مباشر، ولكن مع إسقاط نظام الأسد والدخول للمرحلة الانتقالية الأولى والأصعب والتي تتطلب مواجهة التحديات الهائلة، لابد من وضع خطة شاملة وواضحة للانتقال متمثلةً ب هيئة حكم انتقالي و حكومة تسيير الأعمال والإعلان الدستوري ومؤتمر وطني جامع وصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات دون إقصاء أي طرف ولا سيما النساء منهم.
تقول صبيحة خليل، السياسية النسوية، إنه:”رغم أن النساء السوريات أنجزن منذ عقود حق المشاركة السياسية بالتصويت في عام 1949 أي قبل سويسرا واليونان، ومن ثم حق الترشح في خمسينات القرن الماضي، إلا إن تعطيل الدستور بموجب قانون الطوارئ، وقانون الأحوال الشخصية التمييزي كان عائقاً حقيقياً أمام المساواة بين الجنسين. تواجدت منظمات نسوية لإزالة هذه المعيقات التي تؤثر على الأدوار التي تلعبها النساء في الفضائين العام والخاص. نظام الأسد كان يحابي تيارات المحافظين بل المتشددين عبر الإبقاء على قوانين تبيح العنف والتمييز المقونن ضد النساء”.
ومن جانبها تقول المحامية السورية كلي بكندي لصلة وصل أن :”قانون الطوارئ والذي صدر بستينيات القرن الماضي بالتزامن مع ثورة حزب البعث لمعالجة ظروف ومسائل معينة والتي أعطت بدورها بعض الحقوق للمرأة عبر هذا القانون، ولكن بنسبة ضئيلة جدا وخاصة فيما يتعلق بأمور الأحوال الشخصية المنضوية تحت الدستور السوري، لاسيما تلك البنود المرتبطة بنشاطاتها وتفكيرها وانتماءاتها السياسية، الأمر الذي قوض من فاعليتها ضمن مناصب الدولة”.
وبناءً على أن قانون الطوارئ يتم تطبيقه على الفكر المتطرف أو أي فكر ضد سياسة الدولة أو بخصوص معاداة دولة لأخرى، لاحظنا وبموجبه حظر المشاركة والعمل السياسي للمرأة، حسب كولي بكندي.
وتوضح كلي لصلة وصل أن:” البند المختص بالمرأة ضمن قانون الأحوال الشخصية مستمد من الشريعة الإسلامية لاسيما بالنسبة للوظائف الحساسة كالقضاة ورئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، حيث أن هذه الوظائف حساسة ومن الممكن تأثيرها المباشر على الدور الرئيسي للمرأة المحصور بالبيت والأطفال والزوج، لذلك منعها الدستور من الوصول لهذه المناصب”.
دور النساء والحركات النسوية
وتتابع صبيحة عن دور النساء وتواجدهن لا سيما بعد عام 2011 وقيام ثورة شاملة ضد نظام الاستبداد أنه:” انفتحت مجالات المشاركة غير الرسمية أمام السوريات، على مدار أربعة عشر عاماً، نظمت السوريات أنفسهن في العديد من المنظمات النسوية التي رسمت أولوياتها للتغيير السياسي والاجتماعي. إلا إن ذلك لم يسهم كثيراً في تواجدهن في مراكز صنع القرار السوري، خصوصاً أن القرار السوري انتقل من يد صناع السياسات ليد حاملي البنادق، أي انحياز القرار كاملاً إلى الفواعل العسكرية على الأرض. حالياً هناك مواقف دولية ضبابية من مسألة الانتقال السياسي بمراقبة دولية تضمن المشاركة متعددة الأطراف بدون إقصاء لأي طرف سياسي سوري، ومشاركة وازنة من النساء، اعتماد كوتا 30% وصولاً إلى المناصفة”.
“الحركات النسوية السورية تعمل على تضمين حقوقها دستور سوريا المستقبل على أساس المساواة التامة في الحقوق والواجبات بدون تمييز على أساس الدين أو الإثنية أو الجنس، وتدعو لإلغاء قانون الأحوال الشخصية التمييزي واستبداله بقانون أسرة عصري قائم على مبدأ المساواة وعدم التمييز. والأولوية الآن لتواجد النساء في كافة اللجان والهيئات التي ترسم مستقبل سوريا تعددية ديمقراطية تقبل التداول السلمي للسلطة وفق مبدأ فصل السلطات” حسب صبيحة خليل.
