بكلماتٍ يزيد عمرها عن ثلاثين عامًا، أبكى الفنان الراحل وديع الصافي ابنة بلدة ميس الجبل الجنوبية، فاطمة، بعد عامين على الحرب بين إسرائيل ولبنان، أفقدتها ستة منازل وذكرياتٍ صنعتها على مدار ثلاثة عقود. تغنى الصافي بالبيت كرمزٍ للصمود والارتباط بالأرض، وأحيا في قلب فاطمة قاروط ألم الفقد وحنين الانتماء، وهي التي أُجبرت على مغادرة منزلها نهائيًا في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
“الله معك يا بيت صامد بالجنوب” لم تكن مجرد أغنية ترددّت كلماتها على مسامع فاطمة، بل كانت شهادة على تضحيات قدمها أهالي القرى الحدودية جنوب لبنان في الحرب الإسرائيلية الأخيرة. وكانت صورة لبيتٍ وإن تهدّم حجرًا، سيظل حيًا في الذاكرة ومحفزًا لرغبة دائمة بالعودة. فهل تتحقق هذه الرغبة رغم عجز الدولة عن بدء مسارٍ تأهيلي واضح لإعادة الإعمار؟ أم أن بيت فاطمة المدمر سيكون شاهدًا على تحولات سكانية تغير وجه الجنوب ولبنان على مر السنين؟
خسرنا 6 بيوت.. وسنعود
فاطمة، التي خاضت رحلتي نزوح متتاليتين، الأولى خلال حرب الإسناد في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والثانية خلال الحرب الشاملة التي انتهت في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عادت بعد سبعة أشهر من النزوح الأول في زيارة خاطفة إلى قريتها ميس الجبل، ألقت خلالها نظرة الوداع على منزلها الذي تضرر بفعل الضربات الإسرائيلية، قبل أن يفخخ العدو حيّها بأكمله ويسوي منزلها بالأرض.
أفقدت الحرب الاسرائيلية على لبنان، فاطمة،
ستة منازل وذكرياتٍ صنعتها على مدار ثلاثة عقود
“رحلنا 6 بيوت على الأرض. وفي بيت بقي واقف، بس من جوّا محروق وحيطانه نازلة”، هكذا وصفت فاطمة قاروط، في حديث لـ”صلة وصل”، المشهد الذي عاشته وعائلتها بعد رؤية ركام منازلهم على الخرائط. وتابعت: “صعب الواحد يشوف بيته مدمر. نحن كنا بس ناطرين تخلص الحرب لنرجع على بلدتنا ميس الجبل. يعني صعب كثير الواحد يترك ضيعته، بيت طفولته، جيرانه. صعب التأقلم في مكان ثانٍ غير الضيعة. كثير صعب”.
ترفض فاطمة دائمًا فكرة بيع منزل طفولتها لبناء منزل في مكان آخر، بسبب ارتباطها العميق بقريتها. سلخها العدو عن ماضيها، وسلبها أبسط لحظات السعادة، كتلك التي كانت تقضيها أمام باب منزلها تحتسي فنجان النسكافيه وتلوح للمارة بعبارة: “أهلاً وسهلاً، تفضلوا”. لكنها رغم كل ذلك تكرر: “الحمدلله، الحمدلله على كل شيء. أمام خسارة الأرواح، تحسين حدا عامل لك بلوك على الشعور. ما بقا قادرة تفكري، ولا قادرة تحسي بشيء”.
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تمكنت فاطمة من العودة إلى ميس الجبل، لكنها لم تستطع الوقوف طويلًا أمام حطام بيتها. “ما قدرت أوقف أكثر من دقيقتين. كل شيء كان مدمر. في أحياء كاملة صارت خراب”، تقول، وتضيف: “بس رغم كل الدمار، حسّيت بأمان لأنني بضيعتي”.
ورغم كل الخسارات، تتمسك فاطمة بحقها بالعودة إلى أرضها، مؤكدة: “نحن متمسكين بحياتنا فوق. ما فيك تترك أرضك وبيوتك، حتى لو دمار. بدك تطلعي، تزبطي، وتعمري، لأنو ما فيك تتركيها لحدا. الوضع فرض علينا نكون بعاد، بس رح نرجع، رح نرجع نعمر ونبني الجنوب مثل قبل. هذه بيوتنا، وهذه أرضنا، وما فينا نتخلى عنها”.
إعادة الإعمار لن تبدأ قبل نهاية 2025
آمال فاطمة ومن مثلها من أبناء القرى الحدودية الذين خسروا منازلهم، تصطدم بواقع خطط إعادة الإعمار غير الواضحة، مع وجود الانتهاكات الإسرائيلية اليومية والتهديدات المباشرة للمقيمين فيها. في وقت يُمنع من هم في الخارج من العودة لمعاينة منازلهم أو الاستقرار فيها.
خطط الدولة لن تدخل حيز التنفيذ قبل نهاية العام الحالي، يقول إبراهيم شحرور، نائب رئيس مجلس الإنماء والإعمار في حديث لـ”صلة وصل”، ويوضح: “المجلس بدأ بإجراءات التلزيم للمكاتب الاستشارية لإعداد ملفات التلزيم للأشغال، ولكن لن يستطيع توقيع أي عقود قبل إقرار قرض البنك الدولي البالغة قيمته 250 ألف دولار أميركي من قبل مجلس النواب، والذي يعتبر جزءًا من التمويل المطلوب لإعادة الإعمار”.
