مهمتنا تبدأ وتمضي بكم/ن

Silat Wassel Logo

أحلامي لا تزال قائمة

اشتركوا في

النشرة البريدية الشهرية

تم الاشتراك في النشرة بنجاح تم حدوث خطأ غير متوقع

تابعونا على

وسائل التواصل الاجتماعي

تم حفظ المقال في المفضلة
تم نسخ الرابط بنجاح!
28/02/20258:56 م

أطفال الجنوب يواصلون دراستهم على أنقاض مدارسهم

” أريد أن أتعلم، حتى لو كانت الظروف ضدنا”، يقول يوسف الطالب في صف الثامن في إحدى المدارس الرسمية في جنوب لبنان.

كان طموح يوسف، البالغ من العمر 13 عامًا، دائمًا أكبر من الظروف المحيطة به. كان يبدأ يومه في المدرسة بابتسامة، من مقعده المفضل في الصف الأمامي في الفصل، ليستمع إلى أستاذه بوضوح، إلا أن الأمر تغيّر باشتعال الحرب في جنوب لبنان بداية من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2024، بين إسرائيل وقوات حزب الله، بعد سلسلة هجمات إسرائيلية عنيفة على الحزب نتج عنها خسارة الصف الأول والثاني من قياداته.

بعد انتهاء الحرب في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر، وعودة المدارس للعمل، أصبح لزاماً على يوسف التعايش مع بيئة دراسية مليئة بالتحديات، حيث البرد يدخل من النوافذ المكسورة، والضجيج الناتج عن أعمال الترميم يتداخل مع أصوات المعلمين. ورغم كل هذا، يصر الفتى على المضي قدمًا، ويضيف بعزيمة: “قد تكون مدرستي تحطمت، لكن أحلامي لا تزال قائمة.”

إصرار يوسف على استكمال دراسته، لا يُخفي إحساساً بالحزن إزاء حال مدرسته: “مدرستي كانت بيتي الثاني، لكن بعد الحرب، صارت مجرد مبنى محطم. زجاج الصفوف مكسّر والجدران فيها تشققات”، يضيف: “صوت الجرافات والآلات الثقيلة يعملون حواليّ طوال اليوم”.

أما سحر، التي تكبر يوسف بسنتين، فهي أكثر تفاؤلا من يوسف، تقول:”كنت أعدّ الأيام لأرجع على المدرسة. أكثر ما اشتقت له هو أصدقائي ومقعدي الدراسي”، تصف سحر مشاعرها مع دخولها المدرسة لأول مرة بعد الحرب: “أحسست بفرحة كبيرة، لكن معها غصة. ليس سهلا أن ترى كل شيء تغير”، تحلم سحر أن تعود حياتها لما كانت قبل الحرب، وترى أن المدرسة هي أقرب مكان لتحقيق ذلك.

تضيف: “قد يكون المكان تغير، لكن أحلامي بقيت كما هي، وربما أقوى.” 

لم تترك الحرب في الجنوب اللبناني قطاعًا إلا وطالته أضرارها، وكان القطاع التعليمي من بين أكثر القطاعات تأثرًا، سواء المدارس الرسمية أو الخاصة، نتيجة العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان. 

بحسب تقرير النشرة الأسبوعية حول الاستجابة لحالة الطوارئ في قطاع التربية والتعليم للفترة من 30 نوفمبر وحتى 9 ديسمبر 2024، فمن بين نحو 1200 مدرسة رسمية في الجنوب، تعرضت نحو 33 مدرسة إلى أضرار جسيمة جعلتها غير صالحة للتدريس، في حين بلغ عدد المدارس العامة المتضررة جزئيًا وغير جاهزة للتدريس نحو 349 مدرسة، بينما لاتزال 14 مدرسة تُستخدم كمراكز إيواء.

 ويزيد عدد الطلاب المسجلين في المدارس الرسمية على ربع مليون طالبًا، فيما بلغ عدد المعلمين في المدارس الرسمية للعام 2024/2025 أكثر من 35 ألف معلمًا.

وأشار التقرير إلى أنه مع بداية عام 2025، ستعود المدارس الرسمية إلى اعتماد البرنامج الدراسي الأسبوعي البالغ 28 ساعة، مع إيقاف العمل بالبرنامج المؤقت الحالي الذي يتضمن 21 ساعة أسبوعيًا.

