واجهت الصحافة الكردية على مدار127عاماً تحديات وصعوبات جمة بسبب السياسات المعقدة التي كانت تمارس ضد الكرد في أجزاء كردستان الأربعة، لا سيما سياسياً وتاريخياً وثقافيً مفرزة بذلك واقعاً كردياً مبهماً ومتشابكاً، وعلى وجه الخصّوص في غرب كردستان (كردستان سوريا) حتى بدء الثورة السورية عام 2011، وهنا قد شرعت مرحلة حديثة وجديدة للنهوض بالصحافة الكردية واستكمال العمل الصحفي بدءاً من صدور أول مجلة كردية باسم “هاوار” عام 1931 في دمشق بعد صدور أول جريدة كردية باللغة الكرمانجية في مدينة القاهرة المصرية باسم “كردستان” من قبل الأمير مدحت جلادت بدرخان في 22 نيسان/ أبريل عام 1898، في شرق كردستان (كردستان إيران) بصورة وحلة تتماشى مع الواقع الصحفي حالياً، لا سيما فيما يخص تقديم الدعم الكامل للصحفيات الكرديات اللواتي يبذلن قصارى جهودهن للعمل بمهنية في ظل التحديات والعقبات التي تواجههنَّ.
واقع الصحافة الكردية السورية
“إذا ما قارنا واقع الصحافة الكردية في روجآفا / شمال شرق سوريا الآن مع عقدين أو أقل ربّما لرأينا فارقاً كبيراً بين المشهدين، سابقاً كانت الصحافة الكردية ممنوعة ومحظورة بالكامل من قبل السلطات السورية السابقة برئاسة آل الأسد، لكن عدا الأحداث والثورة في سوريا استطاع الكرد أن يقدِّموا نموذجاً جديداً متفاعلاً مع الأحداث عبر صحافتهم الخاصة وكذلك عبر الصحفيات والصحفيين الكرد الذين نشطوا وأصبحوا مصادر فاعلة في الصحافة السورية والعربية والعالمية، وبالتالي حققوا قفزة نوعية في مجال الصحافة في المنطقة، في حين أن الصحافة الكردية نفسها تطورت مع التطور التقني والإعلامي الكبير واستفادت من التكنولوجيا والتطورات التي شهدها العالم بأسره في هذا المجال خصوصاً في مجال النشر وزيادة التفاعل مع الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، كما استطاعت الصحافة الكردية والصحفيات والصحفيين الكرد أن يكونوا جزءاً مهماً في محاربة الإرهاب عبر موادهم وتقاريرهم الصحفية”، يقول المراسل الصحفي عبد الحليم سليمان لمنصة صلة وصل.
في الإطار نفسه يقول المراسل الصحفي لقناة رووداو الكردية، دلخواز محمد، في حديثه لصلة وصل:” إن الصحفية الكردية أثبتت وبجدارة العمل في ظل الظروف كافة وخصوصاً العمل الميداني وعلى جبهات القتال، وبات لها دور فعال في نقل الحقائق من مناطق وأماكن يصعب الوصول إليها، الأمر الذي أكّد أنها لا تقل شأناً عن الرجل وتستطيع ممارسة عملها الصحفي وبجدارة رغم كل الصعوبات، فالكثير من الصحفيات الأمهات مارسن عملهن وبمهنية تامة وصار لهن دور كبير في تغطية المعارك في أماكن النزاعات المسلحة لا سيما في السنوات الأخيرة، وبالتالي يمكن القول إنّ الصحفية الكردية تستطيع إدارة نفسها بنفسها وتطوير ذاتها وعملها وأثبتت فعلياً أن كل تلك العقبات لن تكون عائقاً أمام شغفها”.
