عن الفتيات العلويات وما يكشفه الألم السوري
ليست حوادث اختطاف الفتيات العلويات في الساحل السوري مجرّد أخبارٍ عابرة تتداولها وسائل التواصل الاجتماعي ثم تختفي تحت ركام النسيان، بل هي علامة فاقعة على عمق التمزق الذي أصابَ البنية الأخلاقية والاجتماعية لسوريا، وعلى الطريقة التي تحوّل فيها الجسد الأنثوي إلى ميدان لتصفية الحسابات السياسية والطائفية.
خلال الأشهر الماضية تساقطت الأخبار من اللاذقية وطرطوس وحمص ودمشق، تحمل كلها تفاصيل متشابهة؛ فتاة تختفي في طريقها إلى الجامعة أو مكان العمل، عائلة تتلقى اتصالاً غامضاً أو تهديداً بالصمت، ثم لا شيء!؟ صمتٌ طويل ووجعٌ بلا نهاية.
إن عدد النساء والفتيات المختطفات في سوريا منذ بداية العام بلغ ما لا يقل عن 66 حالة، معظمهن من الطائفة العلوية
في تشرين أول/أكتوبر 2025، أشارت التقارير إلى أن عدد النساء والفتيات المختطفات في سوريا منذ بداية العام بلغ ما لا يقل عن 66 حالة، معظمهن من الطائفة العلوية. تتوزع هذه الحالات بشكل رئيسي في محافظات اللاذقية، طرطوس، حمص، وحماة، حيث يتم اختطافهن من الشوارع أو من داخل المنازل في وضح النهار دون أن تُعرف هوية الجهات الخاطفة.
ووفقاً لتقرير منظمة العفو الدولية الصادر في يوليو 2025، تم توثيق اختطاف 36 امرأة وفتاة علوية بين فبراير ويوليو 2025، تراوحت أعمارهن بين 3 و40 عاماً. من بين هذه الحالات تم اختطاف خمس نساء وثلاث فتيات قاصرات في وضح النهار، دون أن تتخذ السلطات أيّ إجراءات فعّالة للتحقيق أو تقديم المساعدة.
من جهة أخرى أفاد تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر في أبريل 2025 أن ما لا يقل عن 50 إلى 60 امرأة علوية اختُطفن في الأشهر الأولى من العام، مع احتمال تعرض بعضهن للاستعباد الجنسي.
تُظهر هذه الأرقام بوضوح أنّ ظاهرة اختطاف النساء في سوريا تتزايد بشكل مقلق وتستهدف بشكل رئيسي النساء العلويات.
النساء في مرمى الفوضى
هذا النمط المتكرر لم يعد يحتمل تفسيراً جنائياً بسيطاً. إنه جزء من منظومة أوسع للعنفِ المنفلت من كل ضابط، حيث تُستعاد أشكال قديمة من الانتقام الاجتماعي ويُعاد تدوير الخوف كأداة سيطرة. تقارير صادرة عن منظمات حقوقية عدة، من بينها الشبكة السورية لحقوق الإنسان والمرصد السوري، تشير إلى أنّ ظاهرة الاختفاء القسري في سوريا لم تتوقف بل تغيّرت ملامحها فقط بالتالي هو ليس مجرد امتداد لفوضى الحرب إنما أحد وجوهها الأكثر دلالة وقسوة.
فحين تُختطف امرأة في مجتمعٍ ما زال يرى فيها مرآة شرفه وذاكرته، فإن الجريمة تتجاوز الفرد لتصيب الجماعة بكاملها وهنا يتحوّل الخطف إلى أداة رمزية، تُستخدم لتقويض ما تبقّى من بنيةٍ اجتماعية هشّة، ولإعادة رسم حدود الخوف والهيمنة داخل الجماعات نفسها.
عصابات مجهولة تطلب فدية مالية، مجموعات محلية تبرر الخطف كعقاب سياسي،
أو حالات تُستغل في الاتجار والزواج القسري
يبدو أنّ الفتيات العلويات قد أصبحن رموزاً لجماعة اجتماعية تُحمَّل أوزار الحرب وخسائرها. في المخيال الشعبي المنكسر تحوّلت هوية الضحية إلى مبرر للجريمة وصار الجسد النسائي وسيلة للثأر الرمزي والسياسي.
كثير من الشهادات التي تواترت من الساحل السوري تلمّح إلى دوافع انتقامية أو اقتصادية؛ عصابات مجهولة تطلب فدية مالية، مجموعات محلية تبرر الخطف كعقاب سياسي، أو حالات تُستغل في الاتجار والزواج القسري. كلها وجوه لجريمة واحدة تُدار بصمت وتُغذّى بفراغ العدالة.