التحديات
ثمة تحديات تعيق مشاركة المرأة في صياغة الدستور السوري الجديد والمؤتمر الوطني المزمع عقده خلال هذه المرحلة الحساسة” تتمثل أهمها بوجود تيارات تعارض عمل المرأة ووجودها في مراكز قيادية وحساسة وبشكل رسمي، وخلال المرحلة الانتقالية وعلى ما أعتقد لن يكون هناك دور واسع لمشاركتها بشكل جاد وحقيقي، وإنما ستكون موجودة في صياغة الدستور في المرحلة القادمة وليس في المرحلة الانتقالية”، حسب المحلل السياسي، أحمد حاميش.
وأكد أحمد، أنه لا توجد موانع أو عوائق تعيق عمل المرأة في المجتمع السوري أينما كان وخاصة في المراكز الحساسة، وخير دليل على ذلك وجود المرأة في عدة أحزاب وتيارات سياسية ومنظمات اجتماعية في سوريا.
ومن جانبها توضح شمس عنتر، الكاتبة والناشطة النسوية، المقيمة في مدينة قامشلو بشمال شرق سوريا إلى أن:” المعوقات ما تزال شاخصة أمام إشراك ومشاركة المرأة في صياغة الدستور، وربما اليوم الخوف من الإقصاء يلوح بوجود قيادة تريد أن تكون الشريعة هي المصدر الوحيد للدستور، حيث الأديان برمتها تحبذ وجود المرأة في البيوت فقط وبالتالي غياب دورها في الشأن العام”.
وتضيف شمس إلى تلك المعوقات الوضع الاقتصادي البائس والتعليم دون المستوى المطلوب المرفق بجهل تام عن دور المرأة في مناحي الحياة بما فيها الدستورية والسياسية، بالإضافة إلى غياب الوعي التام بحقوقهن وتقليدية المجتمع وكذلك الإعلام المنمِّط لدور المرأة”.
الإطار القانوني والدستوري
تقول الدكتورة زوزان محمد، دكتوراه في القانون، حول الإطار القانوني لمشاركة المرأة السورية في سوريا الجديدة عبر صياغة الدستور الجديد مرورا ب هيئة الحكم الانتقالي والمؤتمر الوطني إنه:” يجب أن يضمن الدستور السوري الجديد مساواة المرأة بالرجل في جميع المجالات، وخاصة المشاركة السياسية، من خلال نصوص واضحة لا تقبل التأويل”، مضيفةً إنه:” يُفضل إضافة فصل خاص في الدستور يُركز على حقوق المرأة وضمان مشاركتها الفعالة في السياسة وصنع القرار”.
وتشير زوزان إلى أنه يجب أن يعتمد الدستور السوري الجديد على الاتفاقيات الدولية التي تضمن حقوق المرأة، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وتطبيق قرارات الأمم المتحدة مثل القرار 1325 الذي يؤكد على أهمية دور المرأة في عمليات السلام وصنع القرار بعد النزاعات.
وتضيف زوزان أن:” الهيئة الانتقالية هي المسؤولة عن وضع الإطار المؤقت لحكم سوريا خلال فترة الانتقال، ما يعني ضرورة تضمين النساء في هذه الهيئة ويمكن تحقيق ذلك عبر تخصيص نسبة محددة لتمثيل النساء في اللجان الرئيسية”.
“إصدار قوانين مؤقتة تضمن عدم استبعاد النساء من المفاوضات السياسية أو صياغة القوانين والدستور وإطلاق برامج تمكين سياسي للنساء بالتعاون مع المنظمات الدولية والمحلية”، حسب زوزان محمد.
وتؤكد زوزان حول دور المؤتمر الوطني إذ إنه:” يُعتبر منصة لتحديد مستقبل سوريا، وبالتالي يجب ضمان حضور النساء في جميع المستويات عبر آليات تمثيل متمثلةً بـ سنّ لوائح تنظيمية تُلزم بتمثيل النساء بنسبة لا تقل عن 30-50% في اللجان والمفاوضات ودعوة منظمات نسائية وشخصيات نسوية بارزة للمشاركة لضمان أن تُعبر القرارات عن احتياجات النساء”.