يقول علي هاشم، مدير مدرسة رسمية ابتدائية في جنوب لبنان: “نحن نسعى جاهدين لاستعادة ما يمكن من الوضع الطبيعي في مدرستنا بعد كل ما مررنا به”، يرى هاشم بصيص أمل في الفصول الممتلئة بالطلاب على الرغم من العوائق “التحديات التي نواجهها هائلة؛ من الزجاج المكسور إلى الجدران المتصدعة، وحتى التأثير النفسي الكبير على الطلاب والمعلمين.”

يركز هاشم بشكل أساسي على توفير بيئة آمنة وجاذبة لطلابه في أسرع وقت ممكن “مثل إصلاح النوافذ وتأمين المقاعد الدراسية، لكن هناك أيضًا الحاجة إلى إعادة بناء الثقة وتحفيز الطلاب للعودة إلى مقاعد الدراسة.”

مدرسة هاشم، كغيرها من مدارس الجنوب تتعاون حاليًا مع وزارة التربية والتعليم والجهات الداعمة، مثل المنظمات الدولية، لتأمين الموارد اللازمة، وتعويض الطلاب عن الوقت الفائت من الفصل الدراسي “فريق المدرسة يعمل بلا كلل لدمج الطلاب في برامج الدعم النفسي والاجتماعي، ونستخدم التكنولوجيا لتعويض الدروس الضائعة من خلال المنصة الرقمية الجديدة”، يستخدم المعلمون منصة Microsoft Teams لإعطاء بعض الدروس بشكل افتراضي، بحسب ما شرحه هاشم.

أحيانًا أمسكه وهو يكتب أحلامه الصغيرة على دفتره،
أحلام تتجاوز الأنقاض التي تحيط بنا

يقول هاشم: “أعلم أن الطريق طويل، لكننا نؤمن بأن التعليم هو المفتاح لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وسنعمل بكل طاقتنا لتحقيق هذا الهدف.”

وفقًا لتقرير سابق صادر عن وزارة التربية والتعليم اللبنانية، تسبب العدوان الإسرائيلي منذ أيلول/يوليو في تأثيرات مباشرة على أكثر من 500 ألف طالبٍ وأكثر من 34 ألف معلمٍ في المدارس الحكومية والخاصة، وطالت الأزمة العديد من المؤسسات التعليمية، سواء الواقعة في المناطق المتضررة أو تلك التي تقع خارجها ولكن تم استخدامها كمراكز إيواء للنازحين.

على مستوى أولياء الأمور، فكل ما تهتم به ليلى إبراهيم، والدة يوسف، أن يكمل ولدها تعليمه ويحقق أحلامه الدراسية، تقول: “الحرب سرقت منا الكثير، لكنني أؤمن بأن التعليم هو السلاح الأقوى الذي يمكن أن نمنحه لأطفالنا في مواجهة هذه الظروف. رؤية يوسف يصر على الذهاب إلى المدرسة كل يوم، حتى وسط الأنقاض وصوت الجرافات، يمنحني الأمل”.

تعلم ليلى أن التحديات كبيرة، لكنها تقول لابنها دائمًا إن كل خطوة نحو المدرسة هي خطوة نحو مستقبل أفضل.

تضيف:”أحيانًا أمسكه وهو يكتب أحلامه الصغيرة على دفتره، أحلام تتجاوز الأنقاض التي تحيط بنا. يكتب بأنامله الصغيرة وبعض رسومه عن طموحه في أن يصبح طبيب، خربشات رسومه تظهر حبه لتقديم المساعدة. فهول ما عاشه في هذه الحرب، جعله يريد أن يغير الواقع المرير بأي طريقة، ليندرج تحت أحدى طموحاته للمستقبل.  كأم، قلبي ينكسر حين أرى طفلي يقاتل بهذه الشجاعة، لكنه أيضًا يمنحني القوة.”

وأعلن الصندوق العالمي للتعليم في حالات الطوارئ والأزمات الممتدة التابع للأمم المتحدة “التعليم لا ينتظر” ECW) عن تقديم تمويل إضافي بقيمة 1,5 مليون دولار أميركي لوزارة التربية والتعليم في لبنان، وذلك لدعم شمولية وصول الفتيات والفتيان المتضررين من الحرب إلى التعليم الجيد. وقد وصلت محفظة استثمار صندوق “التعليم لا ينتظر”، التي تبلغ قيمتها  25,8 مليون دولار أميركي، إلى 1,2 مليون طفل في لبنان من خلال توفير تعليم شامل وعالي الجودة .