إنّ اللافت في هذه الظاهرة أنّها تأتي في لحظة انهيار مجتمعي شامل حيث تذوب الحدود بين النظام والمجتمع. لم يعد هناك مركز يُخاف منه، ولا قانون يُحتكم إليه. القانون في سوريا لم يختفِ، لكنه تجرّد من هيبته فأصبح الخطف أكثر من كونه جريمة ليصبح وسيلة تربية اجتماعية جديدة، يُعاد بها تشكيل الخوف والولاء.
ووفقاً للمرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2013، الصادر عن رئاسة الجمهورية العربية السورية والمنشور في الجريدة الرسمية (العدد 16 لعام 2013) يُعاقَب بالأشغال الشاقة المؤبّدة كلّ من أقدم على خطف شخصٍ بقصد تحقيق غايةٍ مادية أو سياسية أو طائفية أو انتقامية أو طلب فدية، وتُشدَّد العقوبة إلى الإعدام إذا أفضى الفعل إلى وفاة المخطوف أو إلى إصابته بعاهةٍ دائمة أو إذا وقع عليه اعتداءٌ جنسيّ أثناء احتجازه.
لذلك إنّ خطف فتاة في قريةٍ علوية لا يعني فقط انتزاعها من عائلتها بل إرسال رسالة إلى الجماعة بأكملها؛ أنتم مكشوفون ومكشوفات.. لا أحد في مأمن.
من سوريا إلى لبنان
حين نحاول فهم هذه الظاهرة، لا يمكننا أن نغفل عن تجارب موازية في المحيط الإقليمي، وأقربها ما شهده لبنان في منتصف عام 2025، حين تصاعدت حوادث اختفاء الفتيات والنساء بشكل مفاجئ، خصوصاً بين حزيران/يونيو وآب/أغسطس، حيث أُبلِغ عن أكثر من ثماني عشرة حالة خلال أسابيع قليلة.
أثارت تلكَ الحوادث صدمةً عامة، وسط حديثٍ عن شبكات استدراج وخطف تعملُ في الظل، رغم محاولات الأجهزة الأمنية بأن تحمي النساء أو تكشف عن مصيرهن. ما حدثَ في لبنان لم يكن فعل حرب أو مواجهة مسلّحة، بل تعبيراً عن اختلالٍ اجتماعي وأمني يذكّر بما تشهده مناطق سورية عديدة حيث مجتمعات تُترك لمصيرها وقانونٌ حاضر بالنصّ وغائبٌ بالفعل. في الحالتين يتحوّل الخطف إلى مرآة لانهيار الدولة، وإلى لغة جديدة يتكلّم بها الخوف في ظلّ غيابِ العدالة.
إنّ المقارنة بين الحالتين لا تقوم على المماثلة إنّما على التحذير من المسار، ففي لبنان كانت موجة الخطف الأخيرة ترجع الى عدة عوامل مختلفة وتشكل تعبيراً عن خللٍ اجتماعي وأمني قابل للاتساع إن تُرك من دونِ محاسبة، بينما في سوريا فأصبح الخطف علامة على تفكك داخلي بلغ حدّ أن يفترس المجتمع نفسه.
الخطف نظام خوف جديد
إنّ الخطف يمكن أن يصبح متزايداً مع غياب الحماية الأمنية لفئات الشعب بمختلف انتماءاتهم سواء كانت هذه الضحايا ينتمون إلى بيئة كانت حتى الأمس القريب تُحسب على السلطة أم تنتمي لبيئة أخرى.
كما أنّ هذا الانقلاب في موقع الضحية والجاني يعكس تحوّل الحرب السورية من صراعٍ سياسي إلى عملية تفكك اجتماعي عميقة، يكون فيها كلٌّ مهدَّداً من الجميع فبحسب تقرير ACAPS يوليو 2025، فإن المناطق السورية خصوصاً الساحل ووسط البلاد، تشهد تصاعداً ملموساً في التوترات الطائفية والاجتماعية، وهو ما لم يعد مقتصراً على نزاع سياسي محدود بل أصبح يشمل شبكة متشابكة من النزاعات المحلية على الموارد، والتهديدات الأمنية اليومية، واستهداف الجماعات الطائفية المختلفة.
