الجنوب يخسر 56 ألف شجرة في أسوأ نكبة بيئية
على وقع الخروقات الإسرائيلية التي لا تهدأ منذ الحرب الأخيرة، يبدأ موسم الزيتون هذا العام وكأنه فعل تحدٍّ لا موسم حصاد. في ميس الجبل، عيترون، بنت جبيل ورميش، تتشابه الحكايات وإن اختلفت الأسماء. مشهد القطاف هذا العام لا يشبه سوى محاولة لانتزاع الحياة من بين الركام. رجالٌ يمدّون سلالهم بين الأشجار المحروقة، ونساءٌ يقطفن الزيتون بيدٍ ترتجف من الخوف، وبالأخرى تتشبّث بالأرض، فيما أصوات القصف البعيد تعيد إليهم ذاكرة الحرب التي لم تنتهِ بعد.
ورغم الخروقات اليومية التي تُهدّد الجنوبيين وتمنعهم من الوصول إلى أراضيهم بأمان، واحتراق آلاف أشجار الزيتون بفعل القصف الإسرائيلي المستمر، وغياب أي خطة رسمية لإعادة إحياء ما تبقّى من الموسم، يصرّ أهالي القرى الجنوبية الذين فقدوا جزءًا كبيرًا من محاصيلهم على متابعة القطاف ومواجهة خطر خسارة ما تبقّى من أرزاقهم. فنراهم يحملون السلال إلى الحقول نفسها التي كانت يومًا مسرحًا للنيران. ولكن خلف هذا الإصرار يتكشّف وجهٌ آخر للأزمة: تراجعٌ في الإنتاج، وارتفاعٌ في التكاليف، وتراكمٌ في الخسائر التي تهدّد أحد أهم مصادر الدخل لدى المزارعين والمزارعات الجنوبيين.
كنت أقطف 900 كيلو واليوم 26 فقط
الحاج يوسف قاروط من ميس الجبل كان يقطف سنويًا نحو 900 كيلوغرام من الزيتون، ينتج منها ما يقارب 15 غالونًا من الزيت. أما هذا العام، فلم يجمع سوى 26 كيلوغرامًا فقط، أي أربعة ليترات من الزيت فقدت طعمها ورائحتها المعتادة. يقول: “الأرض كلها انجرفت، ولا شجرة بقيت واقفة”، مشيرًا إلى أن ثلاثة دونمات من أرضه وستين شجرة زيتون سُحقت من جذورها بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، رغم بُعدها مئات الأمتار عن الحدود.
مشهد القطاف هذا العام لا يشبه سوى محاولة لانتزاع الحياة من بين الركام
وارتفاع كلفة اليد العاملة زاد “الطين بلّة”، إذ وصلت أجرة العامل الواحد إلى 25 دولارًا في اليوم، فيما الإنتاج لا يكاد يكفي مؤونة العائلة، بحيث اضطر الحاج يوسف إلى شراء الزيت من مناطق أخرى كحاصبيا والبقاع والشمال بسعر 160 دولارًا للغالون، بعدما كان يبيع نحو أربعة غالونات في المواسم السابقة.
ويشير إلى أن أخيه الذي كان ينتج في المواسم السابقة ما بين خمسين وستين تنكة زيت، لم يتمكّن هذا العام إلا من إنتاج ربع تنكة فقط، قائلًا: “الضيعة خراب”، والموسم لا يغطي سوى 10 إلى 15 في المئة من إنتاج السنوات الماضية.
23 غالون زيت قبل الحرب وغالون واحد فقط هذا العام
في بنت جبيل، لا تبدو الصورة أفضل حالًا. الحاجة أم طارق تصف الموسم بـ”العدم الشرعي”، إذ كانت تملأ بيتها سنويًا بثلاثٍ وعشرين غالونًا من زيت الزيتون الصافي، أي أكثر من 390 كيلوغرامًا من الزيت، لكنها لم تجنِ هذا العام سوى غالونٍ واحد فقط وخمسة كيلوغرامات من الزيتون. تقول: “من أول ما بدأت الحرب، الزيتون كله خرب وما عاد يثمر”، وتضيف أنها فقدت نحو ستين شجرة تكسر معظمها أو احترق جزئيًا بفعل القذائف. حتى الزيت، كما تصفه، “صار لونه خفيفًا وبلا نكهة”.
ورغم تدخل قوات “اليونيفيل” بالتعاون مع الجيش اللبناني لتمهيد الطرقات وتأمين وصول المزارعين إلى الحقول خشية وجود مخلّفات متفجرة، لم يترافق ذلك مع أي دعم فعلي لإنقاذ الموسم. تقول أم طارق: “ما شفنا أي دعم لا من الوزارات ولا من المعنيين بالزراعة”، مؤكدة أن كلفة اليد العاملة فاقت قيمة الإنتاج، فـ”اشتغلنا وتحملنا الخسارة بمفردنا”.