هدف الحكومة هو إعادة كل مواطن إلى أرضه مهما كانت العوائق
في هذا السياق، تسعى الحكومة، بحسب شحرور، إلى تأمين 750 مليون دولار إضافية من أصل مليار دولار، وهي الكلفة التقديرية الكاملة لمشروع المساعدة الطارئة للبنان (LEAP)، والذي يهدف إلى دعم إعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات العامة في المناطق المتضررة.
وفي وقتٍ يشدد شحرور على أن “هدف الحكومة هو إعادة كل مواطن إلى أرضه مهما كانت العوائق”، تؤكد وزارة الأشغال العامة والنقل، عبر مكتب الوزير فايز رسامني في حديث لـ”صلة وصل”، أن أبرز العقبات أمام التنفيذ الفوري تتمثل بـ”غياب الاستقرار نتيجة استمرار الحرب، ما يعيق البدء الفعلي بعملية إعادة الإعمار”.
ورغم إيضاح المكتب أن الوزارة وضعت خطة تمهد لإعادة الحياة تدريجيًا إلى القرى، عبر تأهيل الطرقات والجسور المتضررة بفعل الحرب، ولكنها لا تشمل تلك التي تتطلب تدخلًا مباشرًا في شبكات البنى التحتية الأساسية مثل المياه والكهرباء. رهنت الوزارة الجدول الزمني للمباشرة بالإصلاحات، بالظروف القائمة، ما يجعل عودة الناس إلى قراهم مرهونة بقدرة الدولة على تنفيذ وعودها.
120 ألف نازح جنوبًا وتغييرات سكانية مقلقة
القرى الجنوبية تعيش اليوم واقعًا لم نشهد له مثيلًا منذ عقود. فمع استمرار النزوح وتعثر انطلاق خطط إعادة الإعمار، يقدر عدد السكان غير القادرين على العودة إلى منازلهم بنحو 120 ألف شخص، بحسب منظمة الهجرة الدولية، وهو رقم يفوق بكثير ما سُجل عقب حرب تموز عام 2006.
والفارق الجوهري لا يقتصر فقط على حجم الدمار، بل على طبيعته وأهدافه. فبينما شهدت مرحلة ما بعد 2006 إطلاقًا سريعًا لعمليات إعادة الإعمار وعودة تدريجية للنازحين، جاء الدمار في حرب 2023-2024 أكثر اتساعًا وشمولًا، واستمر حتى ما بعد وقف إطلاق النار، عبر تفخيخ المنازل وتسويتها بالأرض. الأمر الذي اعتبره الدكتور شوقي عطية، منسّق مختبر الديموغرافيا في الجامعة اللبنانية، محاولة متعمدة لخلق حزام عازل بيننا وبين فلسطين المحتلة، خاضع للسيطرة الإسرائيلية.
وعقب حرب قتلت ما بين 7500 إلى 10000 شخص، يلفت عطية إلى أن لبنان يقترب من المرحلة الخامسة في التحول الديموغرافي، حيث تتساوى معدلات الولادات والوفيات، بل قد تتخطى الوفيات معدلات الولادات خلال العقد المقبل، عازيًا هذا الاتجاه إلى تراكم الأزمات والهجرة، وخصوصًا منذ عام 2019. ففي حين تراجعت الولادات من نحو 110 آلاف ولادة سنويًا قبل 15 عامًا إلى 66 ألفًا فقط، ارتفعت أعداد الوفيات لتصل عام 2022 بسبب الأزمات التي شهدها لبنان والعالم، إلى 32 ألف حالة، مقارنة بـ26 إلى 27 ألفًا بالمعدل الطبيعي.
لبنان يقترب من المرحلة الخامسة في التحول الديموغرافي،
حيث تتساوى معدلات الولادات والوفيات
رغم ذلك، يعتقد عطية بإمكانية حصول انتعاشة طفيفة في معدلات الولادات هذا العام، مدفوعة بالعودة عن قرار تأجيل الإنجاب بسبب الحرب الأخيرة، إضافة إلى العوامل العقائدية والاجتماعية. هذا الارتفاع يعد مألوفًا عقب الأزمات في لبنان، حيث شهد البلد بين عام 1990 و1995 انفجارًا في معدلات الولادة، على إثر انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية. ولا يزال مواليد هذه السنوات الخمس، الفئة الأكثر انتشارًا في لبنان حتى اليوم، وأعمارهم تتراوح بين 30 و35 عامًا.
في ظل هذا المشهد المركب، يبقى الجنوب جزءًا من بلد لطالما شهد، منذ تأسيسه حتى اليوم، سلسلة من التحولات السكانية التي لعبت الحروب دورًا أساسيًا في تكريسها. وما تمسك فاطمة، ومعها آلاف الجنوبيين، بحقهم في العودة إلى أرضهم، إلا تأكيد على أن هذا الحق غير قابل للتفاوض. لأن البيت، كما غنى وديع الصافي، سيبقى صامدًا.. ولو بين الركام.














❤️❤️