وأفادت اليونيسف بأنها ستتولى توسيع تكلفة منحة الاستجابة الطارئة الأولى لقطاع التعليم في لبنان، ضمن محفظة استثمار صندوق “التعليم لا ينتظر”، البالغة 25,8 مليون دولار أميركي، لتشمل 1,2 مليون طفل في لبنان. 

وفي تقرير المنظمة “الاستجابة الطارئة في لبنان بعد وقف إطلاق النار“،  تعمل اليونيسف مع وزارة التربية والتعليم العالي لاستئناف التعليم لجميع الأطفال وتنفيذ خطة استجابة استمرارية التعلم التابعة للوزارة. يشمل ذلك إعادة فتح المدارس التي كانت تُستخدم كمراكز إيواء، وتجهيزها لاستئناف الدروس في الفصول الدراسية.

أصبح لزاماً على يوسف التعايش مع بيئة دراسية مليئة بالتحديات،
حيث البرد يدخل من النوافذ المكسورة

ذلك إلى جانب إطلاق منصة “مدرستي الرقمية”، لتمكين الأطفال من مواصلة دراستهم عبر التعلم المدمج والتعلم عن بُعد. كما قدمت اليونيسف لوزارة التربية والتعليم العالي أكثر من 450 ألف حساب مستخدم للطلاب والمعلمين للوصول إلى المنصة.

في ظل كل هذه المبادرات والدعم الدولي، يبقى المشهد الإنساني حاضرًا بقوة في تفاصيل الأزمة التعليمية. خلف كل رقم مذكور في التقارير قصة طفل يحلم بمقعد دراسي ثابت، ودفتر نظيف يكتب عليه أحلامه، ومعلم يحمل الأمل لأجيال المستقبل رغم الإرهاق والضغوط.

على أرض الواقع، هناك أطفال يسيرون مسافات طويلة وسط أنقاض المنازل للوصول إلى مدارسهم المؤقتة، وأمهات يودعن أطفالهن بقلوب مثقلة بالخوف والرجاء. هؤلاء الأطفال لا يحملون فقط حقائبهم المدرسية، بل أحلام عائلاتهم التي تؤمن أن التعليم هو السبيل الوحيد للخروج من دوامة الفقر والنزاع.

في أحد الفصول الدراسية، قد تجد طفلاً مثل يوسف، ينظر من نافذة مكسورة، لكنه يرى من خلالها المستقبل الذي يطمح إليه، أو فتاة مثل سحر، تمسك كتابها بقوة، وكأنها تتمسك بحياتها بأكملها.

استمرارية التعليم ليست مجرد ضرورة آنية،
بل تمثل حجر الزاوية في مواجهة تداعيات الصراع

كان لبنان والأمم المتحدة قد أطلقتا نداءً عاجلاً في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2024 للحصول على تمويل بقيمة 425.7 مليون دولار لتقديم المساعدات العاجلة لمليون شخص متضرر من النزاع في الفترة من تشرين الأول/أكتوبر إلى كانون الأول/ديسمبر 2024.

من هذا المبلغ، 15.4 مليون دولار لقطاع التربية والتعليم، بهدف معالجة العوائق التي تحول دون استمرار التعلم، من خلال توفير نماذج للتعليم الحضوري أو المدمج باستخدام الموارد التقليدية والرقمية، بالإضافة إلى توفير مساحات صديقة للأطفال ودعم المؤسسات التعليمية بالمعدات اللازمة.

يواصل قطاع التعليم جهوده للصمود لحماية جيل كامل من فقدان حقه في التعليم. فاستمرارية التعليم ليست مجرد ضرورة آنية، بل تمثل حجر الزاوية في مواجهة تداعيات الصراع، والعمل على تدارُك الأضرار طويلة الأمد التي قد تهدد مستقبل المجتمع بأسره.

الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة:

اشترك/ي في نشرتنا الشهرية

تابعونا ليصلكم/ن كل جديد!

انضموا إلى قناتنا على الواتساب لنشارككم أبرز المقالات والتحقيقات بالإضافة الى فرص تدريبية معمقة في عالم الصحافة والإعلام.

هل تريد تجربة أفضل؟

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربة التصفح وتحليل حركة المرور وتقديم محتوى مخصص. يمكنك إدارة تفضيلاتك في أي وقت.

ملفات تعريف الارتباط الضرورية

ضرورية لعمل الموقع بشكل صحيح. لا يمكن تعطيلها.

ملفات تعريف الارتباط للتتبع

تُستخدم لمساعدتنا في تحسين تجربتك من خلال التحليلات والمحتوى المخصص.

0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x