مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

بين الإيمان والفضاء الرقمي

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
20/11/20252:51 م

في بلدٍ يفيض بالتناقضات، حيث تتقاطع الطوائف بالسياسة والقانون بالعرف، لم يعد النقاش حول حرية الرأي والمعتقد مقتصرًا على النصوص الدستورية أو ساحات القضاء. فاليوم، بات هذا النقاش يعيش في قلب الفضاء الرقمي، حيث تنعكس الصراعات الاجتماعية نفسها على شاشات الهواتف وأجهزة الحاسوب. وفي سياق يتّسم بتصاعد الرقابة الدينية والأمنية على الإنتاج الثقافي وعلى المنصّات الاجتماعية، يبرز سؤال ملحّ: كيف تتعامل المؤسسات الدينية والمدنية مع هذه الحريات، وكيف يؤثّر ذلك على السلامة الرقمية للمواطنين؟

حرية التعبير بين النصّ الدستوري والواقع المتقلّب

تنص المادة 13 من الدستور اللبناني على ضمان حرية الرأي والتعبير “ضمن دائرة القانون”، بينما تؤكد مقدمة الدستور على أن لبنان “يحترم الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد”.
لكنّ الواقع أبعد ما يكون عن هذا النصّ الواضح. فبين قوانين الأحوال الشخصية التي تقيد المعتقد، ومعايير “التجديف” و“المسّ بالذات الإلهية” و“ازدراء الأديان”، يجد المواطن نفسه أمام شبكة معقدة من الضوابط التي تتيح للسلطات الدينية والسياسية استخدام القانون لتقييد الحريات، خصوصًا حين تتعارض الآراء مع معتقدات جماعية راسخة.

هذا التناقض يتعمّق في العصر الرقمي، حيث تُصبح كل كلمة، صورة، أو منشور، مادة محتملة للملاحقة أو الاستهداف

المؤسسات المدنية… نحو حرية بلا سقف إلا الكراهية

أغلب المؤسسات المدنية المتابعة، مثل المفكرة القانونية، مؤسسة سمير قصير، مارش، أديان، ومنتدى التنمية والثقافة والحوار، تعتمد تعريفًا متقدّمًا للحرية، ينسجم مع المواثيق الدولية.
تعتبر هذه المؤسسات أنّ حرية التعبير والمعتقد حقوق أساسية لا يجوز الانتقاص منها، مع وجود حدود ضيقة جدًا تدور حول خطاب الكراهية المباشر.

وترى أن نقد المعتقدات والرموز الدينية يدخل في قلب العمل الديمقراطي، ولا يجوز وضعه في خانة التحريض أو “المساس بالمقدسات”، لأن ذلك يفتح الباب واسعًا أمام الرقابة الاستنسابية.

المؤسسات الدينية… الحرية مشروطة بعدم “مسّ المقدسات”

في المقابل، تنظر المؤسسات الدينية الثلاث التي شملها التقرير—المركز الكاثوليكي للإعلام، دار الفتوى، والمجلس الشيعي الأعلى—إلى الحرية من زاوية مختلفة:
الحرية حق، لكنّها مقيّدة بمسؤولية روحية وأخلاقية، وبضرورة احترام ما يعتبرونه “الثوابت الدينية”.
ويؤكد ممثلو هذه المؤسسات أنّ التعدي على الرموز الدينية أو “استفزاز الأكثرية” يشكّل انتهاكًا صريحًا، حتى لو ورد في سياق نقد ثقافي أو فني.

المؤسسات المدنية والدينية تتفق نظريًا على أهمية حماية الحريات. لكنها تختلف جذريًا في تعريف “الخط الأحمر”.
فالمدنية تحصره بخطاب الكراهية المباشر، بينما الدينية تعتبر أن نقد المعتقدات أو “السخرية منها” قد يشكل اعتداءً جماعيًا يتطلب المنع، وأحيانًا العقاب.

وفي هذا التقاطع الرمادي، يقع الصحافيون والفنانون والمستخدمون العاديون ضحايا لالتباس كبير.
فمنشور بسيط قد يُفسّر بطرق مختلفة، ويقود إلى استدعاء أمني، حملة تشهير، أو ملاحقة قانونية.