وتركز زوزان على الإجراءات المساندة عبر التمكين والتدريب وتنفيذ برامج تدريبية للنساء لرفع كفاءتهن السياسية والتفاوضية، ناهيك بـ الرقابة والمتابعة وإنشاء لجان رقابة لضمان تنفيذ القرارات المتعلقة بمشاركة النساء في العملية السياسية.
القوانين الضامنة
وتقول زوزان في هذا الصدد إنه:” يجب الدفع باتجاه قوانين الكوتا النسائية وإصدار قانون يفرض نسبة تمثيل نسائي لا تقل عن 30% في البرلمان والمجالس المحلية والحكومة ومؤسسات الدولة واللجان الدستورية، ولا سيما قوانين مكافحة التمييز الجندري “
وتذهب زوزان بخصوص قوانين تمكين المرأة إلى أنه:” يتوجب أن تكون هناك تشريعات تُلزم الدولة بتقديم برامج لتمكين النساء من خلال توفير الدعم المالي والمعنوي للمرشحات السياسيات ،بالإضافة إلى تنظيم دورات تدريبية في المهارات القيادية والسياسية وإنشاء مراكز استشارية لتوجيه النساء المهتمات بالمشاركة السياسية عبر تعديلات قوانين الأحزاب السياسية”.
وتستند زوزان إلى قوانين دعم المجتمع المدني عبر سنّ قوانين تدعم عمل المنظمات النسائية ومنظمات المجتمع المدني في تعزيز المشاركة السياسية للنساء، وتقديم استشارات قانونية وسياسية لهن وتوفير منصات حوار تُشرك النساء في قضايا الوطن، ناهيك بقوانين متعلقة بصياغة الدستور حول المساواة الجندرية الكاملة وحظر جميع أشكال التمييز ضد النساء وحماية حقوقهن في كافة المجالات”
هل من اعتراف دستوري مباشر؟
يقول المحلل السياسي، أحمد حاميش، إنه:”حسب المعطيات ستكون للنساء السوريات مشاركة في المؤتمر الوطني القادم، وفي صياغة الدستور السوري الجديد ، لكنني أجد صعوبة في وجود الاعتراف الدستوري بشكل مباشر لأنه يحتاج الى ضغط وحراك سياسي كبيرين سواءً من التيارات النسوية أو من التيارات التي تؤمن بدور النساء، وهذا ما يقلل لدينا نسبة التفاؤل بالاعتراف الدستوري بشكل رسمي بتمثيلهن”.
ويعني ذلك، وفق أحمد، أنه سيكون للنساء السوريات دور عبر التيارات السياسية المتنوعة الموجودة في سوريا أيديولوجياً، والتيارات السياسية متعددة في سوريا وليست مقتصرة فقط على التيار المتشدد بالنسبة لوجود المرأة أو عمل المرأة (كهيئة تحرير الشام على سبيل المثال)، حيث التطمينات التي أدلى بها أحمد الشرع، زعيم الهيئة، مؤخرا عبر تصريحات رسمية وأكد فيها على دور المرأة، بعد تصريحات عبيدة أرناؤؤوط، المتحدث الرسمي باسم الإدارة السياسية التابعة لإدارة العمليات العسكرية في سوريا، والتي أدت إلى امتعاض شديد في الشارع السوري، وعلى إثرها تم تعيين إحدى النساء رئيسةً لشؤون المرأة في حكومته.
حسب السياقات السورية الحالية لا بد من إعادة صياغة لسوريا جامعة وشاملة تضمن الحقوق المشروعة للجميع بمن فيهم النساء والتي استبعدت على مدار عقود من الزمن من المشاركة ببناء الدستور والهيئات المساهمة في تلك العميلة، الأمر الذي من شأنه بناء دستور تشاركي ينتج عنه دولة تعددية لا مركزية يشمل كافة الأطراف دون استثناء.