غياب سياسات الدمج من الدولة وتراجع حضور القانون،
يساهم في إضعافِ النسيج الاجتماعي وخلقَ شعور دائم بعدم الأمان بين المواطنين
التقرير يشيرُ صراحة إلى أنّ غياب سياسات دمج فعّالة من الدولة وتراجع حضور القانون قد ساهم في إضعافِ النسيج الاجتماعي وخلقَ شعور دائم بعدم الأمان بين المواطنين. هذه الديناميكية تعكس تحوّل الحرب السورية من مجرد صراعٍ مسلح إلى عملية تفكك اجتماعي عميقة.
كما أنّ مؤشر الرأي العربي لسوريا 2025 يوضح جانبًا آخر من هذا التفكك فقد أظهرت نتائج الاستطلاع أنّ مفهوم الهوية الوطنية المشتركة أصبح هشاً إذ أشار 19% من المشاركين فقط إلى أنّ الثقافة السورية المشتركة تشكّل الأساس لهويتهم، بينما ركز 17% على اللغة العربية كعنصر جامع. هذا يفسرحالة الانقسام في النظرة المشتركة يعكسُ تآكل القيم الاجتماعية الجامعة ويعزز شعور الأفراد بالانعزالِ ضمنَ هويات فرعية مناطقية وطائفية، وهو ما يظهر جزئياً تصاعدَ الخطف والاستهداف المباشر للنساء والفتيات كأداةٍ للضغط والتخويف.
أما تقرير الأمم المتحدة ،الوضع الإنساني في سوريا حزيران/يونيو 2025، فيشير إلى أنّ التدهور الاقتصادي والاجتماعي المتواصل إلى جانب استمرارِ النزوح الداخلي والموجات الجديدة للعنف قد أسهم بشكل كبير في ازدياد ضعف الروابط الاجتماعية التقليدية بينَ العائلات والجماعات المحلية.
يشير التقرير إلى أنّ المنظمات الإنسانية تعمل بلا كلل لتقديم الدعم، لكنّ غياب الأطر الرسمية المستقرة وغياب تطبيقِ القانون بشكل فعّال يعكسُ حالة من الانفصال المجتمعي، تجعل أيّ محاولة لإعادة بناء الثقة والاعتماد المتبادل أمراً بالغ الصعوبة إذا لم يكن مستحيلاً.
الساحل يصرخ
إنّ قضية اختطاف الفتيات السوريات ليست حدثاً منفصلاً عن تاريخٍ طويل من استخدام الجسد كساحة للرسائل السياسية، فقد شهدت سوريا منذ اندلاع النزاع في 2011 حالات متكررة من الاعتقال التعسفي للنساء والفتيات خصوصاً في مناطق الحصار مثل حلب وريف دمشق، حيث كانت سلطات ومجموعات مسلحة تستخدم الاعتقال والتهديد الجنسي كأدوات لإرهابِ المجتمع المدني وتفكيكِ الروابط الأسرية كما يحصل اليوم .
و أهم ما تحتاجه سوريا اليوم ليس بيانات إدانة إضافية بل اعترافٌ صريح بأنّ الخطف والاختفاء القسري هما وجهٌ من وجوه الحرب المستمرة، وأنّ مواجهتهما لا تكون إلّا بإعادة بناء منظومة العدالة من الأساس. لا أمن بلا عدالة ولا مصالحة بلا مساءلة. وهذا ما شددت عليه منظمة العفو الدولية في تقاريرها، حين اعتبرت أنّ أي تسوية لا تضع ملف المفقودين والمخطوفين في أولويتها ستبقى تسوية ناقصة مرشحة للانفجار.
إنّ واجب الإعلام المستقل اليوم أن لا يكتفي بنقلِ المأساة، بل أن يمنحها معناها الإنساني والسياسي الحقيقي. فحين يُكتب عن خطف فتاةٍ في قريةٍ على الساحل، يجب أن يُكتب وكأنّ الوطن كله قد اختُطف معها لأنّ الخطف في نهاية المطاف ليس فعلاً ضد فردٍ واحد بل إعلانٌ رمزي عن انهيار الحماية الجماعية، عن موت الدولة كفكرة، وعن عجز المجتمع في الدفاع عن نفسه.
في لحظة كهذه لا يمكن للكتابة أن تكونَ محايدة فالمسافة الأخلاقية بينَ القلم والمأساة هي رفاهية لا يملكها السوريون بعد اليوم. وما دامت الفتيات يُختطفن في وضح النهار فإنّ كلّ نصٍّ لا يسمّي الجريمة باسمها هو شريكٌ في استمرارها.













