تبقى فاطمة، وهي سيدة لبنانية في السبعين من عمرها، أسيرة الفراش منذ أشهر عديدة، يهتم بها عدد من الجيران الذين يقدمون لها الطعام ويساعدونها في الوصول إلى الحمّام. إنها تعيش وحيدة بعد وفاة والديها وزوجها، في منزل يحوي غرفتين فقط، شأنها شأن جيرانها الذين يعيشون في المجموعة الرابعة من بنايات التعمير في مدينة صيدا، والمعروف باسم تعمير عين الحلوة.
إنه حي مهمّش من أحياء مدينة صيدا، تعيش فيه فئات شعبية مهمّشة، تفتقر حياتهم إلى الخدمات العامة التي هي حق لهم بصفتهم مواطنين في دولة مفترضة.
وفاطمة المريضة، التي تحتاج إلى رعاية صحية واستشفائية، لا تصلها بسبب تراجع الخدمات وعدم تحمّل السلطات المحلية والمركزية مسؤولياتها تجاه المواطنين.
كيف وُجد هذا الحي الشعبي في مدينة صيدا؟
شهد لبنان عمومًا وصيدا خصوصًا زلزالًا أرضيًا أدى إلى تدمير مئات المنازل في صيدا القديمة عام 1956، ما دفع الدولة اللبنانية آنذاك إلى بناء مساكن شعبية في حي الدكرمان/صيدا وفي أراضي بلدة المية والمية الملاصقة.
بلغ عدد الوحدات السكنية في الأبنية المشادة أكثر من 1208 وحدات سكنية، ما بين شقق في بنايات أو بيوت منفصلة. وبدأ المواطنون باستلام منازلهم عام 1961، وانتهت عملية البناء والتسليم عام 1968.
ومنذ ذلك الحين، مرّت بالمنطقة الحرب الأهلية عام 1975، والحرب الإسرائيلية عام 1982. كما شهدت المنطقة بناء وحدات سكنية غير قانونية أُضيفت إلى ما هو موجود بسبب الحاجات الاجتماعية. ومنذ ذلك الحين لم تُجرَ أي عملية إصلاح أو ترميم، وخصوصًا أن البنايات صارت تعاني من مشكلات في الملاجئ وشبكات الصرف الصحي وشبكات مياه الشفة وشبكة الكهرباء، بالإضافة إلى غياب الطرش والدهان عن المساحات المشتركة للبناء وتآكل ورقة الإسمنت عن بعض الجدران.
يعاني معظم الأبنية من تشقق في الجدران ونشّ في الأسطح،
ما يعرّض المقيمين إلى أخطار عديدة
يسكن المنطقة نحو 13 ألف إنسان، نحو 70 بالمئة من اللبنانيين و27 بالمئة من الفلسطينيين، والباقي من السوريين. معظم السكان من الفئات الفقيرة، يعملون بأعمال يومية أو عاطلين من العمل، ما يحرمهم من القدرة على إصلاح منازلهم.
حاليًا يسكن في حي الفيلات 336 أسرة، وفي التعمير الوسطاني 271 أسرة، وفي بنايات رجال الأربعين والمجموعة الخامسة 510 أسر، وفي بنايات البحرية 103 أسر، وفي المجموعة الرابعة 220 أسرة، وفي الخط العام 165 أسرة.
أي ما مجموعه 1605 أسر، يُضاف إليها عدد من الأسر التي بنت منازلها بالقرب من الأراضي التابعة لعقارات التعمير.
يعاني معظم الأبنية من تشقق في الجدران ونشّ في الأسطح، وتصدّع في السلالم، ما يعرّض المقيمين إلى أخطار عديدة، وهذا ما حصل في بنايات رجال الأربعين خلال العام الماضي.
معظم شبكات المياه المبتذلة في الأبنية بحاجة إلى تصحيح، والملاجئ مليئة بمياه الشتاء والمجارير. شبكة المياه المبتذلة قديمة وبحاجة إلى تغيير وتوسيع الأنابيب. كذلك شبكات مياه الشفة، ويمكن ملاحظة تسرب المياه من الشبكة في أكثر من مكان.
وتعاني المنطقة أيضًا من مشكلة مستوعبات النفايات غير الكافية والموزعة بطريقة غير دقيقة، ولا تُجمع النفايات بشكل دوري، ما يفرض تدخل الناشطين للضغط على البلدية لنقل النفايات.
يسكن المنطقة نحو 13 ألف إنسان،
نحو 70 بالمئة من اللبنانيين و27 بالمئة من الفلسطينيين، والباقي من السوريين
لا توجد إنارة دائمة في المنطقة، وهذا ما يخلق حالة غير آمنة، ويمنع الكثيرين، وخصوصًا النساء، من التنقل ليلًا. الشوارع الرئيسة والفرعية بحاجة إلى صيانة.
أما الوضع التعليمي فهو على الشكل الآتي:
توجد ثانوية رسمية تتسع لألف تلميذ وتلميذة، لكن عددهم لا يتجاوز 400 تلميذ وتلميذة لغياب التجهيزات والأساتذة ذوي الاختصاص، لذلك نجد أن معظم تلامذة المنطقة يتعلمون في مناطق أخرى من المدينة.
أيضًا، هناك مدرسة ابتدائية، لكن بسبب الإجراءات الأمنية من قبل القوى الأمنية يمتنع العديد من الأهالي عن تسجيل أولادهم، وهناك أماكن شاغرة جدًا.
شهدت منطقة التعمير خلال الأعوام الماضية تسربًا واسعًا في صفوف التلاميذ بسبب صعوبة الانتقال وكلفته.
أما الوضع الصحي، فيوجد مستوصفان في المنطقة، لكن الخدمات محدودة. ويتقاضى المستشفى الحكومي كلفة تقارب ما تتقاضاه المستشفيات الخاصة، وعلى المواطن دفع مبالغ من المال للاستشفاء إذا تم استقباله.
بلدية صيدا مسؤولة عن التعمير التحتاني، لكنها لا تقوم بالمطلوب منها إلا بعد اتصالات وضغط. أما بلدية المية ومية، وهي المعنية بالتعمير الوسطاني والفيلات، فهي غير مسؤولة ولا تقوم بأي مهمة مطلوبة، والحجة أن سكان المنطقة ينتخبون في صيدا.
لا توجد لجان شعبية ممثلة للأهالي، كما أن أطرافًا سياسية تمنع قيام مثل هذه اللجان وتحاول احتكار هذا الدور بما يخدم مصالحها السياسية. لا توجد أي دراسة علمية لوضع المنطقة واحتياجاتها.
المشاريع التي تنفذها مؤسسات ومنظمات دولية ومحلية تقع في إطار العمل بالمفرّق. في ظل هذه الظروف التي تعيشها المنطقة، كيف يمكن أن تكمل فاطمة حياتها؟ وما تعيشه فاطمة يعيشه المئات من أهالي التعمير، والاهتمام بهم يقتصر على الإعلام.













