لم أكن أعرف القاهرة جيدًا. بالنسبة لي، الفتاة القادمة من شمال سيناء، كانت العاصمة دائمًا ذلك العملاق المترامي الأطراف؛ أسمع أخباره في نشرات الأخبار وأراه في الأفلام والمسلسلات، لكنه ظل بعيدًا، كوكبًا آخر يدور في فلك مختلف عن فلكنا الشاطئي الهادئ. زياراتي إليها كانت نادرة، لا تحدث إلا لمناسبة؛ للترفيه قليلًا، أو لشراء ما لا نجده في مدينتنا، أو ربما للهروب من رتابة الساحل إلى صخب المدينة التي لا تنام.
لكن في إحدى تلك الرحلات، وأنا أتجول في شوارع وسط البلد، أحسست للمرة الأولى أن القاهرة تغيرت. وجهها المألوف لم يعُد هو نفسه؛ غلبت عليه مسحة صامتة من الحزن. كان هناك حضور جديد يملأ فضاءها، حضور لم أعهده من قبل؛ السودانيون. وجوههم ظهرت في كل مكان؛ في المترو، بالأحياء والمحلات التجارية، في الحدائق العامة. يجلسون، يعملون أو يقفون بنظرات تحمل قصصًا لم أكن أعرف كيف أقرأها. كانوا أشبه بقطع فسيفساء غريبة التحمت فجأة بلوحة المدينة، وجاءت محمّلة برياح حارة من الجنوب، تفوح منها روائح الحرب والغربة القاسية.
كنت أستعيد ما قرأت بالكتب التي درستها وتتعلق بعالم السياسة ونظرياته. السودان لم يَعُد مجرد بلد جار، بل صار مختبرًا حيًّا لتطبيق ما قرأته عن الدولة والسيادة والهجرة القسرية والإنسانية المشتركة. أستعيد وأتوقف هنا عند المنظّرة حنّا أرندت وما تراه حول حالة “اللاسلطة”، وكيف أن فقدان الدولة يعني فقدان الفرد لمكانته في العالم. بدا لي هذا المعنى حاضرًا في ذلك الرجل الجالس على الرصيف؛ ربما كان يومًا موظفًا أو تاجرًا في الخرطوم، لكنه هنا لم يعُد سوى رقم إضافي في أزمة لجوء قاسية.
أرواح متحركة وخرائط جديدة
عندما بدأت أبحث في الأرقام الرسمية، اكتشفت أن الحضور السوداني في مصر ليس جديدًا تمامًا. فبحسب تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، كان يعيش في مصر نحو 4 ملايين سوداني حتى أغسطس 2022. معظمهم كانوا مقيمين منذ سنوات طويلة، جاؤوا طلبًا للدراسة أو العمل أو بدافع القرب الثقافي والجغرافي. وقد تمركز نحو 56% منهم في محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية ودمياط والدقهلية، حيث شبكات العمل والفرص والمعارف.
لكن الحرب التي اندلعت في السودان في نيسان/أبريل 2023 قلبت المشهد رأسًا على عقب. فخلال أقل من عامين، نزح قرابة 1,5 مليون سوداني إضافي إلى مصر، بحسب بيانات الحكومة المصرية. ومع مطلع 2025، سجّلت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين نحو 673 ألف لاجئ سوداني في مصر؛ وهو الرقم الذي لا يشمل إلا من سُجِلوا رسميًا، بينما يظل العدد الأكبر خارج تلك القوائم.
هذه الأرقام لا تقتصر على الإحصاء، بل تعكس في ذات الوقت ثقلًا إنسانيًا واجتماعيًا وسياسيًا جديدًا على جسد المدينة.
مصر والسودان.. أخوّة وقيود
منذ سنوات، وُقّعت بين مصر والسودان اتفاقية الحريات الأربع التي تقضي بحرية التنقل والإقامة والعمل والتملك لمواطني البلدين. لكن التطبيق ظل متباينًا، يخضع لاعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية. ومع تدفق السودانيين بعد 2023، بدا أن القاهرة أعادت ترتيب قواعدها؛ ففي صيف 2024، أصدرت مصر قرارات خاصة بالسودانيين، تضمنت تسهيلات في الإقامة والعمل مقارنة بغيرهم من الجنسيات. على سبيل المثال، أعفت السودانيين العاملين في القطاع الخاص من رسوم استخراج تصاريح العمل.
وُقّعت بين مصر والسودان اتفاقية الحريات الأربع لكن التطبيق ظل متباينًا،
ويخضع لاعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية
ومع ذلك، فإن الإجراءات الرسمية ما زالت قائمة؛ أي أجنبي في مصر يحتاج إلى جواز سفر ساري، وإثبات محل إقامة (عقد إيجار موثق أو فاتورة مرافق حديثة)، وغرض قانوني للإقامة (عمل أو دراسة أو لم شمل)، مع تقديم الوثائق الداعمة. لكن بالمقارنة بغيرهم، ظل السودانيون أقرب إلى معاملة خاصة، بوصفهم “إخوة تاريخيين”.
الأخوة هذه لم تكن مجرد شعارات؛ ففي سبتمبر 2025، أعلنت مصر إعفاء السودانيين الراغبين في العودة إلى بلادهم من غرامات الإقامة المتأخرة لمدة ستة أشهر (حتى آذار/مارس 2026). كما نظّمت رحلات قطار مجانية من القاهرة إلى أسوان، لنقل الراغبين في المغادرة الطوعية، وغادر بالفعل آلاف منهم في هذه المبادرات.
المخيّلة الاجتماعية للسودانيين
لكن كيف ينظر السودانيون/ات أنفسهم إلى مصر؟ هنا يظهر مفهوم المخيلة الاجتماعية. والمقصود به ليس فقط الصور الذهنية التي يصنعها الإعلام أو الخطاب السياسي، بل أيضًا القيم التاريخية والرموز الثقافية التي تتوارثها الجماعات وتحدد رؤيتها للآخر.