هل من تحديات تواجههنَّ؟
يضيف سليمان حول التحديات التي تواجهها الصحفيات الكرديات:” إن هذه الفترة التي تحدثت عنها وحتى الآن قفزة فريدة من نوعها بالنسبة للصحفيات، ربما في السابق كانت الصحفيات الكرديات على مستوى بعض الكتابات وبشكل نادر جدا تعمل في هذا المجال، أما الآن فأصبحن جزءاً مهماً من الوسط الصحفي بين الكرد في سوريا، وتدرّجنّ في معظم مراحل العملية الإنتاجية الإعلامية والصحفية، من محررة ومراسلة و مصورة ومنتجة ومقدمة، ناهيك من المناصب الإدارية لدى المؤسسات الإعلامية الكردية العاملة في المنطقة”.
في حين توضح المديرة التنفيذية لموقع آداربرس الإخباري، والصحفية سهيلة صوفي ما يناقض تماماً كلام سليمان، فتقول: “هناك جملة تحديات تواجهنا كصحفيات كرديات من ضمنها غياب التوافق بين ما نطمح إليه صحفياً للارتقاء للمستوى المطلوب وسياسات النشر المتفق عليها ضمن المؤسسة الإعلامية”.
مردفةً بقولها لصلة وصل:” من خلال عملي لأكثر من 15سنة بالمنظومة الإعلامية مازالت التحديات والمعوقات نفسها بل وتزداد، على سبيل المثال ثمّة متطفلون ودخلاء على المهنة ألحقوا بالمهنة أضراراً جسيمة، مثل نشطاء السوشيال ميديا حيث بات الجميع صحفياً وناشطاً إعلامياً، ويتداولون الخبر بكل سهولة من دون التأكد من الخلفية أو مصداقية الخبر، وهذا ما يشكل تحدياً كبيراً أمامنا. بل ويعرقل القيام بمهامنا على المستوى المطلوب بسبب التضليل والتزييف للعديد من الأخبار الصحفية، إضافة إلى ذلك فإن السّبق الصّحفي لم نرتقِ فيه إلى المستوى المطلوب بل صار هو الشغل الشاغل للكثيرين وأثر سلباً علينا من دون وجود محاسبة ترسم لهم الحدود المهنية التي يجب التوقف عندها، كما أن حجب المعلومة عنا من خلال طلب التصريح من أي مسؤول في أثناء الإعداد لتقرير صحفي يشكل عائقاً في المضي قدماً وإلى الآن”.
وتضيف صوفي: “نحن كصحفيات تعوَّدنا على قالب واحد من دون إضافات أو رتوش لتحديث وتطوير معلوماتنا وخبراتنا رغم التطوير الهائل الملاحَظ في مجال الصحافة والإعلام، فغياب برامج إعادة التأهيل والترميم وكذلك المؤتمرات التي تخصّ المجال الصّحفي بغية تطويره، وفي الإطار نفسه غياب الورش التدريبية الأكاديمية للصحفيات لمواكبة التطور الإعلامي في روجآفا، وأعتقد الشيء نفسه بالنسبة للصحفيين الكرد ولا يوجد تفوق حالة على أخرى، وهذه بالمجمل ما أجدها الحاجة الأكثر إلحاحاً لتجاوز كافة العقبات التي نواجهها سواء في العمل ضمن مؤسسات معينة أو بشكل مستقل”.
وتوافقها في الرأي الإعلامية سوسن خلف في جوانب عدة قائلة:”إن النساء العاملات في مجال الصحافة الكردية تواجهن الكثير من التحديات والقيود المجتمعية التي تشكل عائقاً أمام مهنتهن وتحدّ من حركتهن وتطوير عملهن الصحفي، مثالاً على ذلك إقصاء الصحفيات والإعلاميات عن إدارة المؤسّسات الإعلامية، والتمييز في الأجور والمهام والتّرقية والتدريب من التحديات المستمرة إلى الآن، إضافة إلى التمييز بين الجنسين لاسيما من ناحية إعطاء المعلومات الدقيقة في أي حدث إعلامي تقوم الصحفيات بتغطيته”.