خسائر فادحة في ميس الجبل
يؤكد رئيس بلدية ميس الجبل، حبيب قبلان، أن جميع أشجار الزيتون في البلدة اقتُلعت أو تضررت بالكامل بفعل الاعتداءات الإسرائيلية، مع بقاء بعض الأشجار بلا ثمار وحرق نسبة كبيرة منها، ما أسفر عن خسائر فادحة، إذ تحتوي بعض الحقول على أكثر من 150 شجرة تم جرفها وسحقها.
ويوضح قبلان أن الأشجار المتبقية تعاني من مشكلات بيئية بسبب الجفاف وقلة الأمطار والإهمال الناتج من الحرب، وأن الزراعة بحاجة إلى متابعة ورعاية مستمرة، مع توقع أن تحتاج المحاصيل إلى سنتين إضافيتين لتعود إلى الإثمار.
ويشير إلى أن البلدية لم تبدأ بعد بدعم قطاع الزيتون، مركّزة حاليًا على فتح الطرقات وتنظيف الركام وإعادة الكهرباء والماء ودعم التعليم، على أن يُعالج ملف الزراعة لاحقًا.
الأشجار المتبقية تعاني من مشكلات بيئية،
بسبب الجفاف وقلة الأمطار والإهمال الناتج من الحرب
ويلفت قبلان إلى أن المزارعين الذين تمكنوا من القطاف لم يواجهوا صعوبات كبيرة بفضل تنسيق البلدية مع الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”، بينما تبقى بعض المناطق القريبة من الخط الأزرق صعبة الوصول وخطرة. ويصف موسم الزيتون لعام 2025 بـ”العدم الشرعي” نتيجة عدم قطف الأشجار في 2024، ما أدى إلى انعدام الإنتاج، مضيفًا أن المزارعين يسعون حاليًا للاهتمام بالزيتون لضمان موسم أفضل، رغم الغياب شبه الكامل للدولة والدعم الرسمي، باستثناء بعض الجهود المحدودة من مجلس الجنوب.
نقيب المزارعين: عام 2025 “سنة نكسة زراعية”
من جهته، يؤكد نقيب المزارعين في لبنان، إبراهيم الترشيشي، أن شجرة الزيتون كانت “الأكثر تضررًا”، إذ تعمّد الجيش الإسرائيلي حرقها ورميها بالفوسفور، وأن المزارع اللبناني يعيش وضعًا لم يشهد أسوأ منه منذ خمسين عامًا، نتيجة الحرب والجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج وانعدام فرص التصريف والتصدير.
ويضيف: “إن هجرة الأهالي من قراهم الحدودية أدّت إلى إهمال ما تبقّى من أشجار الزيتون، إذ عجز المزارعون عن العناية بها نتيجة النزوح”، لافتًا إلى أن هذا الإهمال ترافق مع الجفاف وشحّ الأمطار، ما أدّى إلى تراجع حاد في الإنتاج وصولًا إلى ما وصفه بـ”سنة النكسة الزراعية”.
شجرة الزيتون كانت "الأكثر تضررًا"،
تعمّد الجيش الإسرائيلي حرقها ورميها بالفوسفور
ويؤكد الترشيشي أن عام 2025 يُعد سنة قحط على مختلف المستويات الزراعية، ولا سيما في قطاع الزيتون، مشيرًا إلى أن حجم الإنتاج الحالي لا يتجاوز 50% مقارنة بالعام الماضي، لكنه أوضح أن هذا النقص لا يشكّل أزمة حقيقية، لأن كميات الزيت المتبقية من الموسم السابق لا تزال كافية لتغطية حاجات السوق المحلية.
أما في ما يتعلق بالدعم والتعويضات، فيشدد الترشيشي على أن جميع الخطط المعلنة لمساعدة المزارعين بقيت حبرًا على ورق، قائلًا إن الدولة حاليًا ليست في وارد تقديم أي دعم أو تعويضات عن الخسائر الناتجة من الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب أو البقاع، وواصفًا الواقع الزراعي العام بأنه “منكوب”.
وينتقد الترشيشي أداء التعاونيات الزراعية، معتبرًا أنها لا تؤدي دورها في دعم المزارعين بسبب ضعف إمكاناتها الإدارية والمالية، داعيًا وزارة الزراعة إلى إطلاق حملة وطنية لتوزيع شتول الزيتون مجانًا على المزارعين المتضررين، مؤكدًا أن هذه الخطوة البسيطة في كلفتها قادرة على إنعاش قطاع الزيتون في الجنوب.
أكثر من 10,800 هكتار محروقة و56,000 شجرة مدمّرة
هذه الخسائر الفردية ليست سوى انعكاس لصورة أشمل تُظهر انهيارًا بيئيًا يمتد على طول الحدود الجنوبية، حيث أعربت مسؤولة الحملات في “غرينبيس” الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فرح الحطاب، عن قلقها العميق من التدمير المتواصل للبيئة الزراعية في جنوب لبنان، محذّرة من أن التلوث الناتج عن الذخائر غير المنفجرة قد يفاقم أزمة الأمن الغذائي والتنوع البيولوجي ما لم تُعتمد خطوات عاجلة لإعادة تأهيل الأراضي.
