“لم أتخيل أن مشاركة تجربتي على منصة تيك توك لتحذير الآخرين ستتحول إلى هجوم ضدي. كل ما أردته هو أن أنبّه أقراني إلى مخاطر ركوب السيارات بمفردهم، خاصة مع تزايد حالات التحرش الجنسي. لكنني فوجئت بحصر هذا الترند وتخصصيه للنساء فقط، وأن عليّ (الدفاع عن نفسي بدل البكاء على تيك توك كالنساء)، كما قالوا لي”. هكذا يروي منصف، طفل جزائري في الخامسة عشرة من عمره، قصته، مُسلِّطاً الضوء على الوصمة المجتمعية التي تواجه الذكور عند الحديث عن تعرضهم للتحرش.
تتفاقم هذه الوصمة مع شهادات أخرى تُظهر عمق المعاناة والصمت الذي يعيشه الذكور، خاصة في سن مبكرة. يروي عبد الرحمن، شاب جزائري في الثامنة عشرة من عمره. تجربته المؤلمة: “تعرضت للتحرش الجنسي في سن الثالثة عشرة أثناء ركوبي الحافلة، قام رجل بلمسي في مناطق حساسة مستغلًّا الازدحام. لم أتمكن من التعبير عن نفسي في تلك اللحظة، ولم أخبر عائلتي أو أصدقائي بما حدث”.
أن الجزائر تعاني من غياب شبه تام لمنظومة متكاملة لدعم الأطفال الذكور والإناث ضحايا العنف الجنسي.
وفي سياق مشابه، يقدم محمد، الذي يبلغ الثلاثين من عمره. شهادة لا تقل إيلامًا: “تعرضت للتحرش عندما كنت في العاشرة من عمري. كنت راكبًا في الحافلة، وجلس بجانبي رجل كبير في العمر، بدأ يلمسني، وشعرت بخوف شديد. لم أستطع فعل شيء، ولم أخبر أحدًا من أفراد عائلتي أو أصدقائي خوفًا من اللوم أو عدم التصديق”.
لطالما سُلّط الضوء على النساء كضحايا رئيسيات للتحرش الجنسي، لكن هل الصورة كاملة؟ تزامنًا مع حملة “افضحي المتحرش” التي أطلقتها نسويات جزائريات بداية من شهر مايو 2025، لتشجيع نساء كثيرات على كسر حاجز الصمت ومشاركة شهاداتهن المصوّرة حول التحرش في الأماكن العامة، بدأت تنكشف قصص أخرى.
لم تقتصر هذه الحملة على منح النساء الشجاعة فحسب، بل دفعت الأطفال أيضًا إلى الكشف عن تجاربهم المؤلمة، مُظهِرَةً أنّ هذه الظاهرة أوسع انتشارًا وأكثر تعقيدًا مما نتصوّر.
بين التشريع والتطبيق: واقع حماية الطفولة في الجزائر
بدوره، يوضح عبد الرؤوف عبدي، الناشط في حقوق الطفولة وخريج الاتصال الصحي، أن الجزائر تعاني من غياب شبه تام لمنظومة متكاملة لدعم الأطفال الذكور والإناث ضحايا العنف الجنسي. فبالرغم من وجود بعض المؤسسات الحكومية، فإنها لا تمثل منظومة وطنية شاملة، كما أن الجمعيات التي تقدم دعمًا نفسيًا وقانونيًا تعاني من نقص حاد في التمويل والخبرات. ويقول عبدي: “إن العديد من العائلات تفضّل اللجوء إلى الجمعيات عوض التبليغ لدى مصالح الشرطة، وذلك بسبب الخوف من تعقيدات الإجراءات الأمنية والقضائية المرهقة”.
كيف يُطلب من طفل أن "يحمي نفسه"؟ وهل المظهر أو السلوك يمكن أن يكون مبررًا لارتكاب جريمة تحرش جنسي أو اغتصاب؟
فيما يخص الإطار القانوني، يضيف عبدي لمنصة وصل، أن الجزائر لديها ترسانة قانونية للوقاية والتكفّل بالضحايا، مثل قانون العقوبات وقانون حماية الأطفال لعام 2015. لكنه يرى أن فعالية هذه القوانين لم تُقيّم بعد، وأن آليات رئيسية مثل النظام الوطني للمعلومات حول حماية الطفولة لم تُفعّل، مما يشير إلى فجوة بين التشريع والتطبيق.
أما على صعيد الإعلام، يرى عبدي أن وسائل الإعلام الجزائرية شهدت تحولًا نحو تغطية أكثر احترافية لقضايا العنف ضد الأطفال، باللجوء إلى خبراء مختصين. ويشدد: “إنني أحذّر من خطورة وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمتلك المؤثرون تأثيرًا كبيرًا، وغالبًا ما يكون خطابهم سطحيًا ويحمل تبريرات ضمنية للاعتداءات.”
حين تتحول المنصات إلى أبواق للوم الضحية
اهتزت الجزائر، وبالأخص ولاية وهران، في شهر مايو الماضي 2025، بعد تداول فيديو عبر إحدى الصفحات المحلية يُظهر واقعة اعتداء على طفل، ما أثار موجة غضب واسعة في الأوساط الشعبية والحقوقية.
المثير للقلق كان تصريحات أحد مغنيي الراب الجزائريين المعروفين (تم حجب اسمه لأسباب تتعلق بالسلامة)، والذي نشر:”الأطفال الذكور ضحايا الاغتصاب هم فقط الأطفال الذين يتصرفون بأنوثة” الأمر الذي أثار جدلًا واسعًا، متضمنًا تلميحات تُحمّل الأطفال مسؤولية الاعتداءات التي يتعرضون لها، ما عُدّ تبريرًا ضمنيًا وخطيرًا لمثل هذه الجرائم.
هذه ليست المرة الأولى التي يُطلق فيها هذا المغني تصريحات تحمل طابعًا ذكوريًا يُلقي باللوم على الضحايا. كما أن عددًا من المتابعين أيدوا تصريحاته، ما يطرح تساؤلات مؤلمة: كيف يُطلب من طفل أن “يحمي نفسه”؟ وهل المظهر أو السلوك يمكن أن يكون مبررًا لارتكاب جريمة تحرش جنسي أو اغتصاب؟
مثل هذه التصريحات لا تزيد الطين إلا بلّة، وتُرسّخ ثقافة لوم الضحية، بدلًا من محاسبة الجاني وتوفير الحماية اللازمة للأطفال.
أمام هذا الواقع، يُطرح السؤال حول دور السلطة الجزائرية “لضبط السمعي البصري” في إصدار بروتوكولات واضحة وخطوط توجيهية لضمان تغطية إعلامية تحترم كرامة الضحايا وتخدم الصالح العام، مع التركيز على إدراج مسارات تدريبية أساسية ومستدامة للصحفيين والصحفيات في هذا المجال.