أن الرقابة على المحتوى الرقمي والفني في لبنان تتمّ عبر تعاون وثيق بين الأمن العام والمؤسسات الدينية، حيث تُعرض الأعمال الفنية على لجان دينية متخصصة لتحديد ما إذا كانت “مخالفة للعقيدة”.
وتُستخدم الملاحظات لفرض المنع، كما حدث في حالات عدّة تتعلق بكتب، أفلام، أو منشورات.

لم تعد الرقابة حكرًا على المؤسسات.
فاليوم، مجموعات من المستخدمين تنشط على المنصّات للإبلاغ عن المحتوى الذي يخالف معتقداتهم، ما يؤدي إلى إزالته أو ملاحقة أصحابه.
هذا “الاصطفاف الرقمي” يصنع بيئة شديدة الحساسية، تُفرض فيها الرقابة أحيانًا قبل الرقابة الرسمية.

السلامة الرقمية: من مساحة آمنة إلى مساحة هشّة

مع تصاعد الرقابة الدينية والأمنية في الفضاء الرقمي، تصبح السلامة الرقمية حاجة ملحّة، لا خيارًا.
فالمستخدمون—خصوصًا الصحافيين والنشطاء—يحتاجون إلى حماية بياناتهم وهوياتهم الرقمية، وتجنّب الاستهداف أو الاختراق أو التهديد.
وفي هذا الإطار، تشير المؤسسات المدنية إلى أن التضييق على الحريات في العالم الافتراضي يخلق بيئة خوف، يتراجع فيها النقاش العام، وتُخنق فيها المساحات النقدية.

تعتبر المؤسسات الدينية أن الرقابة الاستباقية على المحتوى ضرورة لحماية “السلم الأهلي” ومنع ما تراه “بلبلة دينية”.
وتُحمّل الأجهزة الأمنية مسؤولية التدخل، بينما تكتفي بإبداء الرأي الشرعي والأخلاقي.

في المقابل، تسعى المؤسسات المدنية إلى:

  • تدريب الصحافيين على الأمن الرقمي والحريات
  • إصدار تقارير ضغط
  • تقديم مرافعات نموذجية
  • اقتراح قوانين جديدة
  • دعم الفنانين والمؤسسات الفنية في مواجهة الرقابة

وترى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب القانون المدني للأحوال الشخصية، وفي تخويل المرجعيات الدينية حق التدخل في الفضاء العام.

غياب الحوار… جدار صامت بين الطرفين

باستثناء مؤسسة أديان التي تبني جسورًا محدودة مع المؤسسات الدينية، لا يوجد تواصل فعّال بين الجانبين.
المدني يرى أنّ الرقابة الدينية تعيق الحريات.
والديني يرى أنّ المدني يتساهل في المسائل “المقدسة”.
والنتيجة: فجوة عميقة تمنع صياغة رؤية مشتركة لحماية الحريّات في البلاد.

تُظهر قراءة العلاقة بين المؤسسات الدينية والمدنية أنّ لبنان يعيش حالة تجاذب دائم حول المفاهيم الأساسية للحرية.
وفي ظل تمدّد هذا التجاذب إلى الفضاء الرقمي، تصبح حرية التعبير أكثر هشاشة، وتصبح السلامة الرقمية خط الدفاع الأول للمستخدمين.

في النهاية، لا تضارب جوهريًا بين حرية المعتقد وحرية التعبير، ما دامت الأخيرة لا تدعو إلى الكراهية المباشرة.
لكنّ القوانين الفضفاضة، وتفسيرات “تحقير الشعائر الدينية”، واستخدام الدين كوسيلة للضغط، تجعل من الفضاء الرقمي مساحة محفوفة بالخطر.

وإلى حين اعتماد قانون مدني للأحوال الشخصية، ووقف الرقابة المسبقة، وإقرار معايير واضحة لخطاب الكراهية، سيبقى المواطن اللبناني يكتب على الإنترنت بقلق…
ويحمي رأيه كما يحمي جهازه: بالتشفير، والحذر، والرجاء.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x