في معظم الأحيان يتم إقصاء النساء عن تغطيات لأحداث مهمة مثل المظاهرات أو النزاعات أو المسيرات، وغالباً يُسمح لهنّ بتقديم البرامج الاجتماعية والترفيهية والبرامج الصباحية، ناهيك من الصورة النمطية التي تحجم وتقزم عملهنّ في معظم مؤسّساتنا الإعلامية في روجآفا / شمال وشرق سوريا/ رغم تميزها في العمل الإعلامي، كما تعاني العاملات في مجال الصحافة الميدانية، والمراسلات تحديدا المعاناة الأكبر لأنهنَّ عرضة للاستهداف المباشر كونهن على خطوط الجبهات الأولى والاشتباكات المباشرة مع غياب الحماية الشخصية، إضافة إلى تعرضهن للكثير من التنمر النابع من تقليدية المجتمع”.
“ويعد احتكار الأفكار والمعلومات وخاصّة في الإعلام الرقمي والإلكتروني من أخطر التحديات التي تواجهها الصحفيات الكرديات لأنّهن دائمات الخوف من سرقة الأفكار أو المادة الإعلامية التي يبذلون مجهوداً هائلاً لإخراجها بالصورة المثالية، ورغم قيام الإدارة الذاتية بوضع قوانين رادعة لحماية الصحفيات إلا أن التجاوزات مازالت قائمة ومستمرة مع الأسف “، بحسب خلف.
سبل تفتيت التحديات؟
يضيف الصحفي سليمان:” بطبيعة الحال الصحفيات الكرديات مثل بقية الصحفيين الكرد، معظمهن لم يكن خريجات الكليات الصحفية أو أكاديميات في هذا المجال، وإنّما الكثير منهن دخلن المهنة من بوابة التجربة والحاجة لهذا الوسط في المنطقة وكان هذا تحدٍّ بالنسبة لهنَّ، الصحفيات مثل بقية الوسط الصحفي الناشئ ولو تحدثنا عن حوالي 14عاماً من العمل المكثف والجاد، لكنه يبقى حديث النشأة في الوسط الكردي بشكل عام، ويحتاج هذا الوسط الصحفي إلى دعمٍ علمي وتقني ومهني وثقافة قانونية وصحفية شاملة، من شأنها أن تزيد من الخبرة وتستطيع أن تقوم بدورها كصحافة رقابية ومصدراً للمعلومات الدقيقة والصحيحة في المنطقة.
هناك الكثير من المجالات التي يمكن من خلالها تقديم الدعم لهنَّ سواء على مستوى صناعة المعلومة أو مواكبة الأحداث وكيفية تغطيتها أو العمل داخل المؤسسة الإعلامية والصحفية، لا سيما أن الظروف الحياتية والاقتصادية تؤثر بشكل كبير على العاملين في المجال الصحفي وكذلك على المؤسسات الإعلامية بشكل عام والتي تحتاج إلى تطوير في المجال الإداري أيضاً”.
وتسرد لنا الصحفية سوسن خلف مقترحات لا بد من تنفيذها بحيث تتماشى مع السياق الصحفي الحالي للصحفيات الكرديات قائلةً:” ضرورة التركيز على برامج تعزيز ثقة الصحفيات بأنفسهن من خلال التدريب وتقديم الدعم النفسي وتوعيتهن بحقوقهن لضمان عدم التخوف من تقديم الشكاوى أوالإبلاغ عن أي انتهاك تصار بحقهن، والعمل على أهمية تعزيز التعاون بين الصحفيات للمطالبة بحقوقهن على حدٍّ سواء، كما ويجب استعادة الثقة بين الصحفيات والنقابات المعنية بشؤون الصحفيين والصحفيات المدافعة عن حقوقهن، وتدريبهن باحترافية في مجال الأمن الرقمي والسلامة المهنية، وخاصّة في مناطق تغطية النزاعات والحروب”.
وتؤكد خلف على وجوب قيام النقابات المنظمة لعمل الصحافة السورية على خلق شراكات عمل ووضع قوانين رادعة لإلزام المؤسسات الاعلامية وإجبارها على إبرام عقود عمل تكفل حقوق الصحفيات والإعلاميات لتصبح من الشروط الأساسية لمنح رخص العمل لوسائل الإعلام.