وبحسب بول كان، المستكشف والكاتب الكندي، إن المخيّلة الاجتماعية مجموعة الفرضيات المُسبقة الكامنة في ذهننا، والتي تحدّد نظرتنا لما يجري حولنا في الفضاء الاجتماعي.
تاريخيًا، ظل كثير من السودانيين يرون في مصر “أم الدنيا” وملاذًا طبيعيًا، بحكم القرابة الثقافية، ومشتركات النيل، والتاريخ الطويل من التداخل السياسي، وهذا واقع لا يخطئ الهدف كثيرًا مع الأخذ في الاعتبار وجود تحديات تواجه أي إنسان بأي مكان بالعالم.
كانت القاهرة بالنسبة لأجيال من السودانيين مدينة التعليم والعمل، بل وحتى السياحة. كثير من العائلات السودانية اعتادت قضاء عطلات في أسوان أو الدراسة في جامعات مصرية. بل إن بعض قيادات الجيش السوداني، ومنهم الفريق عبد الفتاح البرهان، تلقوا تدريبهم في الكليات العسكرية المصرية.
ماذا يعني أن يفقد الإنسان دولته؟
"حنّا أرندت أجابت:"يعني أن يفقد مكانه في العالم.
لكن النزوح الكبير بعد 2023 أوجد طبقة جديدة من التصورات. ففي مقابلات صحفية، تحدث سودانيون عن “صدمة الاختلاف الثقافي”؛ قال أحدهم إن المصريين “أبوابهم مغلقة” اجتماعيًا، بعكس العادات السودانية الأكثر انفتاحًا وترحيبًا. آخر لاحظ أن المصريين “حياتهم موزونة بحسب دخلهم المادي”، بينما يميل السودانيون إلى إنفاق أكثر عفوية. هذه الملاحظات تبدو بسيطة، لكنها تكشف توترات دقيقة بين التوقعات التاريخية والواقع اليومي.
وفي المقابل، عبّر آخرون عن امتنان عميق لمصر رغم الصعاب. فقد أظهرت صور التقطت في المحطات أطفالًا سودانيين يرتدون قبعات كُتب عليها «شكرًا مصر»، في إشارة إلى تقديرهم للتعاون الإنساني الذي لمسوه، سواء في شكل القطارات المجانية أو الإعفاءات الرسمية.
القاهرة كمرآة لأزمة
القاهرة ليست محايدة في هذا المشهد. فهي تتحول إلى مرآة تُعكس عليها أزمة السودان. فمن يراقب الحدائق العامة أو محطات المترو أو الأسواق الشعبية، سيرى كيف أصبحت المدينة نفسها مختبرًا لتجربة النزوح القسري. السودانيون، بما يحملونه من قصص وحكايات وأحلام محطمة، صاروا جزءًا من يوميات القاهرة.
ومثلما تتأثر مصر بما يجري في السودان – سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا – فإنها تتأثر أيضًا في نسيجها الاجتماعي. فالتحدي هنا مزدوج؛ من ناحية، الحفاظ على قيم التضامن والأخوة، ومن ناحية أخرى، مواجهة الضغوط الاقتصادية والخدماتية التي يفرضها تدفق مئات الآلاف من الوافدين الجدد من الجنوب أو الحدود الشرقية حيث حرب الإبادة ضد الفلسطينيين.
الإنسان بين الدولة والاغتراب
في عمق كل هذه الأرقام والسياسات، يظل السؤال الإنساني حاضرًا؛ ماذا يعني أن يفقد الإنسان دولته؟ حنّا أرندت أجابت: “يعني أن يفقد مكانه في العالم”. الرجل الذي كان موظفًا في الخرطوم كما ذكرت آنفًا، أو المرأة التي كانت تدرّس في جامعة هنا أو هناك، يجدان نفسيهما في القاهرة مجرد أسماء في طوابير المكاتب الحكومية أو أرقامًا في تقارير المفوضية.
لكن في المقابل، هناك قصص مقاومة صغيرة؛ أسر تحاول بناء حياة جديدة، أطفال يلتحقون بالمدارس، شباب يجدون فرص عمل في ورش أو محلات. هذه القصص، وإن بدت عابرة، تشي بإصرار السودانيين على تحويل اللجوء المؤقت إلى مساحة بقاء وكرامة برغم كل الصعاب سواء في وطن يتهاوى أو وطن بديل يتطلب تأقلم.
إجمالًا، عندما أتذكر تلك اللحظة الأولى التي رأيت فيها السودانيين في شوارع القاهرة، أدرك الآن أن الأمر لم يكن مجرد “حضور جديد” في المدينة، بل كان علامة على تحولات أعمق. القاهرة لم تَعُد فقط مدينة المصريين، بل صارت فضاءً يضم جنوبًا جريحًا من مواطنين ومواطنات يبحثون/ن عن ملاذ آمن فقط.
وفي هذا التداخل، يصبح السودانيون في القاهرة ليسوا مجرد لاجئين، بل مرآة تكشف هشاشة المجتمع الدولي برمته؛ هشاشة الدولة، هشاشة الحدود، وهشاشة الإنسان حين يفقد مكانه.














“يا للغرابة، يا للسخرية،الإنسان لمجرد أنه خلق عند خط الاستواء،بعض المجانين يعتبرونه عبدا وبعضهم يعتبرونه إله، أين الاعتدال؟ أين الاستواء؟” إنه موسم الهجرة إلى الشمال يا الطيب صالح
طوبى للمعذبين على هذه الأرض لا بد لهم من حفنة أمل