توضح “غرينبيس” أن صور الأقمار الصناعية كشفت عن حرائق واسعة اشتعلت بفعل الغارات الجوية المكثفة واستخدام أسلحة حارقة مثل الفوسفور الأبيض، وأتت في عام 2024 على أكثر من 10,800 هكتار، أي أربعة أضعاف مساحة بيروت وعشرة أضعاف المعدل السنوي، مستهدفة النبطية وجنوب لبنان على طول الحدود البالغة 120 كيلومترًا. وتسبّب هذا التدمير بخسائر اقتصادية كبيرة شملت 121 هكتارًا و56,000 شجرة زيتون، مهدّدة نحو 36% من إنتاج لبنان من الزيتون، إضافة إلى تراجع كبير في محصول التبغ في القرى الحدودية، حيث يقيم نصف المزارعين.
صور الأقمار الصناعية كشفت عن حرائق واسعة،
اشتعلت بفعل الغارات الجوية المكثفة واستخدام أسلحة حارقة
وإلى جانب الخسائر المباشرة، تشكّل الذخائر غير المنفجرة تهديدًا مضاعفًا للإنسان والبيئة، إذ تعرّض أكثر من 700,000 مدني للخطر، كما تتسرب منها معادن ثقيلة ومواد سامة تلوّث التربة والمياه الجوفية، ما يعمّق أزمة البيئة الزراعية ويعطّل مسار التعافي.
ولفتت المنظمة إلى أن قياس الأضرار بعد القصف يتطلّب أولًا إزالة الذخائر غير المنفجرة لضمان السلامة قبل دخول فرق التقييم. وبعد التأمين، تُجرى مسوحات شاملة للتربة والمياه لقياس تركّز الملوثات، إلى جانب متابعة التنوع البيولوجي لمعرفة تأثير القصف على النظم البيئية والزراعية.
الجنوب المنكوب بيئيًا
أكدت “غرينبيس” ضرورة الإسراع في تقييم الأضرار وإعادة التأهيل على المدى القصير والبعيد للحد من تدهور التربة والمياه والزراعة وحماية الأمن الغذائي والمجتمعات في الجنوب.
وشددت على أن استعادة البيئة الزراعية تتطلّب نهجًا شاملًا يرتكز على إعادة إعمار مستدامة وحماية المجتمعات، مع إعطاء الأولوية لحلول نظامية تتخطى الإغاثة الطارئة، عبر تطوير نظم غذائية زراعية مستدامة ولا مركزية، وربط إزالة الألغام بالاختبارات العلمية للتربة وبخطط إعادة التأهيل البيئي لضمان إنتاج طويل الأمد.
كما دعت إلى اعتماد أفضل التقنيات المتاحة، من خلال تنفيذ تقييمات الأثر البيئي والاجتماعي، وتنظيم استخراج الموارد، وحماية النظم البيئية، وتعزيز الشفافية ومشاركة المجتمع المحلي لضمان دور فعّال للمزارعين في التخطيط للتعافي بما يضمن مستقبلًا مستدامًا وعادلًا.
إن استعادة البيئة الزراعية تتطلّب نهجًا شاملًا يرتكز على إعادة إعمار مستدامة
ورأت “غرينبيس” أن التعافي الحقيقي لا يتحقق من دون الجمع بين المعرفة العلمية ومشاركة المجتمعات في كل خطوة، وأن إزالة المخاطر البيئية ومراقبة التربة والمياه وبناء نظم زراعية مستدامة عناصر أساسية لحماية الأمن الغذائي والصحة البيئية.
وبحسب منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تعرقل الألغام ومخلّفات الحرب الاستدامة مباشرة عبر تلوث الأراضي الزراعية وحرمان المزارعين من الوصول إليها، ما يزيد انعدام الأمن الغذائي لنحو 60 مليون شخص حول العالم، بينهم في لبنان. كما تتسرب المواد السامة من هذه المخلفات إلى التربة والمياه، فتضعف خصوبتها وتشكل خطرًا على سلامة الغذاء بسبب امتصاص المحاصيل لهذه السموم.
بين التلوث الناتج عن القصف وغياب أي خطط رسمية لإعادة الإعمار الزراعي، يجد المزارعون أنفسهم في معركة مزدوجة: ضد نتائج الحرب، وضد الإهمال الذي يطيل عمر أوجاعهم. وفي ظل انكفاء الدولة عن دعم هذا القطاع الحيوي، يبقى الجنوب يقاوم وحده، يرمّم ما تبقّى من أرزاقه بعرق اليد وصبر الأرض.
موسم الزيتون الذي كان يومًا عيدًا قرويًا صار اليوم فعل بقاء، وشهادة على أن هذه الأرض، مهما طال القصف وتراكمت الخسائر، لا تُهزم. فكل قطرة زيت تُعصر من بين الأغصان المتفحمة تحمل في طياتها معنى الصمود، وتذكّر أن حياة الجنوب مستمرة رغم كل الصعاب، وأن المزارعين هم من يحافظون على إرث الأرض ويزرعون الأمل بين رماد الحرب.














هذا المنشور يحكي عن الواقع الذي نعيشة بالتمام